الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 241، ألقاها
شرح حديث العرايا الذي يرويه جابر بن عبد الله الأنصاري عن النبي صلى الله عليه وسلم، حيث أجاز النبي لأصحاب العرايا بيع التمر الرطب بتمر يابس. استثناهم من النهي عن المزابنة.
الإسلام أباح لأهل العرايا استبدال التمر بالرطب حتى أربعة أوسق، وحدد العلماء ذلك بما دون الخمسة أوسق تفاديا للربا. كان الفقراء يرغبون في الحصول على الرطب كفاكهة الموسم.
النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع التمر بالرطب أو بيع الزرع بالحبوب اليابسة، وأجاز لأهل العرايا بيع التمر بخرصه. هذه الأحكام تتعلق بالمزابنة والمحاقلة.
المقطع ينهي الحديث بذكر خلاصته، ويعبر عن أن الله تعالى أعلم بكل شيء. يُشير إلى انتهاء الكلام في موضوع معين.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد، قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله: قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: حدثنا يعقوب، ويعقوب بن إبراهيم بن سعد، قال: حدثنا أبي، وإبراهيم بن سعد الزهري، عن ابن إسحاق، ومحمد بن إسحاق بن يسار، إمام السيرة، قال: حدثني محمد بن يحيى بن حبان، وهو مدني ثقة، العمي، غاصب بن حبان، عن جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «أدن لأصحاب العرايا أن يبيعوها بخرصها»، يقول: الوسق، والوسقين، والثلاثة، والأربعة. هذا الحديث في العرايا، والعرايا جمع عارية، والمراد بها هنا الفقراء الذين لا نقد معهم، لكن عندهم تمر يابس، فيريدون أن يتفكهوا مع الناس، فيذهبون إلى أصحاب المزارع ويعطونهم هذا التمر، وأصحاب المزارع يعطونهم تمرا رطبا من الشجر. وأجاز النبي صلى الله عليه وسلم لأهل العرايا. جاء في حديث أبي هريرة، وفي حديث ابن عمر، أنه عليه الصلاة والسلام نهى عن المزابنة، والمزابنة أن يبيع ثمر حائطه بتمر حائطه بتمر يابس، فالنبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك، وقال إلا أهل العرايا. وجاء في حديث آخر رخص لأهل العرايا بالوسق، والوسقين، والثلاثة، والأربعة، أي إلى أربعة أوسق. وجاء في رواية: خمسة وأكثر. أهل العلم يقولون: يرخص فيما دون الخمسة، ولا يرخص في الخمسة وما فوق، أي ما دون الخمسة يرخص فيه. مثلا، معه أربعة أوسق، والوسق الواحد ستون صاعا، فالخمسة أوسق ثلاثمائة صاع، أي قرابة خمس وستين كيلو، وهذا أقل منه أربعة أوسق، الأربعة أوسق معنا مئتين وأربعين صاعا. فإذا كان مثلا هذا الفقير معه هذا القدر من التمر، فيعطيه صاحب النخل بخرصها، يخرص هذه النخلة، مثلا، كم ستخرج هذه النخلة؟ ستخرج مثلا ثلاثة أوسق، فيعطيه ثلاثة أوسق من هذه النخلة، والخرص هو التقدير، فيقدر كم ستخرج من هذه النخلة، فيعطيه بدلها. وهذا أجازه النبي صلى الله عليه وسلم، وإلا ففيها الربا، لكن أجازها النبي صلى الله عليه وسلم لأهل العرايا لأنهم ما عندهم نقد يشترون به، وهم يريدون أن يتفكهوا كما يتفكه الناس. الناس كلهم يحبون الرطب، ما يحبون اليابس، والرطب تكون فاكهة الموسم، فاكهة الخريف هي الرطب، فيريد الناس كلهم أن يتفكهوا، والفقراء إذا لم يكن معهم مال ما يستطيعون أن يشتروا من هذه الفاكهة، أي هذا الرطب. فأجاز لهم نبي صلى الله عليه وسلم أن يبيعوها بخرصها بالوسقين، والثلاثة، والأربعة. مثلا، هذه ثلاثة أوسق، كم سيكون بخرصها بالتمر الذي يكون في الشجر بالرطب؟ لا شك أن الرطب يكون أثقل من اليابس، إذا يبس نقص، لأنه يخرج منه الماء، فالرطب يكون أثقل. فلهذا، فقد يكون مثلا وسقان يساويان ثلاثة أوسق يابس، وسقان من الرطب يساويان ثلاثة أوسق من اليابس. الآن، عندك في الوزن، عندما تشتري كيلو من الرطب وتشتري كيلو من اليابس، فانظر إليهما، تجد أن الرطب أقل، واليابس أكثر، لأن الرطب أثقل من اليابس. لهذا، النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل، كما جاء في حديث سعد بن أبي وقاص، فسئل عن بيع التمر بالرطب، فقال: «ينقصه؟» قالوا: نعم، قال: «فلا»، أي لا يجوز أن تبيعوا تمرا يابسا ورطبا. وهذه هي المزابنة التي نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنها. والمحاقلة هي بيع الزرع رطبا أو في سنبله بالبر والرز والذرة وغيرها باليابس مما يكون منها يابسا، فهذه المحاقلة والمزابنة في التمر، والمحاقلة في الزرع في الحبوب. لكن رخص النبي صلى الله عليه وسلم لأهل العرايا أن يبيعوها بخرصها، تمرد بيعوها بخرصها تمرد. فهذا خلاصة ما يذكر في هذا الحديث، والله تعالى أعلم.