الدرس في التعليق على النبذة الشريفة النفيسة في الرد على القبوريين 40، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يذكر الإمام حمد الناصر المعمر رحمه الله مفاسد اتخاذ القبور أعيادا، ويعتبر هذه الأفعال من الشرك الأكبر. يبين أن أصل هذا الداء بدأ مع قوم نوح لما غلوا في الصالحين.
يشرح أسباب عبادة القبور وتحذير النبي منها، مستشهدا بحديث حول اليهود والنصارى الذين اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد. نهى النبي عن الصلاة عند القبور واتخاذها مساجد ولعن من يفعل ذلك.
هذا القول باطل ويخالف مقاصد رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث نهى النبي عن الصلاة في المقبرة بسبب النجاسة. سيتم ذكر الأوجه التي تبطل هذا القول في درس لاحق.
بسم الله الرحمن الرحيم. صلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد. قال الإمام حمد الناصر المعمر رحمه الله: فصل، واعلم أن في اتخاذ القبور عيدا من المفاسد العظيمة التي لا يعلمها إلا الله، ما يغضب لأجله كل من في قلبه وقار لله وغيرة على التوحيد. فمن ذلك الصلاة إليها. أنا يريد أن يبين المفاسد التي تحصل باتخاذ القبور أعيادا التي يفعلها هؤلاء الزوار، فمن ذلك الصلاة إليها، والطواف، وتقبيلها، واستلامها، وتعفير الخدود على ترابها. تعفير الخدود معنى أنه يضع خده على تراب هذا القبر، والاستعانة بأصحابها، وسؤالهم الرزق والنصر والعافية وقضاء الديون وتفريج الكربات وإغاثة اللهفات، وغير ذلك من أنواع الطلبات التي كان عباد الأصنام يسألونها أوثانهم. فتجد فيها عين الشرك الأكبر من دعاء غير الله عز وجل، والاستغاثة بغيره سبحانه وتعالى، فيدعو صاحب هذا القبر، ويصلي عنده، ويطاف بالقبر، ويقبل، وغيرها من الأمور التي هي منها ما هو شرك بالله، ومنها ما هو وسيلة إلى الشرك. قالوا: هذا هو عين الشرك الأكبر الذي بعث الله رسوله ينهى عنه، ويقاتل أهله، ومن مات عليه كان من أهل النار، عياذا بالله من ذلك. وكان مبدأ هذا الداء العظيم في قوم نوح، لما غلوا في الصالحين، كما أخبر الله عنهم في كتابه، حيث قال: ﴿وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا﴾. قال ابن جرير: وكان من خبر هؤلاء ما حدثنا ابن حميد -ابن حميد هو محمد بن حميد الرازي، وكان حافظا، لكنه كان ضعيفا، أنا حافظ كبير، لكنه كان يأخذ أحاديث الناس ويحدث بها، وأصابه الغرور- قال: حدثنا مهران عن سفيان -أي سفيان الثوري- عن موسى عن محمد بن قيس: أن يغوث ويعوق ونسرا كانوا قوما صالحين من بني آدم، وكان لهم أتباع يقتدون بهم، فلما ماتوا، قال أصحابهم: لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم. أنا أنهم من الشطون في العبادة. فلما ماتوا وجاء آخرون، دب إليهم إبليس، فقال: إنما كانوا يعبدونهم، وبهم يسقون المطر، فعبدوهم. قالوا: قال غير واحد من السلف: كان هؤلاء قوما صالحين في قوم نوح، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد، فعبدوهم. وقد جاء هذا عن ابن عباس فيما رواه البخاري رحمه الله، قال: فهؤلاء جمعوا بين الفتنتين: فتنة القبور، وفتنة التماثيل. وهم الفتنتان اللتان أشار إليهما النبي عليه الصلاة والسلام لما ذكرت له أم سلمة كنيسة -معنى قوم نوح جمعوا بين الفتنتين: فتنة القبور، وفتنة التماثيل- أن عكفوا عند قبورهم، ثم صوروا تلك الصور، وجعلوها تماثيلا. قال: وهم الفئتان اللتان أشار إليهما النبي عليه الصلاة والسلام لما ذكرت له أم سلمة كنيسة -أم سلمة، أم حبيبة- رأتاها في أرض الحبشة، وما فيها من الصور، فقال: «أولئك إذا مات فيهم العبد الصالح أو الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا، وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله». هذا الحديث في الصحيحين حديث عائشة. قالوا: هذا كان سبب عبادة اللات. فروى ابن جرير بإسناده عن مجاهد: أفرأيتم اللات والعزى؟ قال: كان يلت السويق للحاج، فمات، فعكفوا على قبره. أنا يلت السويق: أي يفت الخبز مع السمن حتى يأكل الحجاج، فكان الناس يحبونه، لما مات عكفوا على قبره. قال: وقال: وكذلك قال أبو الجوزاء عن ابن عباس: كان يلت السويق للحاج، فسمي -فسموا هذا الصنم باسمه- اللات: أي الذي يلت السويق. قال: فقد رأيت أن سبب عبادة يغوث ويعوق ونسر واللات إنما كان بسبب تعظيم قبورهم، ثم اتخذوا لها التماثيل، ثم عبدوها. قال أبو العباس بن تيمية -قدس الله روحه-: وهذه العلة التي لأجلها نهى الشارع عن اتخاذ على القبور، أو اتخاذ المساجد على القبور، هي التي أوقعت كثيرا من الأمم إما في الشرك الأكبر أو فيما دونه من الشرك. ولهذا قال الله عز وجل: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». فهذه العلة التي جعلت أولئك يشركون بالله. فكان النبي عليه الصلاة والسلام يحذر مما صنعوا. قال: فإن الشرك بقبر الرجل الذي يعتقد صلاحه أقرب إلى النفوس من الشرك بخشبة أو حجر. قالوا: لهذا تجد أهل الشرك كثيرا تضرعون عندها، ويخشونها، ويعبدونها بقلوبهم عبادة لا يفعلونها في بيوت الله، ولا وقت السحر. ما نجد الخشوع والخضوع عند هذه القبور، وتجد أيضا الباكي منهم من يبكي، ومنهم من يتمرق، ومنهم من يطوف ويتمسح. وقد رأيناهم بأم عيننا يفعلون هذه الأمور. قالوا: منهم من يسجد لها، وأكثرهم يرجون من بركة الصلاة عندها ما لا يرجون في المساجد. الآن كثير من الناس -أو من هؤلاء- ينكر مثل هذا، يقول: هذه الأشياء كانت قديما، أما الآن فلا. وهذا كلام كذب، فهي موجودة إلى الآن، بل حتى أنهم في بعض الأماكن خصصوا بعض القبور بشيء مما يكون لله عز وجل، مثلا بإعطاء الولد، فيقولون: هذا القبر خاص بإعطاء الولد، فتذهب النساء إليه لأجل أن تلد، ومنها لأجل أن تحمل. بل هناك في بعض الأماكن -منها في هود- مكان يسمونه البئر المعطلة، عن بئر قديمة، فعملوا لها قبة، وإذا جاءت وقت زيارتهم -زيارة هذا المكان- يجعلون طينا -معنى رطبا- في القبة من داخل، ثم من أراد شيئا من النساء ومن غيرهن تأتي بحبل، يضعون حبالا كثيرة، تأتي بحبل وترمي به في هذه القبة؛ لأنها رطبة يمسك الحبل، يقولون: إذا مسك خلاص -معنى تنفذ المطلوب-. وهذا عين الشرك بالله جل وعلا. قال: في الأجل هذه المفسدة حسم النبي عليه الصلاة والسلام مادتها، حتى نهى عن الصلاة وقت طلوع الشمس، وإن لم يقصد ما قصده المشركون، سدا للذريعة. ولأنه قال عليه الصلاة والسلام: «وحينئذ يسجد لها الكفار» -أي يسجد للشمس-. قال: وأما إن قصد الرجل بالصلاة عند القبر تبركا بالصلاة في تلك البقعة، فهذا عين المحادة لله ورسوله، والمخالفة لدينه، وابتداع دينا لم يأذن به الله. لأن الله عز وجل جعل أفضل البقاع التي يسجد فيها هي المساجد، فمن جعل القبر أفضل مكان، فهو يحاد الله عز وجل ويضاده. قال: فإن المسلمين قد أجمعوا لأن الصلاة عند القبر منهي عنها، وأنه لعن من اتخذها مساجد. ومن أعظم المحدثات وأسباب الشرك: الصلاة عندها، واتخاذها مساجد، وبناء المساجد عليها. وقد تواترت النصوص عن النبي عليه الصلاة والسلام بالنهي عن ذلك، والتغليظ فيه، بل النهي عن ذلك في آخر حياته، كما صح ذلك عن جمع من الصحابة: أنه لعن النبي صلى الله عليه وسلم من اتخذ القبور مساجد. قال: ثم إنه لعن -وهو في السياق- من فعل ذلك من أهل الكتاب؛ ليحذر أمته أن يفعل ذلك. قالت عائشة رضي الله عنها: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي لم يقم منه: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». ولولا ذلك لأبرز قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا. متفق عليه. وقولها: «خشية» هو بضم الخاء المعجمة، تعليلا لمنع إبراز قبره. ورواه بعضهم بالفتح: «خشية». وأبلغ من هذا أنه نهى عن الصلاة إلى القبر، فلا يكون القبر بين المصلي وبين القبلة. ولهذا لما رأى عمر رضي الله عنه أنسا يصلي بين القبر والقبلة، ولم ينتبه أنس للقبر، فكان عمر رضي الله عنه يقول له: يا أنس القبر القبر. فظن أنس أنه يقول له: القمر القمر، فنظر إلى القمر، وإنما أراد أن ينهاه عن الصلاة إلى القبر. قال: قال فروا مسلم في صحيحه: عن مرثد الغنوي أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لا تجلسوا على القبور، ولا تصلوا إليها». وفي هذا إبطال قول من زعم أن النهي عن الصلاة فيها لأجل النجاسة. فهذا أبعد شيء عن مقاصد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو باطل من عدة أوجه سيبين الأوجه التي تبطل هذا القول. وأن النبي صلى الله نهى عن الصلاة في المقبرة لأجل النجاسة، فهذا قول مردود. وذكر هنا المؤلف من عدة أوجه، إن شاء الله نذكرها في درس لاحق.