الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 788

الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 788

الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 788، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

حكم الرجوع في العطية والصدقة وتشبيه المسترد بالكلب

يستعرض المقطع حديث النبي صلى الله عليه وسلم الناهي عن الرجوع في العطية، مشبهاً المسترد بها بالكلب يقيء ثم يعود في قيئه. ويؤكد أن الصدقة تخرج من ملك المتصدق باتفاق العلماء ولا يجوز الرجوع فيها ولا شراؤها، مستدلاً بقصة عمر رضي الله عنه مع الفرس.

خلاف العلماء في لزوم الهبة والهدية واستثناء الوالد

يناقش المقطع خلاف العلماء في جواز الرجوع في الهبة والهدية، حيث يرى الإمام أحمد ومالك عدم الجواز بينما يستحب الشافعي ذلك مستدلين بحديث التشبه بالكلب. ويستثنى من ذلك الوالد في حق ولده حيث يجوز له الرجوع كما فعل الصديق مع ابنته عائشة.

العدل في الهبة للولد الواحد وشرط القبض والفرق عن الوصية

يروي المقطع قصة بشير الذي وهب لابنه النعمان دون إخوته فرفض النبي صلى الله عليه وسلم الشهادة وسماه جوراً، مبيناً أن الهبة لا تلزم إلا بالقبض ويجوز للوالد الرجوع فيها إذا كانت ظالمة. ويختتم بالفرق الجوهري بين الهبة والوصية، حيث تجوز الرجوع في الوصية بخلاف الهبة والعطية.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله: قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: حدثنا يزيد، وهو ابن هارون أبو خالد الواسطي، كان من حفاظ الحديث الكبار. قال: أخبرنا حسين بن ذكوان، هو المعلم، عن عمر بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمر بن العاص، قال: عن طاوس. طاوس وهو ابن كيسان اليماني، وكان من علماء اليمن، ورحل إلى مكة والمدينة وإلى غيرها، وسمع من ابن عباس، ومن ابن عمر، وأبي هريرة، وغيرهم من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام. قال طاوس: أن ابن عمر وابن عباس رضي الله تعالى عنهما رفعاه إلى النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «لا يحل للرجل أن يعطي العطية فيرجع فيها، فيرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي ولده، ومثل الذي يعطي العطية فيرجع فيها كمثل الكلب أكل حتى إذا شبع قاء، ثم رجع في قيئه». قال: وحدثنا محمد بن جعفر، وهو الذي قال له غندر: حدثنا حسين المعلم، عن عمر بن شعيب، عن طاوس، عن ابن عمر، وابن عباس، عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: فذكر مثله. قال: هذا حديث حسن، والشطر الأخير جاء من حديث ابن عباس في الصحيحين، وكذا من حديث ابن عمر في مسلم. أي قوله عليه الصلاة والسلام: «الراجع في هبته كالكلب يقيء ثم يرجع في قيئه». فهذا في الصحيحين من حديث ابن عباس. فهذا الحديث في العطية، وكذلك الهدية والهبة. إذا أهدى إنسان إلى غيره، ومن باب أولى أيضًا الصدقة، فهي أيضًا أوجب وأوكد باتفاق العلماء. أن إذا أعطى الإنسان صدقة وجبت لمن أعطاها، فلا يجوز أن يرجع فيها. أن إذا كان مثلًا أعطى إنسان صدقة، ثم جاءه اليوم الآخر قال: «هب صدقتي»، فهذا لا يجوز، لا يجوز أن يأخذ الصدقة بعد أن أعطاها، وهذا باتفاق أهل العلم. وأيضًا الصدقة تعتبر مثل الوقف، إذا تصدق خرجت من ملكه، وصارت في ملك من تصدق عليه. بل النبي عليه الصلاة والسلام نهى عمر أن يشتري صدقته. عمر رضي الله عنه تصدق بحصان، بفرس، تصدق لإنسان، فرعاه أنه يهمله، أهمله، أهمله هذا الشخص الذي تصدق عليه. فقال: يا رسول الله، إني تصدقت على رجل بفرس، فرعيته قد أهمله، أفأشتريه منه؟ قال: «لا، لا تشتريه، ولو بدرهم، ولا تعد في صدقتك». لا تشتريه ولو بدرهم، ولا تعد في صدقتك. فأشهدنا هنا قول: «ولا تعد في صدقتك»، لا يجوز لك أن تعود في صدقتك، وإن كان شراؤك على العودة على الصدقة، فيعتبر أيضًا كذلك من هذا الباب. لكن إن كان ليست نيتك العودة في الصدقة، وإنما احتجت لهذا الأمر الذي قد تصدقت به، فبعض العلماء يقول أنه يجوز، لكن الأفضل أن لا يشتريه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عمر، قال: «لا تشتريه، لا تشتريه، ولو بدرهم». فهذا في الصدقة. وأما في الهبة والهدية، فقد اختلف العلماء: إذا أهدى إنسان آخر هدية، هل تلزم هذه الهدية وتخرج من ملكه وتكون لذلك الذي أهدى إليه؟ فهذا قال به أحمد بن حنبل رحمة الله عليه، وأيضًا قول ينسب إلى مالك، أنهم يرون أن من أهدى فقد ملك غيره، فقد ملك غيره، لا يجوز أن يرجع. وخلف الشافعي أن ذلك مستحب، سواء كان في الهدية أو العطية أو الوصية، وقاس الهدية بالوصية، أنها مثلها. لكن الفرق أن هذا قبل الموت، وهذا بعد الموت. أي الوصية بعد الموت، والهبة والهدية قبل الموت. والصحيح هو قول أحمد ومن قال بقوله، أي أنه لا يجوز أن يرجع فيها بعد أن أهداها. والدليل هذا الحديث: قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا يحل للرجل أن يعطي العطية فيرجع فيها، إلا الوالد فيما يعطي ولده، ومثل الذي يعطي العطية فيرجع فيها كمثل الكلب أكل حتى إذا شبع قاء، ثم رجع في قيئه». أكل قيئه، الكلب يأكل ما قاءه، عن الذي يخرجه من فمه، بعد ذلك يأكله. فلذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الراجع في هبته كالكلب يقيء ثم يرجع في قيئه». فأخذ من هذا الإمام الشافعي أن هذا ليس من باب التحريم، لأنه لا مانع للكلب أن يرجع في قيئه. ولكن استدل الإمام أحمد برواية جاءت في البخاري: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس لنا مثل السوء، ليس لنا مثل السوء، الراجع في هبته كالكلب يقيء ثم يرجع في قيئه». أن تشبه المؤمن بالكلب لا يجوز، أن يتشبه بالكلب في صفاته. ولهذا ذكر شيخ الإسلام وغيره أن التشبه بالحيوانات يعتبر تحريمًا؛ لأن الإنسان قد كرمه الله. فإذا ذكر الشارع شيئًا من هذه الحيوانات، وخاصة الحيوانات التي يضرب بها المثل في الخبث، كالكلب والخنزير والقرد وغير ذلك، فيكون ضرب المثال في ذلك يعتبر من التحريم. فلذلك في الهدية والهبة التي يعطيها الإنسان وهو بكمال قواه العقلية، أنه لا زال عقله موجود وهو في الحياة، فإذا أعطى إنسان هدية أو هبة، والفرق بين الهدية والهبة أن الهدية تعطى للتودد، والهبة عامة، فلذلك تسمى الهدية هبة، وتسمى الهبة هدية. فإذا أعطى هدية فلا يجوز أن يرجع فيها، إلا الوالد فيما يعطي ولده. إذا كان والدًا لا بأس، ويدخل في الوالد عند الجمهور الأم والجد والجدة، يدخلون في هذا الحديث أنه يجوز أن يرجع فيه. وقد رجع الصديق رضي الله عنه عندما أعطى ابنته عائشة، أعطاها أرضًا، فرجع فيها قبل أن يموت، رجع هذه الأرض. فالوالد يجوز له أن يرجع هديته، إذا أعطى مثلًا أحد أبنائه هبة، فيجوز له أن يقول له: ارجع الهبة التي أعطيتك إياها. أحيانًا الإنسان يتسرع، خاص الوالد مثلًا يحب أحد أولاده فيعطيه. ولهذا لما جاء بشير الأنصاري إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وقال: يا رسول الله، إني أعطيت ابني الذي هو من أروى بنت رواحة، فعنده زوجات، لكن أعطى ابنه النعمان، النعمان بن بشير الصحابي المعروف، وكانت أمه اسمها أروى بنت رواحة، أخت عبد الله بن رواحة. فقال: أعطيت ابني، أو نحلت ابني نحلة. فقالت أروى بنت رواحة: أشهد عليه رسول الله، أنا أعطيت هدية، أرضًا، كما جاء في بعض الروايات: أرضًا. فقالت له: أشهد على ذلك رسول الله، أي أم النعمان. فذهب بشير إلى النبي عليه الصلاة والسلام وأخبره بذلك، وأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يشهد. فقال: أكل ولدك أعطيته مثله؟ قال: لا، هناك زوجات له أخرى، عندهن أولاد، لم يعطيهم شيئًا، وإنما أعطى هذا النعمان الذي من زوجته هذه أروى بنت رواحة. ولهذا قالت له: اذهب وأشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك، حتى لا يدعي بعد ذلك إخوته أنه ليس له. فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «أكل ولدك نحلته مثل هذا؟» قال: لا. قال: «إذن لا أشهد». قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذن لا أشهد». وجاء في رواية: «لا تشهدني على جور، على ظلم». أنا هذا سماه النبي صلى الله عليه وسلم ظلمًا. وقال النبي صلى الله عليه وسلم لبشير: «اتقوا الله، وأعدلوا بين أولادكم». اتقوا الله، وأعدلوا بين أولادكم. فلذلك كما قلنا:حيانا العبد يعطي بعض ولده لمحبته له، أو لمحبته لأمه، فيعطيه شيئًا من ماله، ولا يعطي بقية أولاده. فهنا جعل له الشرع أنه يجوز أن يرجع، إن كان مثلًا ما كان يعرف أن هذا حرام، فله أن يرجع إذا عرف، إذا عرف أن هذا لا يجوز، أن يرجع ويقول لابنه: أعطني الأرض التي أعطيتك، تنازل عنها، أو اكتبها باسمي. وكما قلنا فعل الصديق: أعطى عائشة أرضًا، ثم لما حضره الموت قال: يا ابنتي، إني أريد أن ألقى الله وليس علي لأحد شيء، فارجعي الأرض التي أعطيتك إياها، واجعليها للورث، نجعليها لإخوان، كلهم الورث يرثون، يرثون هذه الأرض. فأرجعتها له رضي الله عنها. فدل على أن الوالد يجوز له أن يرجع في عطيته. وأما غيره فلا يجوز. وأما غير الوالد، ومن دخل في الوالد معنى الأم أيضًا، الأم لا تعطي بعض أبناءها وتترك البعض، وكذلك لها الرجوع إذا أرادت لها الرجوع إذا أرادت، ويدخل في ذلك الجد والجدة. وأما غيرهم إذا أهدى أو وهب، فإنها تلزم ذلك الذي وهب له، أن تكون حقًا، ولا يرجع فيها، لا يجوز أن يرجع فيها. لكن أكثر العلماء يقولون: أنها تلزم إذا قبضها. عن هذه الهبة: متى تلزم، ومتى لا يجوز الرجوع فيها؟ إذا قبضها. أما إذا قال له: سأعطيك كذا، أو البيت الفلاني لك، ثم لم يعطيه إياه، فهل يكون له؟ لا، لا يكون له. وهذا كثيرًا ما يحصل من العطاء، تجد مثلًا يقول لابنه: ذلك البيت لك، نصف البيت، البيت الثاني الذي لنا لك نصفه، ثم لا يسلمه إياه، ولا يقول لإخوته، ولا يخبرهم بذلك، ولا أيضًا كذلك يعطيه الإذن بذلك. فهذا لا تعتبر هبة. لو مات مثلًا وهو لم يعطيه، فإنها لا تكون له، لا تكون له. فإذا قال مثلًا: هذه لك، ولم يعطه إياه، ولم يسلمه أوراقًا، فهذا لا تكون له. لكن لو مثلًا أعطاه ورقة، ورقة مكتوب فيها يسمى أن الأرض الفلانية لفلان، وسلمه هذه الورقة، فهذا يعتبر قبضًا، هذه الورقة تعتبر قبضًا. وكل ما اعتبر قبضًا، فتكون هذه الهبة والهدية لمن أعطيت إليه. فهذا: أما إذا كان ما ملكها، فله أن يرجع. وأما العطية التي سماها الفقهاء العطية، فهي العطاء قبل الموت. إذا أعطى قبل الموت تسمى عطية. وأما الوصية فهي بعد الموت. وهذه غالبًا أحكامها متقاربة، لكن الوصية يجوز أن يرجع فيها، الوصية يجوز أن يرجع فيها. أما الهبة والعطية فلا يجوز أن يرجع فيها. طيب، إن شاء الله نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.