الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 514، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول هذا الفصل حديث نبوي عن شاب طلب الإذن بالزنا من النبي، حيث وجّهه النبي بحكمة وسأله عن تقبله للزنا لأقاربه، ثم دعا له بالهداية. يُظهر هذا الفصل أهمية توجيه الشباب وتوعيتهم بحكمة ولطف.
يُبرز هذا الفصل كيف كان النبي يعامل الناس بلطف ولين دون زجر أو انتهار، مستشهدا بقصص من حياته مثل حادثة الرجل الذي بال في المسجد. يُظهر أهمية معاملة الناس كما نحب أن يُعاملونا.
يتناول هذا الفصل التحذير من الزنا وضرورة تقوى الله، ويشير إلى علامات محبة الله للعبد كما ورد في حديث نبوي يصف كيف ينادي الله جبريل عندما يحب عبدا. يُبين أن من استأنس بالله آنسه الله.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد: قال شيخنا مقل بن هاد الوادي رحمه الله: قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: حدثنا يزيد بن هارون، وهو أبو خالد الواسطي الحافظ، قال: حدثنا حريز بن عثمان الكلاعي، قال: حدثنا سليم بن عامر عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: إن فتى شابا أتى النبي عليه الصلاة والسلام، فقال: يا رسول الله، ائذن لي بالزنا. فأقبل القوم عليه فزجروه، وقالوا: مه، مه، مه - هذه كلمات قال للزجر - قال: دنه، أي النبي صلى الله عليه وسلم قال له: دنه، أي أقرب. فدنا منه قريبا، قال: فجلس، فقال صلى الله عليه وسلم: أتحبه لأمك؟ قال: لا والله، جعلني الله فداك. قال: وللناس يحبونه لأمهاتهم. قال: فتحبه لابنتك؟ قال: لا والله، يا رسول الله، جعلني الله فداك. قال: وللناس يحبونه لبناتهم. قال: فتحبه لأختك؟ قال: لا والله، جعلني الله فداك. قال: وللناس يحبونه لأخواتهم. قال: فتحبه لعمتك؟ قال: لا والله، جعلني الله فداك. قال: وللناس يحبونه لعماتهم. قال: فتحبه لخالتك؟ قال: لا والله، جعلني الله فداك. قال: وللناس يحبونه لخالاتهم. قال: فوضع يده عليه الصلاة والسلام عليه، وقال: اللهم اغفر ذنبه، وطهر قلبه، وحصن فرجه. قال: فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء. قال: حدثنا أبو المغيرة، قال: حدثنا أبو المغيرة الشامي، قال: حدثنا حريز، قال: حدثني سليم بن عامر أن أبا أمامة حدثه أن غلاما شابا أتى النبي عليه الصلاة والسلام... قال شيخنا: هذا حديث صحيح، ويا له من موعظة وتوجيه للدعاة إلى الله. فهذا الحديث في هذه القصة التي حصلت مع هذا الشاب الذي تجرأ بهذا الكلام، فأقبل القوم عليه فزجروه، صحابة رضي الله عنهم زجروه كيف يوجه مثل هذا الكلام عند النبي عليه الصلاة والسلام، ويتجرأ هذا الشاب فيأتي بمثل هذا الكلام، فقال: ائذن لي بالزنا. فالنبي عليه الصلاة والسلام على سنته وعلى أخلاقه عليه الصلاة والسلام ما كان ينتهر أحدا، كما قال معاوية بن الحكم السلمي: لما عطس رجل فقال: الحمد لله، قال في الصلاة: يرحمك الله. فلما سلم نظر الناس إليه، نظر الناس إليه، فقال: ومالك يا أمي ماذا فعلت؟ قال: ثم إن النبي عليه الصلاة والسلام انصرف، ثم جئت إليه، فقال: فما نهري ولا زجري، أنا ما أغلظت علي في الكلام، ولا أيضا زجرني، وإنما قال: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس. وكذلك أيضا ذاك صاحب البول الذي بال في المسجد، فإن النبي عليه الصلاة والسلام لم يزجره، بل قال: لا تزرموه. فلما انتهى من بوله، قال له النبي عليه الصلاة والسلام: إن هذه المساجد لا يصلح فيها شيء من هذا، إنما هي للصلاة وقراءة القرآن. فلهذا كان النبي عليه الصلاة والسلام يعامل الناس بالأخلاق الحسنة عليه الصلاة والسلام، وكما زكاه الله عز وجل في خلقه، فقال: ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾، وكان خلقه القرآن عليه الصلاة والسلام كما قالت عائشة. فلهذا فإنه لم يزجر هذا الشاب، وإنما قال له: أقرب. ثم ذكره بذكرى عظيمة، وأن هذا الذي تحبه للناس هل تحبه لأرحامك؟ وهذا التفصيل من النبي عليه الصلاة والسلام حتى يزداد ذكرى، كرر عليه النبي عليه الصلاة والسلام: أتحبه لأمك؟ أتحبه لابنتك؟ أتحبه لأختك؟ كرر ذلك حتى ترسخ هذه الذكرى في قلبه، فيعلم حرمة هذا الذنب، وأنه كما الناس لا يرضونه أن يفعل في أرحامه كما هو لا يرضى بذلك. ولهذا في حديث عبد الله بن عمر أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من أحب أن يدخل الجنة وتأتي منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، فليحب للناس ما يحب أن يؤتى إليه». فما دام أن الإنسان يكره أن يكون هذا في أرحامه، فالناس يكرهون كذلك. فكيف يتجرأ على محارم الناس؟ وقد أيضا من سنة الله عز وجل أن من تجرأ على محارم الناس تجرأ الناس على محارمه. وكما ينسب إلى الإمام الشافعي: عفوا تعف نساؤكم في المحرم وتجنبوا ما لا يليق بمسلم. يا هاتكا سبل الرجال وقاطعا سبل المودة عشت غير مكرم. لو كنت حرا من سلالة ماجد ما كنت هتاكا لحرمة مسلم. ثم قال رحمه الله: إن الزناة إذا أقرطوا كان الوفاء من أهل بيتك فاعلمي. وبعض يذكر أيضا بيتا قبله فيقول: من زنى يزنى ولو بجداره. إن كنت يا هذا لبيبا فافهمي. فلهذا فهو دين من تجرأ في هذه المحارم، فهو دين يصيبه والعياذ بالله. فلهذا يتقي الله عز وجل المؤمن أولا لتقوى الله عز وجل، ثم بعد ذلك أيضا يتقي ذلك حتى يتقي أن يقع هذا أيضا في محارمه. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أترضاه لأمك؟ وهكذا. ثم دعا النبي عليه الصلاة والسلام له. وهذا يدل على أن المؤمن إن حصلت له شيء من هذا وزادت عليه شهوته، فإنه يرجع إلى الله ويتوب إلى الله، ويدعى الله عز وجل أن يذهبها أو أن يكرمه بزواج وحلال. فقال: اللهم اغفر ذنبه، وطهر قلبه، وحصن فرجه. فقال: فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء، لم يكن بعد ذلك يلتفت إلى شيء أي إلى شيء من هذه الأمور بدعاء النبي عليه الصلاة والسلام. لكن المؤمن يقرب من الله، فإنه إذا شغل قلبه بالله وبمحبة الله جل وعلا تعوض قلبه عن كل محبوب وعن كل ما يشغله، فيكون شغله بالله عز وجل. ولهذا كان السلف يقولون: من استأنس بالله آنسه الله جل وعلا، ومن استأنس بالناس لم يأنس بالله جل وعلا. وكذلك أيضا من التمس رضى الناس في غضب الله غضب الله عز وجل عليه وأغضب عليه الناس، ومن التمس غضب الناس في رضى الله رضي الله عز وجل عنه وأرضى عليه الناس. سنده الحديث عائشة فيه انقطاع، وجاء أيضا موقوفا. فمن عامل الله عز وجل كما قال أيضا بعض السلف الظاهر أنه ابن المبارك: من شغله حب الله عز وجل عن حب غيره، فإن الله عز وجل أحبه وجعل المحبة له. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث جبريل أو حديث أبي هريرة: إذا أحب الله عبدا نادى جبريل: يا جبريل إني أحب فلانا فأحبه، فيحبه جبريل، وينادي في أهل السماء أن الله يحب فلانا فأحبوه، ثم يوضع له القبول في الأرض. فهذا كله يدل على مثل هذا. الله تعالى أعلم. ونكتفي بذلك والحمد لله رب العالمين.