الدرس في التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 26، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المقطع مفهوم اختلاف التنوع في العبادات، ويشمل أمورا مختلفة مثل القراءات والأذان والإقامة. هذا الاختلاف مشرع وقد يكون بعضها أفضل من الآخر.
يتناول أسباب الاختلاف في الأمور الشرعية، موضحًا أن بعض الاختلافات لا تؤدي إلى التنافي بين الآراء. يدعو إلى عدم الإنكار الشديد على المخالف في مثل هذه الأمور.
يشرح مفهوم اختلاف الأفهام في فهم النصوص الشرعية، ويوضح أن هناك أكثر من فهم للنص الواحد ويمكن أن تكون كلها صحيحة. يفرق بين الاختلاف المقبول والتعصب غير المقبول.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد، فذكر الشيخ الإسلام بن تيمية -رحمه الله- اقتضاء صراط مستقيم مخالفة أصحاب الجحيم. أن الاختلاف ينقسم إلى قسمين: اختلاف تنوع، واختلاف تضاد. وقلنا: إن بعض العلماء يقسمه إلى ثلاثة أقسام: اختلاف تنوع، وأفهام، والتضاد. وقال -رحمه الله تعالى-: واختلاف التنوع على وجوه. منها ما يدخل فيه اختلاف التنوع واختلاف الأفهام، وهو الذي يعذر فيه الإنسان. قال: منه ما يكون كل واحد من القولين أو الفعلين حقا مشروعا، كما في القراءات التي اختلف فيها الصحابة، أو اختلف فيها التابعون. حتى زجرهم عن الاختلاف رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-. وقال: «كلاهما محسن». أنا لما جاء عمر -رضي الله عنه- وأنكر على هشام، ثم قرأ سورة الفرقان، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «اقرأ يا عمر»، فقرأ، فقال: «هكذا أنزلت». وقال لهشام: «اقرأ»، فقرأ، فقال: «هكذا أنزلت». فقال: «كلاهما محسن». قال: مثل اختلاف الأنواع في صفة الأذان والإقامة والاستفتاح والتشهدات، وصلاة الخوف، وتكبيرات العيد، وتكبيرات الجنازة. كبيرات العيد معنا: هل هي سبع أو ست؟ كذا، فهذا اعتبره الشيخ من اختلاف التنوع. المراد تكبيرات العيد: ليست في الصلاة، التكبيرات التي يكبر بها في الأعياد. أو المراد بها تكبيرات: معناها تكبيرات العيد التي تكون بعد تكبيرات الإحرام، وهي التي تسمى تكبيرات الزوائد. قالوا: تكبيرات الجنازة أيضا تكبيرات الجنازة التي: هل هي أربع أو خمس أو ست أو سبع أو تسع؟ وكل ذلك ورد، لكن الصحيح أنها أربع أو خمس. قال: إلى غير ذلك مما قد شرع جميعه، قد شرع جميعه. وإن كان قد يقال: إن بعض أنواعه أفضل. أنا مثلا في الأذان أفضل أنواعه أذان بلال، مثلا قد يقال هذا. كذلك الإقامة لأنها أكثر، وأذان أبي محذورة وإقامته أيضا ثابت. فإقامة أبي محذورة بالتثنية، وإقامة بلال بالإفراد. أنا إقامة بلال بالإفراد معناه: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، لا آخر. وإقامة أبي محذورة بالتثنية معناه: يثني الشهادة أو يثني شهادتين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن لا إله إلا الله، معنى مرتين. وكذلك أشهد أنه محمد رسول الله. والاستفتاح أيضا ممكن أن يقال: أن أفضل استفتاح هو ما جاء في حديث أبي هريرة في الصحيح: «اللهم باعد بيني وبين خطاياك كما باعدت بين المشرق والمغرب». أصحها الشهدات أيضا تشهد عبد الله بن مسعود أصحها. وهكذا يمكن أن يقال في بعض الأنواع أنه أفضل بعض، وبعضها لا يستطاع أن يفضل. قال: ثم نجد لكثير من الأمة في ذلك من الاختلاف ما أوجب اقتتال طوائف منهم على شفع الإقامة وإيتارها ونحو ذلك. شفع الإقامة كما قلنا: التثنية معنى، وهي إقامة أبي محذورة التي ثبتت في صحيح مسلم. قالوا: هذا عين المحرم. أنا ما يجوز للإنسان أن يختلف في مثل هذا. من أتى بالتثنية فله ذلك، معنى شفع. ومن أوتر الإقامة فهو سنة كذلك، هذا سنة وهذا سنة. لا يجوز الإنكار في مثل هذا. كذلك أيضا الأذان، لو رجع المؤذن أيضا سنة. أنا أتى بالشهادتين بصوت منخفض ثم رفع صوته، فهذا أيضا سنة عن النبي -عليه الصلاة والسلام-. فلا يجوز الاختلاف الشديد الذي يحصل بين المسلمين في بعض هذه السنن. قالوا: هذا عين محرم. ومن لم يبلغ هذا المبلغ، فتجد كثيرا منهم في قلبه من الهوى لأحد هذه الأنواع، والعرض عن الآخر أو النهي عنه، ما دخل به فيما نهى عنه النبي -عليه الصلاة والسلام-، أي من الاختلاف. أنا هذا إذا كان وصل إلى هذا، أنه يعرض عن الآخر أو ينهى عنه، فإنه داخل في الاختلاف المحرم. قالوا: ومنها ما يكون كل من القولين هو في معنى القول الآخر، لكن العبارة، لكن العبارتان مختلفتان. كما قد يختلف كثير من الناس في ألفاظ الحدود وصيغ العدل والتعبير عن المسميات. ألفاظ الحدود المراد به: التعاريف، مثلا تعاريف الفقه. ما هو تعريف الصلاة؟ ما هو مثلا تعريف الوضوء؟ وما هو مثلا تعريف... ألفاظ كثيرة من ألفاظ الفقه: الحوالة، وأيضا كذلك غيرها من هذه الألفاظ التي تأتي في الشرع. فتجد أن كل فقيه أو بعض الفقهاء يحددها بحد معين، ويأتون بقيود معينة. والغالبا تجد أن هذه القيود كلها تصب في معنى واحد. كذلك صيغ العدل في الأمر والنهي وغيرها قد يختلفون فيها، ومعنى اختلافهم يعود إلى شيء واحد. قالوا: التعبير عن المسميات: تقسيم الأحكام. أنا تقسيم الأحكام: أي شروط وأركان وواجبات وغير ذلك. ثم الجهل أو الظلم يحمل على حمد إحدى القالتين وذم الأخرى. ولو أنه أنصف المتأمل في الكلام لوجد أن الكلام واحد، لكن التعبيرات تختلف. قالوا: ومنها ما يكون المعنيان مختلفين، لكن لا يتنافيان. فهذا قول صحيح، وهذا قول صحيح. وإن لم يكن معنى أحدهما هو معنى الآخر. وهذا كثير في المنازعات جدا. معناه: هذا الذي يسميه العلماء في اختلاف الأفهام. اختلاف الأفهام قلنا: أن الشيخنا أدخل اختلاف الأفهام في اختلاف التنوع. وهذا الذي ذكره هنا هو اختلاف الأفهام. هذا يفهم بفهم يقتضيه النص، وهذا يفهم فهما يقتضيه النص كذلك. مثل الحديث المشهور الذي في الصحيحين: «لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريضة». فطائفة فهمت من الحديث أن النبي -عليه الصلاة والسلام- أراد الأمر بالصلاة فقط معنى. وإنما قال: «لا يصلين أحدكم في بني قريضة»، أراد أنهم يسارعون حتى يدركوا الصلاة في بني قريضة. لكن إذا حضرتهم الصلاة في الطريق هل يصلون؟ فهذا المعنى موجود في مفهوم اللفظ، وفي ظاهر اللفظ أنه لا يصلون إلا في بني قريضة. فلهذا حصل الاختلاف بين الصحابة. فمنهم من فهم من قول النبي -عليه الصلاة والسلام-: «لا يصلين أحدكم إلا في بني قريضة»، أنه لا تكون الصلاة إلا في بني قريضة. ومنهم من فهم أن المراد: أنه يسارعون، لكن ليس معنى ذلك إذا أدركتكم الصلاة أنكم تؤخرونها. وهذان الفهمان كلاهما صحيح، ويقتضيهما النص. لكن أحدهما ظاهر، وهو أنهم يصلون في بني قريضة. والآخر مفهوم من النص على مفهوم المخالفة، وهو أنهم لو صلوا في الطريق إذا أدركتهم الصلاة لم يكن ذلك مخالفا من قول النبي -عليه الصلاة والسلام-. قالوا: ومنها ما يكون طريقتان مشروعتان. ورجل أو قوم قد سلكوا هذه الطريق، وآخرون قد سلكوا الأخرى، وكلاهما حسن في الدين. معنى: مثلا من يسلك مسلك العلم، وكذلك من يسلك مسلك التزهد العبادة. ومن يسلك مثلا مسلك الفقه والأخذ بما جاء عن الفقهاء. وكذا، فإن كان الطريقتان مشروعتان. مثلا هذا على مذهب الشافعي، وهذا على مذهب كذا. لكن لا يتعصبان، وإنما يأخذ بالدليل. لكن استعان بفهم الشافعي، استعان بفهم أحمد. وهذا وإن كان أحدهما يختلف عن الآخر، فهي طريقتان مشروعتان أيضا. ما حصل بين السلف من شيء من الاختلاف. فمنهم من كان يحب عليا، ومنهم من كان يحب عثمان. حتى يقال: هذا عثماني، وهذا علوي. ولكن هذه طريقتان مشروعتان. المراد: أنهما لا يتعصبان، لكن يحبون عليا أكثر من عثمان. وهذا كما قال الشيخ الإسلام: أنه لا يبدع به صاحبه. قال: ثم الجهل أو الظلم يحمل على ذم إحداهما وتفضيل الأخرى بلا قصد صالح أو بلا علم أو بلا نية صالحة. معنى: إذا حصل الجهل، فأنكر هذا الجاهل على أخيه إنكارا شديدا، وهو لا يحتاج لهذا الإنكار. لأن الطريقة التي سلكها طريقة مشروعة، وإن كانت تخالف شيئا من طريقته، لكنها طريقة مشروعة تؤدي للمقصد المطلوب، وهو اتباع النبي -عليه الصلاة والسلام-. فهذا ما ذكره المؤلف في اختلاف التنوع. والله تعالى أعلم.