الدرس في كتاب الصلاة 73، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
ذكر المؤلف آراء المذاهب المختلفة حول حكم القنوت في صلاة الفجر، حيث يرى مالك والشافعي أنه سنة بينما يرى أبو حنيفة أنه يقنت في الوتر دائما. واستدل الشافعي بحديث عن أنس بن مالك على سنية القنوت في صلاة الفجر.
يناقش المقطع عدم مشروعية قنوت الفجر في الصلاة ويستدل على ذلك بأحاديث صحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم وأقوال السلف، ويبين أن الأحاديث التي تدل على قنوت الفجر في النوازل لا تعني استمرار قنوت الفجر.
المسألة التي يتناولها المقطع تتعلق بحكم القنوت في صلاة الفجر، حيث يبين أن القول الصحيح هو عدم ثبوت قنوت النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الفجر، وأن الصحابة كانوا يقنتون في النوازل فقط.
سيتم استكمال بحث مسائل القنوت مع ذكر بعض المسائل التي ذكرها المؤلف، وسيكتفى بهذا القدر الآن والله تعالى أعلم.
بسم الله الرحمن الرحيم. الصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه. بعد ذلك، قال المؤلف رحمه الله تعالى، وهو الإمام الشافعي المحلي حسين بن محمد المحلي: وصفة أن يقال في الصبح عند مالك والشافعي، وفي النصف الثاني من رمضان في وتر العشاء عند الشافعي. وقال أبو حنيفة: يقنت في الوتر دائما. ومحل القنوت عند الشافعي وأحمد بعد الرفع من الركوع الأخير، وعند مالك وأبي حنيفة قبله. الآن ذكر مسائل القنوت. وهنا ذكر عدة مسائل: أولا، حكم القنوت في الفجر، وقنوت الوتر، وقنوت النوازل، وأيضا الدعاء الذي في القنوت. وكل هذا إن شاء الله تعالى نتكلم عليه. فاليوم نأخذ مسألة وهي مسألة حكم القنوت في صلاة الفجر. فذكر المؤلف رحمه الله أنه سنة عند مالك والشافعي في الاستمرار عليه. والشافعي عنده سنة مؤكدة، حتى أن من تركها يسجد للسهو من تركها سهوا. بل يقولون أيضا في المذهب: من تركها متعمدا يسجد للسهو، أي ترك القنوت. معنى ذلك عنده أنه سنة مؤكدة وليس بواجب، لكنه يعاملونه مثل الواجب. ودليل من قال بسنية القنوت في صلاة الفجر: أن القنوت معناه الدعاء. لأن القنوت يأتي بمعاني، ومنها الدعاء. فاستدلوا بما جاء في حديث أبي جعفر الرازي عيسى بن أبي عيسى أو عيسى بن مهان، روى عن الربيع بن أنس، عن أبي العالي، عن أنس بن مالك: أن النبي عليه الصلاة والسلام قنت شهرا ثم ترك. قال: وأما في صلاة الفجر فقنت حتى فارق الحياة. وهذا الحديث أخرجه الترمذي وغيره، وهو كما قلنا من طريق أبي جعفر الرازي عيسى بن أبي عيسى وعيسى بن مهان، وهو مختلف في الحكم عليه. منهم من ضعف، ومنهم من وثق. لكن أيضا لو قيل: إن ربيع بن أنس أيضا فيه خلاف. لو أيضا حصل أن هذا الحديث إسناد صحيح، لكنه معارض لما جاء عن أنس في الصحيحين. وقد روى عن أنس: قتادة، ومحمد بن سيرين، وأبو قلابة، وجماعة من أصحاب أنس، أنهم قالوا عن أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قنت شهرا ثم ترك، قنت شهرا ثم ترك. وهؤلاء هم أوثق في أنس من أبي العالي، وأعرف بحديث أنس من أبي العالي، لأنهم لازموه كثيرا. قتادة، وكذلك أيضا محمد بن سيرين وأبو قلابة، فقالوا: أن النبي صلى الله عليه وسلم قنت شهرا ثم ترك. قال الشافعي رحمه الله: إنه ترك الدعاء فقط، ولم يترك القنوت. وهناك رواية في صحيح البخاري، في رواية الزهري عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: أنه ذكر أن النبي عليه الصلاة والسلام قنت شهرا على رعل وذكوان وبني لحيان، قال ثم ترك. قال: فقال أبو هريرة: أرى أنه تركه أو ترك الدعاء. قال أبو هريرة: أرى أنه ترك الدعاء. فقيل له: ألا تراهم قد حضروا أو قد قدموا؟ ألا تراهم قد قدموا؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قنت على أولئك ودعا للمستضعفين الذين في مكة. أقصى معنى: دعا للمستضعفين الذين في مكة. قال: اللهم أنج وليد بن وليد، وسلمة بن هشام، والمستضعفين من المؤمنين. ثم قال: اللهم العن شيبة بن ربيعة، وعتبة بن ربيعة. وقال: والله العن قريشا. ثم قال: اللهم اجعلها عليهم سنين كسنين يوسف. ثم قال أبو هريرة: معنى ليس في رعل وذكوان، إنما في قريش وفي المستضعفين. فقال أبو هريرة: أرى أن النبي صلى الله عليه وسلم قد ترك الدعاء. وكأن بعض الشافعية تمسك بهذا لما قال: ترك الدعاء ولم يترك القنوت. وهذا ليس بصحيح. بل النبي صلى الله عليه وسلم ترك الدعاء كله. ولهذا جاء في حديث محمد بن سيرين: أنه قال: سألت أنسا عن قنوت الفجر، قال: نعم قنت النبي عليه الصلاة والسلام شهرا ثم ترك الدعاء، قال ثم ترك. أي ترك هذا القنوت. وهذا الذي أيضا جاء في حديث أبي هريرة في الصحيح، حديث الزهري عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة، عن أبي هريرة. وكذلك حديث العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، في أكثر من حديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم ترك الدعاء والقنوت. وهذا الذي جاء به أنس رضي الله عنه. فهذا الذي استدل به على أنه يقنت في الفجر. لكن الصحيح كما قال أهل العلم: أن هذا لم يحصل. ولو حصل لتواتر عند الناس معنى أن النبي صلى الله عليه وسلم يقنت طيلة حياته حتى فارق الدنيا. وبئر معونة كانت في السنة السادسة، يعني قبل خيبر. فلهذا معنى في بداية أمر النبي عليه الصلاة والسلام، معنى جلس بعدها خمس سنوات أو أكثر. فكيف سيكون النبي صلى الله عليه وسلم تلك المدة كلها يقنت الفجر ولم ينقل أحد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقنت الفجر؟ فهذا مستحيل. وزد على ذلك: أنه قد جاء ما يبين أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن مستمرا في هذا. فقد أخرج الإمام أحمد بسند صحيح من طريق يزيد بن هارون، عن أبي مالك الأشجعي، قال: قلت لأبي: أصليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر؟ أكانوا يقنتون في الفجر؟ قال: لا، يا بني، محدث. قال: لا، يا بني، محدث. أي ما كانوا يقنتون في الفجر. وهذا حديث صحيح كما قلنا، رواه عدة من العلماء عن أبي مالك الأشجعي. رواه يزيد بن هارون وخلف بن خليفة، وأيضا غيرهم ممن ذكرهم العلماء في روايتهم عن أبي مالك الأشجعي. فهو حديث صحيح لا مطعن فيه. وبيّن أنه لم يكن القنوت في الفجر موجودا في عهد النبي عليه الصلاة والسلام، ولا في عهد أبي بكر، ولا في عهد عمر، ولا في عهد عثمان، ولا علي. فهذا النفي هو الصحيح. ولهذا ذهب أحمد وأبو حنيفة، وكذلك سفيان الثوري، وجماعة، ومنهم ابن مبارك: على أنه لا يشرع قنوت الفجر أبدا. وجاء عن بعض السلف أنه بدعة. كما جاء عن سعيد بن جبير. ومثله ثبت هذا عن السلف. جاءت آثار متعارضة. فذكر الإمام النووي رحمه الله في المجموع: أن القول بالقنوت هو قول أبي بكر وعمر وعلي وابن عباس وغيرهم. لكن هذا ليس بصحيح. قد ذكر البيهقي آثارا عن أبي بكر وعن عمر وعن علي، لكنها لا تصح. كلها من طريق غير صحيح. بل وذكر أيضا ذكره من الطرق الأخرى عن عمر: أنه ما كان يقنت إلا في النوازل. ما كان يقنت إلا في النوازل. وكذلك نبي الله صلى الله عليه وسلم. فالأحاديث التي جاءت في الصحيحين: حديث أبي هريرة، وحديث أنس، وحديث البراء في مسلم، وغيرها من هذه الأحاديث كلها في قنوت النوازل. لحديث البراء في مسلم: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقنت في الفجر والمغرب. وقال أبو هريرة: كان الناس يقنتون في العشاء الآخرة وفي الفجر. قال: وكانوا يدعون أو كانوا يدعون للمؤمنين ويلعنون الكفار. أي الصحابة رضي الله عنهم. وسيأتي إن شاء الله تعالى الكلام على القنوت في النوازل. فخلاصة المسألة: أن القول الصحيح فيها الذي لا شك فيه: أنه لم يثبت أن النبي عليه الصلاة والسلام قنت في صلاة الفجر. لم يثبت أن النبي عليه الصلاة والسلام قنت في صلاة الفجر. بل أيضا كذلك حتى عن الصحابة: عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم، لم يكن أحد منهم يقنت في صلاة الفجر إلا للنوازل. كما جاء عن عمر في عدة آثار: أنه قنت في النوازل. وكان يقول: اللهم إنا نستعينك ونستغفرك، نثني عليك الخير كله، نشكرك ولا نكفرك، ونترك ونخلع من يفجرك. إياك نعبد وإياك نستعين. ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد. نرجو رحمتك ونخشى عذابك. إن عذابك بالكفار ملحق. جاء هذا عن عمر رضي الله عنه: أنه كان يقنت به. وجاء كذلك عن عبد الله بن مسعود: أنه كان يقنت به. بل إنه كان في القرآن كما جاء في حديث أبي بن كعب: أنه كان يقرأ: ﴿فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ * وَدُودُوا أَنْ تَكُونَ لَهُمْ آمَنَةٌ﴾ على أنه آيات. وهكذا جاء عن ابن عباس. فخلاص ما يذكر كما قلنا: أنه لا يصح عن النبي عليه الصلاة والسلام، ولا عن أحد من الخلفاء: أنه قنت واستمر في قنوت الفجر. ونزع مثل كلام الإمام الشافعي رحمه الله: هو مجتهد رحمه الله اجتهد في هذا الباب واستدل بحديث أنس: كما قلنا: وأما في الفجر فلا زال يقنت حتى فارق الدنيا. الصحيح: أن هذا الحديث شاذ. حتى كما قلنا: لو جاء بإسناد صحيح، فهو مخالف للحديث التي جاءت عن أنس ورواها أقرب الناس من أنس. فلهذا لا يصح هذا الحديث من ناحية الإسناد. وكذلك أيضا مخالفته للحديث التي جاءت في الصحيحين. وأيضا كذلك الواقع الذي نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم: يشهد أن هذا الحديث غير صحيح. وأيضا هو معارض لقول أنس رضي الله عنه: قنت شهرا ثم ترك. كما في حديث محمد بن سيرين وقتادة وغيرهما: أن أنسا سئل: أقنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في الفجر؟ قال: قنت شهرا ثم ترك. هذا صريح على أنه فعل ذلك شهرا ثم ترك. بعد ذلك الدعاء. وجاء فيه عند أحمد والبزار عن أنس رضي الله عنه: أنه كان يقول: كان النبي عليه الصلاة والسلام إذا دعا لقوم أو دعا على قوم قنت في الصلاة. قنت في الصلاة. فدل على أنه كان يقنت للنوازل. فهذا خلاص ما يذكر: أنه لم يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قنت في الفجر. وهو قول أبي حنيفة وأحمد وأهل العراق جميعا، سفيان الثوري وغيرهم. وهو قول ابن مبارك. وهو الذي عليه عامة مشايخ السنة الآن: ابن باز وابن عثيمين والألباني، وشيخنا مقبل وغيرهم من أئمة الإسلام. وهو قول أيضا شيخ الإسلام ابن تيمية. والذي رجح أيضا الإمام ابن القيم في الهدي. وأيضا قول غيره من أئمة السنة. فلهذا فالصحيح أنه لا يصح. وسيأتي إن شاء الله معنا بعض المسائل التي ذكرها المؤلف، والتي أيضا إن شاء الله نكمل بها بحث المسائل التي تتعلق بالقنوت. فإن شاء الله نكتفي بهذا والله تعالى أعلم.