الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 580

الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 580

الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 580، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

رخصة الصلاة بدون وضوء بعد الأكل وتفسير الأحاديث ذات الصلة

يتناول هذا الفصل رخصة الصلاة بدون وضوء بعد تناول الطعام، ويشرح الأحاديث النبوية التي تدل على ذلك وتفسيرها. كما يبين اختلاف العلماء في فهم هذه الأحاديث وتطبيقها.

آراء الفقهاء في الوضوء بعد تناول الطعام ومفهوم الأحاديث

يتناول آراء ابن عباس وغيره حول الوضوء بعد الأكل، ويستعرض تفسيرات الأحاديث النبوية ذات الصلة، مثل حديث جابر بن عبد الله، ويبين اختلاف الفقهاء في فهمها.

حكم الوضوء من أكل لحم الإبل واختلاف الفقهاء فيه

يشرح هذا الفصل حكم الوضوء بعد أكل لحم الإبل استنادا إلى السنة النبوية، ويبين اختلاف الفقهاء حول نسخ هذا الحكم أو ثبوته.

  • 15 جمادى الآخرة 1445هـ - 27/12/2023مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم وهو ابن معروف الحمال، وابنه موسى بن هارون، وهو حافظ من حفاظ أهل البصرة. قال أبو عبد الرحمن: وسمعت أنا من هارون. أبو عبد الرحمن أي عبد الله بن أحمد، قال: حدثنا عبد الله بن وهب، وهو المصري الذي يلقب بديوان العلم، قال: أخبرني حيوة بن شريح، وهو مصري أيضا من حفاظ أهل مصر، قال: أخبرني عقبة بن مسلم، وهو أيضا مصري، عن عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي، وهو يعد في الصحابة الذين نزلوا مصر، قال: أخبرني عبد الله بن الحارث بن جزء، قال: كنا يوما عند رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الصفة، فوضع لنا طعام فأكلنا، فوقيمت الصلاة فصلينا ولم نتوضأ. قال: هذا حديث صحيح. هذا الحديث جاء من جملة حديث تبين أن النبي عليه الصلاة والسلام رخص فيمن أكل طعاما أن يصلي ولا يتوضأ، سواء كان هذا الطعام وضع في النار أو لم يوضع. وأما حديث أبي هريرة «توضأ مما مست النار»، فإما أنه منسوخ، أو يحمل على الاستحباب. توضأ مما مست النار المراد توضأ مما طبخ في النار، وحمله بعض الصحابة على عمومه. وقد حصل في هذا الحديث، أي حديث أبي هريرة، شيء من المناظرة بين أبي هريرة وابن عباس، فقال أبو هريرة: قال النبي عليه الصلاة والسلام «توضأ مما مست النار»، فقال ابن عباس: أن نتوضأ من الحميم؟ فقال: يا ابني -أو قال: يا ابن أخي- إذا جاءك الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلا تضرب له الأمثال، أي: لا تأتي بمثل هذه الأمثال إذا جاءك الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. لكن ابن عباس أراد أن يبين أنه قد جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه توضأ بالماء، فهل معنى ذلك الحديث أنه لا يتوضأ بالماء الحار لأنه قد وضع في النار؟ فلهذا كما قلنا جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام في عدة أحاديث أنه أكل طعاما وصلى ولم يتوضأ. ومن ذلك ما جاء في الصحيح البخاري في حديث عمر بن عمير الضمري، أنه قال: قدم لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خبز ولحم، فأكل، فأقيمت الصلاة، فترك اللحم والسكين والخبز وقام وصلى، ثم لما صلى رجع وجمع طعامه مرة أخرى وأكل، وأكلنا معه. وقال أيضا ابن عباس: وجابر بن عبد الله أيضا، جاء عن جابر بن عبد الله أن النبي عليه الصلاة والسلام أكل طعاما ثم صلى ولم يتوضأ. وجاء في السنن عن جابر أنه قال: «كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ترك الوضوء مما مست النار». لكن قال بعض أهل العلم أن هذا الحديث، أي حديث جابر، أن بعض رواته تصرف فيه، وهو شريك بن عبد الله النخعي، وكان فقيها، فكأنه روى هذا الحديث على ما فهمه. وإلا فالحديث في صحيح البخاري عن جابر أن النبي عليه الصلاة والسلام أكل طعاما ثم صلى ولم يتوضأ، فجاء به شريك هكذا «كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ترك الوضوء مما مست النار»، لكن معناه صحيح. أن النبي عليه الصلاة والسلام ما كان يتوضأ من الطعام، وجاء كذلك عن أسامة وغيره أن النبي عليه الصلاة والسلام أكل طعاما ثم قام للصلاة، فقيل له: ألا تتوضأ؟ قال: لم أحدث. حتى توضأ. فلهذا جاءت الأدلة المتكاثرة عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه ما كان يتوضأ من أكل الطعام، إلا أنه قد جاء أنه كان يتوضأ من أكل لحم الجزور. وجاء أيضا كذلك في صحيح مسلم عن جابر بن سمرة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «توضأوا من أكل لحوم الإبل، ولا تتوضأوا من أكل لحوم الغنم» أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام. فالوضوء من لحوم الجزور قد ثبت، تحديث بريدة، وحديث جابر بن سمرة وغيرهما. ومذهب أحمد على أنه ثابت، وأنه لم ينسخ، وإنما الذي نسخ هو الوضوء مما مست النار. وأما أكل لحم الجزور فهو ثابت. وعند الشافعي أنه كله نسخ. وأيضا عند مالك وغيره من أهل المذاهب، ومن أهل الفقه أنه كله نسخ، حتى لحم الجزور نسخ بهذه الأحاديث التي جاءت. لكن كما قلنا أن حديث جابر إنما تصرف من بعض الرواة أنه «كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ترك الوضوء مما مست النار»، ولم يأت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه ترك الوضوء من لحم الإبل. بل جاء كما قلنا الأمر بالوضوء من لحم الإبل «توضأوا من لحم الإبل، توضأوا من لحم الإبل»، فدل على أن من أكل لحم إبل فإنه يجب عليه أن يتوضأ، ويجب عليه أن يتوضأ. ومن أكل لحم غنم أو لحم بقر فلا يجب عليه الوضوء، وإن كان بعض أهل العلم استحبه لحديث أبي هريرة السابق الذي ذكرناه «توضأوا مما مست النار»، فحمله بعضهم على الاستحباب حتى لا يقال بالنسخ، لأن النسخ يرجع إليه عند عدم الجمع. وما دام أن الجمع موجود، وهو أن يوجه الأمر بالاستحباب، ويقال: يستحب الوضوء مما مست النار، ومن تركه فله ذلك، وترك النبي عليه الصلاة والسلام له حتى يبين الجواز. ففي هذا الحديث أن النبي عليه الصلاة والسلام أكل طعاما، فوقيمت الصلاة، فصلى ولم يتوضأ هو وأصحابه رضي الله تعالى عنهم. فهذا ما يذكر في هذا الحديث.