الدرس في شرح عقيدة السلف للإمام الصابوني 32، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
اتفق عدد من الفقهاء والعلماء على أن الإيمان قول وعمل وأنه يزيد وينقص، وقد أيد ذلك سفيان بن عيينة وعدد من الأئمة والعلماء الآخرين. كما يروي عن ابن المبارك أنه لا يخرج مرتكب الكبائر من الإيمان.
أكد أهل السنة على ضرورة العمل مع الإيمان، وأنكر الأئمة مثل الأوزاعي ومالك وسعيد بن عبد العزيز على الجهمية والمرجئة والأشاعرة الذين يقولون بالإيمان بدون عمل. كما أشار إلى أن أهل البدع غالبًا لا يرون طاعة للسلطان.
يتناول آراء السلف حول الإيمان كقول وعمل يزيد وينقص، مستشهدا بآثار عن عمر وأبي بكر وعبد الله بن عمر. كما يشير إلى نية ذكر آراء بعض الفرق في درس قادم ويختتم بالتأكيد على علم الله تعالى.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه. ومن والاه. ما بعد. قال الإمام الصابوني -رحمه الله تعالى-: أخبرنا أبو الحسن بن أبي إسحاق المزكي، وهو محمد بن أبي إسحاق، حمد بن أبي إسحاق، وهو حافظ، قال: حدثنا أبي، وهو أبو إسحاق المزكي، كان حافظا كبيرا، قال: حدثنا أبو عمر الحيري، هو أحمد بن محمد بن أحمد الحيري الحافظ، من نيسابوري، قال: حدثنا محمد بن يحيى الدهلي، وهو إمام أهل نيسابور، كان يشبه بأحمد بن حنبل، قاله محمد بن إدريس المكي، وهو حافظ أيضا، وأحمد بن شداد الترمدين، قال: حدثنا الحميدي، هو أبو بكر الحميدي، عبد الله بن الزبير، أقصد: عبد الله بن الزبير الحميدي، شيخ البخاري المكي، قال: حدثنا يحيى بن سليم، وهو القرشي الطائفي. يحيى بن سليم قد ضعف في حفظه، خاصة في روايته عن عبيد الله بن عمر، عن عبيد الله بن عمر العمري، لكن هنا كلام ينقله، وقد سأل هؤلاء، فهذا يعتبر أنه سمعه بنفسه. قال يحيى بن سليم: قال: سألت عشرا من الفقهاء عن الإيمان، فقالوا: قول وعمل. وسألت هشاما بن حسان، هو الكردوسي، صاحب بن سيرين، مولى بن سيرين، أو مولى آل سيرين، فقال: قول وعمل. سألت هشاما بن حسان، فقال: قول وعمل، كما ذكرنا: قول القلب واللسان، وعمل القلب والجوارح. قال: وسألت المثنى بن الصباح، فقال: قول وعمل. المثنى بن الصباح من أهل الطاعة والعبادة، إلا أنه فيه غفلة الصالحين، أنا في الحديث ضعيف عنده أوهام، لكنه كان عابدا، ورجلا على السنة. قال: وسألت محمد بن عبد الله بن عمر بن عثمان، فقال: قول وعمل. وسألت محمد بن مسلم الطائفي، فقال: قول وعمل. أولئك كلهم ثقات، محمد المسلم الطائفي، وكذلك محمد بن عبد الله بن عمر بن عثمان، فقال: قول وعمل. وسألت فضيل بن عياض، هو الإمام، هو الإمام العابد العالم، فضيل بن عياض اليحصبي، أو فضيل بن عياض المكي، فقال: قول وعمل. وسألت نافع بن عمر الجمحي المكي، فقال: قول وعمل. وسألت سفيان بن عيينة، فقال: قول وعمل. أنا هؤلاء كلهم سألهم يحيى بن سليم. قال: وأخبرنا أبو عمر الحيري، أي يقول المزكي، أبو إسحاق المزكي يقول: وأخبرنا أبو عمر الحيري، وكما قلنا: أحمد بن محمد النيسابوري، قال: حدثنا محمد بن يحيى، ومحمد بن إدريس المكي، قال: وسمعت الحميدي يقول: سمعت سفيان بن عيينة يقول: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص. فقال له أخوه إبراهيم بن عيينة: يا أبا محمد، تقول: ينقص؟ فقال: اسكت يا صبي، بل ينقص حتى لا يبقى منه شيء. وذكر هذا الأثر أيضا ابن بطة في الشريعة، وهو أثر صحيح. هؤلاء كلهم أئمة، فقال الحق سفيان بن عيينة: هنا ينقص، لأن بعض الأئمة لا يقول: ينقص، كما جاء عن مالك. ولعل إبراهيم بن عيينة سمع ذلك عن مالك، أو بلغه، فلهذا كأنه استنكر كلام أخيه، فبين له أنه صحيح، لأنه ما دام يزيد فهو ينقص، ما دام أنه يزيد فهو ينقص. قد ذكرنا أيضا العمدة على ذلك، وسيأتي -إن شاء الله- الكلام عليهم. وقال الوليد المسلم: سمعت الوليد المسلم أبا العباس الدمشقي، قال: سمعت الأوزاعي، ومالكا، وسعيد بن عبد العزيز، وهو التنوخي، وهو الرجل الثاني في أهل الشام بعد الأوزاعي، سعيد بن عبد العزيز التنوخي، قال الوليد المسلم: سمعت الأوزاعي، ومالكا، وسعيد بن عبد العزيز ينكرون على من يقول: إقرار بلا عمل، ويقولون: لا إيمان إلا بعمل. يعني ينكرون على الجهمية، الجهمية الذين يقولون: إقرار بلا عمل. يدخل في هذا القول الجهمية، أصحاب جهم، وكذلك المرجئة، الأشاعرة، وهم أيضا يقولون: إقرار بلا عمل، تصديق بلا عمل. وأما أهل السنة فيقولون: لا إيمان إلا بعمل، لا بد من العمل. قال الصابوني: قلت: فمن كان طاعاته وحسناته أكثر، فإنه أكمل إيمانا ممن كان قليل الطاعة، كثير المعصية والغفلة والإضاعة. قالوا: سمعت الحاكم أبا عبد الله الحافظ، صاحب المستدرك، يقول: سمعت أبا بكر محمد بن أحمد بن بالويه الجلاب، وهو أيضا حافظ، يقول: سمعت أبا بكر محمد بن خزيمة، وهو إمام الأئمة، يقول: سمعت أحمد بن سعيد الرباطي، وهو نيسابوري ثقة، وحافظ، جاء إلى بغداد، وسمع منه الناس في أيام أبي عبد الله أحمد بن حنبل. ومعنى هذا الكلام لما يقول العلماء: سمع الناس منه أيام أبي عبد الله، معنى أن الإمام أحمد راض عنه، هو الثقة، لأنهم كانوا يسألونه عن من يأتي إلى بغداد، إذا جاء مثلا العالم، جاء محدث إلى بغداد، سألوا أبا عبد الله أو يحيى بن معين عنه، فإن كانوا قالوا: ثقة، سمعوا منه الناس، وإلا لم يسمع أحد منه. قال: سمعت أحمد بن سعيد الرباطي يقول: قال لي عبد الله بن طاهر، وهو أمير خراسان، قال لي: يا أحمد، إنكم تبغضون هؤلاء القوم جهلا، وأنا أبغضهم عن معرفة. أي أراد المرجئة، الجهمية أولا، قال: إنهم لا يرون للسلطان طاعة، وهذا غالب أهل البدع، غالب أهل البدع ما يرون للسلطان طاعة، وإن مثلا ألان له الجانب، لكن إذا رأوا منه فجوة، أو رأوا منه مثلا إنكارا عليهم، فتجد أنهم يخرجون من الطاعة، ليس مثل أهل السنة، أهل السنة وإن جفوا عليهم الحكام، ما داموا أهل الإسلام، فهم يكونون تحت طاعتهم. قال عبد الله بن طاهر: أولا إنهم لا يرون للسلطان طاعة، والثاني: أنه ليس للإيمان عندهم قدر. والله لا أستجيز أن أقول: إيماني كإيمان يحيى بن يحيى، ولا كإيمان أحمد بن حنبل. هذا كلام عبد الله بن طاهر أمير خراسان. وأنا -يقول- كيف هؤلاء يتجرؤون فيقولون: إيماني أجل؟ قال: إنه يتجرؤون. إيمان بكي؟ إيمان، إيمان أهل إيمان. قال: ولا أقول: إيماني كإيمان أحمد بن حنبل. وهم يقولون: إيماننا كإيمان الأنبياء. قال: سمعت الحاكم يقول: سمعت أبا جعفر محمد بن صالح بن هاني، صاحب أبي عبد الله أحمد بن حنبل، يقول: سمعت أبا بكر محمد بن شعيب، وهو بن شابور، يقول: سمعت إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، يقول: قدم ابن المبارك الري، فقام إليه رجل من العباد. وإسحاق بن إبراهيم لم يسمع من ابن المبارك، لكنه من أهل بلده، فقام إليه رجل من العباد، الظن أنه يذهب مذهب الخوارج، فقال له: يا أبا عبد الرحمن، ما تقول فيمن يزني ويسرق ويشرب الخمر؟ فقال أبو عبد الرحمن: يا عبد الله، لا أخرجه من الإيمان. فقال: يا أبا عبد الرحمن، على كبر السن، صرت مرجئا؟ انظر إلى الجرأة مع العلماء، هذا حال هؤلاء الخوارج منذ زمن، منذ زمن الصحابة، لم يحترموا حتى الصحابة، ولم يحترموا الأئمة، فلهذا يتجروءون بهذا الكلام على أبي عبد الرحمن عبد الله بن المبارك، الذي يحبه الناس لتمسكه بالسنة، وكذلك لعبادته وزهده. فقال: قال أبو عبد الرحمن -رحمه الله-: لا تسموني المرجئة. معنى المرجئة: أنتم تقولون: أننا مرجئة، المرجئة تقول: حسناتنا مقبولة، وسيئاتنا مغفورة، لو علمت أني قبلت مني حسنة، لجهدت أني في الجنة. انظر إلى كلام هؤلاء الأئمة -رحمهم الله-. معنى يقول: لو هؤلاء، هؤلاء المرجئة يقولون: حسناتنا مقبولة، وسيئاتنا مغفورة، معنى يضمنون لأنفسهم الجنة. لكن الأصل أهل السنة يعلمون أنهم لو قبلت لهم حسنة، معنى ذلك أنهم من أهل الجنة، كما قال الإمام، أو الصحابي الجليل عبد الله بن عمر: تمنيت أن أقبل لي ركعتان، كنت أعلم أن الله تقبل مني ركعتين، كانت خير لي من الدنيا وما فيها. قال: ثم ذكر عن ابن شوذب، أي عبد الله بن شوذب، أي إسحاق بن إبراهيم، عن محمد، أقصد: ابن المبارك، ذكر عن ابن شوذب، عبد الله بن شوذب، عن محمد بن جحادة، عن سلمة بن كهيل، عن هزيل بن شرحبيل، قال: قال عمر: لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان أهل الأرض، لرجح. وهذا أثر صحيح، إن كان هزيل سمع من عمر. والاستدلال بهذا يقول: أن إيمان أبي بكر غير إيمان الناس، فقال: لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان أهل الأرض، لرجح. وبعضهم يرفعه إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولا يصح، لكنه عن عمر. قالوا: سمعت أبي بكر محمد بن عبد الله بن محمد بن زكريا الشيباني، يقول: سمعت يحيى بن منصور القاضي، يقول: سمعت محمد بن إسحاق بن خزيمة الإمام، يقول: سمعت الحسين بن حرب، أخي أحمد بن حرب الزاهد، يقول: أشهد أن دين أحمد بن حرب الذي يدين الله به، أن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص. فهذا كله آثار عن السلف -رحمهم الله- أنهم يقولون: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص. إن شاء الله نذكر كلام بعض الفرق في درس لاحق، إن شاء الله نكتب بهذا. والله تعالى أعلم.