الدرس في كتاب الفرائض 2، 2- باب ميراث الكلالة . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
تناول الشيخ عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك شرح حديث جابر بن عبد الله حول مرضه وزيارة النبي له، وتطرق إلى مفهوم ميراث الكلالة وأحكامه.
المقطع يبين أحكام عيادة المريض، وقد تكون واجبة أو مستحبة، ويشرح المنافع التي تتحقق منها مثل أداء فروض الكفايات وتناصر المسلمين.
يستخرج عدة مسائل من حديث جابر بن عبد الله منها انتفاع المريض بالماء كجزء من الطب النبوي وتأكيد معنى الأخوة الإسلامية.
النعم تزيد بالإنفاق وتنقص بالبخل، والإنفاق في سبيل الله يزيد النعم ويبارك فيها.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب ميراث الكلالة. قال حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: «مرضت مرضًا فأتاني النبي صلى الله عليه وسلم يعودني وأبو بكر، وهما ماشيان، فوجداني أغمي علي، فتوضأ النبي صلى الله عليه وسلم ثم صب وضوءه علي، فأفقت، فإذا النبي صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله، كيف أصنع في مالي؟ كيف أقضي في مالي؟ فلم يجبني بشيء حتى نزلت آية المواريث». قال: أخرجه البخاري بكتاب المرضى، باب عيادة المغمي عليه. أورد المؤلف رحمه الله هذا الباب والحديث في ضمن الأحاديث المتفق عليها في الصحيحين. فهذا الحديث على قاعدته هو لفظ الإمام البخاري، والتبويب على ما بويب عليه في صحيح مسلم. فقوله: «باب ميراث الكلالة» أي هذا مدخل في معرفة ميراث الكلالة، والمراد بميراث الكلالة: من يورث ليس له أصول ولا فرع. والشاهد من الحديث هو نزول آية المواريث، يعني آية الكلالة. وهذا الحديث أخرجه الإمام البخاري كما أشار في نفس الباب المشار إليه، فقال رحمه الله: حدثنا عبد الله بن محمد قال: حدثنا سفيان عن ابن المنكدر أنه سمع جابر بن عبد الله فذكر الحديث بلفظه. وفي الحديث مسائل من أهم هذه المسائل مسألة الباب، وهي ذكر معنى أو مبحث من مباحث الميراث، وهو ميراث الرجل أو الميت عمومًا إذا لم يكن له أصول ولا فرع. وقد دلت أدلة الكتاب والسنة على أصل هذه المسألة، وتحت هذا الأصل التفاصيل وفروع، بتتبع نصوص الكتاب والسنة وفتاوى الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فهمت تفاصيل كثيرة نص عليها العلماء في كتب الحديث والفقه. فمن هذه التفاصيل ميراث الرجل الذي يموت وليس له أحد من أصوله ولا فروعه. فإن كانت له أخت واحدة فلها النصف، أو أختان فلهم الثلثان، أو كان معهن معصب فللذكر مثل حظ الأنثين. وهكذا هناك تفاصيل أخرى. فإن كانت أخت شقيقة مع أخت لأب فتكمل الأخت لأب أو الأخوات لأب الثلثين، لأنه عموم نص القرآن لقول الله عز وجل: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾، فلفظ نساء يتناول البنات ويتناول الأخوات. وهكذا كذلك قياسًا على بنت الإبن مع البنت. وقد نقل في هذه المسألة الإجماع ومسائل أخرى وتفاصيل لا تستوعب في مثل هذا المقام، لكن محلها تفاصيل ما ذكره العلماء في كتب الحديث والفقه. وفي الحديث مسائل أخرى من أهم هذه المسائل فيه مشروعية عيادة المريض. وقد بوّب البخاري رحمه الله هذا الباب: «باب عيادة المغمية عليه» في كتاب المرضى. وفي قوله: «باب عيادة المغمية عليه» فيه إشارة إلى أن عيادة المريض لا يلزم من مشروعيتها علم المعاد بهذه العيادة، فإذا كان المريض المغمي عليه يعاد فمن باب أولى إذا لم يكن مغمي عليه. ويقاس على المغمي عليه كل من كان بمعناه كأصحاب الغيبوبة، وهكذا كذلك من وقعت فيه جلطة أو نحو ذلك ممن فقد إدراكه، فإنهم يعادون ويزارون أولًا لأنه حق من حقوق المسلمين. فعيادة المريض ليست فقط مستحبة بل هو حق. لهذا قال بعض أهل العلم: الصحيح أن فيها التفصيل، فقد تكون واجبة وقد تكون مستحبة. وفي هذه العيادة لا شك منافع ومصالح كثيرة، ولهذا جعلت حقًا من حقوق المسلمين بعضهم على بعض. فقد صح بحديث أبي هريرة في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر حق المسلم على المسلم ومنها عيادته. وفي عيادة المريض تتحقق بعض المنافع التي منها أداء ما قد يحتاجه هذا المريض مما هو من فروض الكفايات، فضلًا عما هو من مواضع الاستحباب. وتناصر المسلمين وتناصحهم بعضهم مع بعض، فربما يحتاج إلى إعانة معنوية أو إعانة حسية يكون له فيها خير في دينه ودنياه. وهكذا كذلك فيه موضع آخر يدخل العبد على نفسه فيه الأجر. وفيه من المسائل كذلك استحباب التعجيل بزيارة المريض الذي وقع له المرض إذا وقع فجأة الإنسان في مرض أو سقط أو صار له حادث، فبادر بزيارته لأنه ربما كما سبق يحتاج إليك. ولهذا جاء أنهما جاء النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وهما ماشيان، وهذا فيه دليل على عجلة وسرعة زيارتهما له حين بلغهما أنه قد أغمي عليه من شدة المرض. وفي حديث سعد بن معاذ لما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أن جرح سعد عاد مرة أخرى، قام النبي صلى الله عليه وسلم يعود سعدًا في الخيمة التي ضربت له، وقام كل على هيئته، حتى قال أبو هريرة: «فخرجنا حفاة غير منتعلين حسرًا ليس على رؤوسنا العمائم ولا القلانس». وهذا دليل آخر على استحباب مبادرة زيارة المريض ومناصرته في أول وقت مرضه. لأنه قد يحتاج إلى إعانة حسية ومعنوية، وعيادة المريض من حقوق المسلمين بعضهم على بعض. فانظر كيف خرج النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه من الصحابة على حالتهم حفاة غير منتعلين حسرًا ليس على رؤوسهم العمائم ولا القلانس. وهكذا هنا خرجا وهما ماشيان. وفيه من المسائل كذلك مشروعية البقاء عند المريض بحسب حاجته ومصلحة هذا المريض. وقد بقي النبي صلى الله عليه وسلم عنده حتى أفاق. وفيه من المسائل كذلك جواز إعانة المريض بما يكون به شفاؤه، فقد توضأ النبي صلى الله عليه وسلم ثم صب وضوءه عليه. وهل هذا يكون لغيره عليه الصلاة والسلام؟ الصحيح من أقوال أهل العلم أنه لا يكون لغيره. فالتبرك بفضلات الوضوء وبالذات الشريفة منه عليه الصلاة والسلام هذا من خصائصه، لا يتبرك بأحد بذاته ولا كذلك بفضل طهور أحد إلا النبي عليه الصلاة والسلام. ولهذا لم يثبت ذلك عن أحد بعده عليه الصلاة والسلام. ولو كان مشروعًا لعلمنا به بعده عليه الصلاة والسلام ولم يفعل. لكن فيه جواز الدعاء للمريض، إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم توضأ وصب عليه من وضوءه. وهكذا كذلك صح عنه الدعاء للمريض. فمن استطاع أن ينفع أخاه فلينفعه، ما دام هذا الباب غير مشروع، أي صب الوضوء عليه، فليكن غير ذلك، يعني من الدعاء له أو وضع اليد عليه ورقيته بالمشروع المأذون فيه بما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم. كان يضع يده على رأسه أو موضع الألم فيدعو له: «اللهم رب الناس مذهب البأس اشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقمًا». ونحو ذلك من الأدعية التي صحت عن النبي صلى الله عليه وسلم في رقية المريض. وهكذا كذلك فيه من المسائل انتفاع المريض بالماء، وهذا معنى من معاني الطب النبوي، خصوصًا إذا كان فيه شيء من الحرارة. فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم إبراد الحمى بالماء. فإذا احتيج إلى الماء لأجل تخفيض الحرارة فيستعمل الماء، وهو من الطب النبوي الذي صح عن نبينا عليه الصلاة والسلام. وفيه من المسائل كذلك حرص الصحابة رضي الله تعالى عنهم على العلم. فهذا جابر بن عبد الله رضي الله عنه في مرض خشي على نفسه الموت لم يمنعه حال الذي هو فيها أن يسأل عن هذه المسألة من العلم. قال: «يا رسول الله كيف أصنع في مالي؟ كيف أقضي في مالي؟» لم يسأل لأجل الدنيا لأنه خارج منها هكذا كان يظن رضي الله عنه أرضاه، ولكن سأل من أجل الدين لأجل العلم ولأجل أن يضع الحقوق في مواضعها على الوجه الذي يحبه الله سبحانه وتعالى ويرضاه. فلم يجبه النبي صلى الله عليه وسلم بشيء حتى نزلت آية الميراث. وفي هذا دليل كذلك على عدم جواز التقول على الله وعلى رسوله عليه الصلاة والسلام وعلى دين الله. فإذا كان النبي عليه الصلاة والسلام وهو الذي يوحى إليه لم يجب بشيء في مثل هذه المسألة لأنه لم يوحى إليه حتى نزل عليه العلم، فنزلت آية الميراث. فكيف بمن دونه عليه الصلاة والسلام؟ وفيه دليل كذلك على أنه عليه الصلاة والسلام لا ينطق عن الهوى، إنه إلا وحي يوحى. فما كان يبثه في الناس من علم عليه الصلاة والسلام كله وحي من الله سبحانه وتعالى. وهو ينقسم إلى ثلاثة أقسام: منه ما لفظه ومعناه من الله كالقرآن، وكالحديث القدسي في أحد قولي أهل العلم. ومنه ما معناه من الله سبحانه وتعالى كسائر الأحاديث. ومنها ما يفعله عليه الصلاة والسلام، فإنه يفعل بمقتضى علم من العلم وبلغه من الوحي. والثالث ما كان يقر عليه عليه الصلاة والسلام، وهو كذلك موضع آخر من مواضع الوحي. فإن من معاني الوحي إقرار الوحي على المعمول به في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، كما قال جابر: «كنا نعزل والقرآن ينزل»، فدل ذلك على إقرار القرآن لفعل العزل. وهكذا من باب أولى ما أقره النبي صلى الله عليه وسلم أو أقر عليه من فعله عليه الصلاة والسلام. وقوله: وفيه من المسائل كذلك ما كان عليه الصحابة رضي الله تعالى عنهم عمومًا وقدوتهم في ذلك النبي عليه الصلاة والسلام من تفقد أحوال بعضهم بعضًا، فحققوا معنى أخوة الإسلام والإيمان. فالمسلم للمسلم كالبنيان يشد بعضه بعضًا. وما أكثر الوقائع التي تدلنا على هذا المعنى وتؤكده، وهي كثيرة جدًا. ما أنهم رضي الله عنهم كانت لهم شواغل وكانت لهم كذلك أمور عظام، ومع ذلك لم يمنعهم ذلك من أن يقوم بعضهم بأمور بعض. بل يكون للحياة معنى غير ما يظن الإنسان ويتصور، بل العكس إذا بخل الإنسان في وقته وفي ماله وفي كذلك سائر ما أعطاه الله عز وجل، فإن بركة هذه الحياة تزول منه. وكما قيل في العلم وهو كذلك في غيره مما أعطى الله عز وجل العبد من نعم: يزيد بكثرة الإنفاق منه وينقص إن كفا به. شدتا طيب. نكتب بهذا وإلى هنا والله تعالى أعلم.