التعليق على كتاب العلم  64

التعليق على كتاب العلم 64

الدرس في التعليق على كتاب العلم 64، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

حكم تعلم الرياضيات بنية نفع المسلمين

تعلم الرياضيات مباح ومؤجر إذا نُوي به نفع المسلمين في معاشهم أو الاستعانة به في العلوم الشرعية كالمواريث. لكنه ليس كعلم الشرع ولا يُشغل به عن طلب العلم الشرعي، بل يُتخذ وسيلة فقط.

قاعدة الوسائل والمقاصد وتغير حكم المباح

يتغير حكم الفعل المباح كالتعلم والبيع إلى وجوب أو تحريم أو كراهة أو استحباب بحسب الغاية المترتبة عليه. فبيع الطعام لمن يهلك جوعاً واجب، وبيعه لمن يعصره خمراً حرام، وكذلك تعلم العلوم الدنيوية يحكم بقصد المتعلم.

ضوابط تعلم الطب والسفر لبلاد الكفر

أفتى الشيخ بوجوب تعلم الطب لحاجة الأمة مع منع الالتحاق بالجامعات المختلطة مطلقاً والدعوة لمناصحة ولاة الأمر لفصل التعليم. أما السفر لبلاد الكفار فاشترط له ثلاثة شروط صارمة: علم يدفع الشبهات، ودين يدفع الشهوات، وضرورة عدم توفر التخصص في بلاد المسلمين.

تحقق شروط السفر الثلاثة ووجوب حفظ الدين

يشترط لتحقق السفر توفر الشروط الثلاثة مجتمعة، وإذا تخلف أحدها فلا يجوز السفر لأن المحافظة على الدين مقدمة على غيره. ويختتم المتحدث بالتأكيد على ذلك والله أعلم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد: سئل فضيلة الشيخ العلامة ابن العثيمين عليه رحمة الله، كما في كتابه «كتاب العلم»، قال السائل: هل تعليم الطالب الرياضيات، يعني الحساب، إذا كان الشخص ينوي بها وجه الله، له أجر أم لا؟ فأجاب فضيلته بقوله: إذا كانت هذه الرياضيات مما تنفع المسلمين في معاشهم، ونوى الشخص بذلك نفع الناس بها، فإنه يؤجر على نيته، ولكنها ليست كالعلوم الشرعية. ومعنى ذلك أن تعلم هذا العلم وسيلة قد يحتاج إليها المسلم في نفع الإسلام والمسلمين؛ فإن كثيرًا من التخصصات الدنيوية لا بد أن يكون المتخصص متقنًا لعلم الحساب والرياضيات. كذلك تعلم الرياضيات ربما يفيد الطالب في بعض العلوم الشرعية، كعلم الفرائض، وكيف يقسم الإرث، وكيف يعرف النسب، وكيف يعرف كذلك العمليات الحسابية التي بها يعطى كل وارث إرثه. فإذا كانت نيته هذه النية الطيبة، فيؤجر على نيته، لكنه لا شك أنه ليست كالعلوم الشرعية، ولا يشتغل بها اشتغال الطالب بالعلوم الشرعية، وإنما يتخذها وسيلة. وفي هذا رد على من ينكر على أهل السنة تعلم هذا العلم، فيقول: هذا مركز شرعي، وليس يعني مركزًا دنيويًا يتعلم فيه مثل هذه العلوم. وهذا فهم خاطئ، فهم خاطئ. نعم، لا يشتغل بهذه العلوم على حساب العلوم الشرعية، لكن تعلم هذه العلوم لأهل السنة حتى يعرفوا الحساب والعمليات الحسابية، هذا أمر لا بأس به؛ في الأسبوع حصة أو حصتين يتعلم فيه هذا العلم، فلا ينكر على أهل السنة ذلك. ومثلها من العلوم الأخرى إذا احتيج إليها، كعلم الحاسوب أو غيرها من العلوم، لكن لا يشتغل بها على حساب العلم الشرعي. هذا هو الذي ينبغي أن ينتبه له في تعلم مثل هذه sciences. وأما أصل تعلم هذه العلوم إذا كانت بهذه النية الطيبة، فكما قال الشيخ: قد يؤجر صاحبها على هذه النية الطيبة، ولكنها ليست كالعلوم الشرعية. ثم قال رحمه الله، وانظر إلى فقهه وغزارة علمه رحمه الله تعالى: فإنها إذا كانت من المباحات، يعني هذا العلم، علم الحساب، أقل أحواله أنه من المباحات، أنه من المباحات، ما فيه مخالفات شرعية، ولا فيه كذلك نظريات تخالف شرع الله، وإنما هي عمليات حسابية مباحة. فقال: إذا كانت من المباحات تكون وسيلة، فإذا كانت وسيلة إلى ما ينفع الناس في معاشهم، أثيب الشخص عليها. قد يحتاج الشخص إلى هذا العلم في معاشه، يعمل في دكان، إذا ما يعرف الحساب ربما يستطيع أن يحسب، يعمل في مكتب شركة أو إلى غير ذلك، إذا لم يعرف الحساب ما يستطيع أن يعمل. فإذا هذا وسيلة ينتفع بها الإنسان في معاشه، فيثاب عليها إذا نوى أن يعف نفسه، وأن يعف أهله، وأن يكتسب العمل الحلال الطيب، فلا بأس في ذلك. فلذلك قال: فإذا كانت وسيلة إلى ما ينفع الناس في معاشهم، أثيب الشخص عليها؛ لأن القاعدة الشرعية أن المباح قسم واسع، فقد يكون حرامًا، وقد يكون مكروهًا، وقد يكون مستحبًا، وقد يكون واجبًا. انظر: مباح، ولكن بحسب الوسيلة التي استخدمت فيه، ربما يصل إلى الوجوب هذا المباح، وربما يصل إلى الاستحباب أو الكراهة أو التحريم. وسيمثل الشيخ رحمه الله تعالى، فقال: ونقول مثلًا: أن الأصل في البيع الحلال، يعني الحل والإباحة، فهو مباح. قال: ولكن قد يكون واجبًا أحيانًا، وقد يكون حرامًا، وقد يكون مستحبًا، وقد يكون مكروهًا. انظر هذه الوسيلة بحسب ما تؤدي إليه، قد تكون واجبة، وقد تكون مستحبة، وقد تكون مكروهة، وقد تكون واجبة أو محرمة. فقال: فإذا أراد شخص أن يشتري منك شيئًا ينقذ به حياته، مثل الطعام والشراب، فما حكم البيع؟ الحكم: واجب. إنسان أوشك على الهلاك لجوع أو عطش، ومعه نقود، فهنا يقال: يجب عليه أن يشتري ما ينقذ به حياته. الأصل في البيع الحل، لكن لماذا هنا وجب؟ لأن فيه إنقاذ، لأن فيه إنقاذ لحياته، وإنقاذ الحياة واجب، فتصير هذه الوسيلة واجبة. انظر إلى الفقه وإلى دقة مثل هذه المسائل. فهنا البيع الأصل فيه الحل، لكن في هذا المقام يكون واجبًا. قال: الحكم واجب. وقال: وشخص آخر أراد أن يشتري منك عنبًا ليجعله خمرًا، أنت متأكد أنه سيشتري هذا العنب من أجل أن يصنعه خمرًا، علم أن هذا الشخص يشتري العنب من أجل أن يصنعه خمرًا، وأنت تعلم بهذا ومتأكد من هذا. قد يقول، قد يقول، قال: أنا سأبيع له لأن الأصل في البيع الحل. يقال له: لا، في هذا الحال الأصل في البيع التحريم، لماذا؟ لأنه وسيلة إلى محرم، وسيلة إلى محرم، فيكون البيع حرامًا، لا يجوز لك أن تبيع له. ومثل بيع السلاح في وقت الفتنة، وكذلك بيع بعض الأجهزة التي تستخدم في الخير والشر، لكن علم ذلك البائع أن ذلك المشتري سيستخدمه في الشر، فهنا لا يجوز له أن يبيع له هذا. وقس على هذا، فصار البيع في هذا المقام حرامًا. وقال: وشخص آخر أراد أن يشتري ماء ليتوضأ به، وليس عنده ماء، فالشراء واجب؛ لأن الوضوء واجب للصلاة، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. فإذا لا تستطيع أن تقوم بهذا الواجب إلا بشراء الماء، فصار الماء واجبًا، مع أن الشراء مباح، لكن في هذا المقام يكون الشراء واجبًا. قال: فعلى هذا نقول: إن المباح إذا كان وسيلة لأمر مشروع كان مشروعًا، وإذا كان ذريعة لأمر محرم كان حرامًا. ومن ذلك تعلم هذه العلوم الدنيوية: إذا كان الشخص يتعلمها من أجل أن يحارب الإسلام والمسلمين، أو من أجل أن يرتكب بها محرمًا، فهنا لا يجوز أن يتعلم هذه العلوم، مع أن هذا العلم الأصل فيه الإباحة. لكن إنسان يتعلم هذا العلم من أجل أن ينفع الإسلام والمسلمين، من أجل أن ينفع نفسه بما أحل الله عز وجل له، فهذا أمر لا بأس به. وسئل فضيلة الشيخ: بعض الشباب يريدون أن يتعلموا الطب وبعض العلوم الأخرى، ولكن هناك عوائق مثل الاختلاط والسفر إلى بلاد الخارج، فما الحل وما نصيحتكم لهؤلاء الشباب؟ فأجاب فضيلته بقوله: نصيحة لهؤلاء أن يتعلموا الطب؛ لأننا في بلادنا في حاجة شديدة إليه. وأما مسألة الاختلاط، فإنه هنا في بلادنا، والحمد لله، يمكن أن يتقي الإنسان ذلك بقدر الاستطاعة، أي أن الدراسة في الاختلاط لا يجوز، فيبتعد عن مواطن الاختلاط ما استطاع إلى ذلك سبيلًا. وقد يقول قائل: في بعض البلاد لا يمكن أن ينال الشخص الطب إلا في الاختلاط، والمسلمون بحاجة إلى هذا العلم. فقد أفتى علماء أنه لا يجوز، لا يجوز؛ لأن الاختلاط محرم، ولا يتوصل إلى هذا العلم بما حرم الله سبحانه وتعالى. وقد يقول قائل: إذن كيف يتعلم أهل الإسلام؟ يقال: يتعلم أهل الإسلام بأن يناصحوا ولاة الأمر، ولا ينضموا إلى مثل هذه الجامعات المختلطة. قد يقول قائل: لا توجد استجابة. فيقال: عدم الاستجابة لأن المسلمين رضوا أو رضوا بهذا البلاء وذلك الاختلاط، وإلا لو وقفوا وقفة جادة لاستجاب المسؤولون لهذا الأمر، ولكن بسبب التفريط من المسلمين، بل وبعضهم ربما يحب ذلك ويعتبره من التطور، وإلى غير ذلك، وإلى غير ذلك، والله المستعان. فلا ينبغي لسلفي سني أن يلقي بنفسه في مثل هذه المدارس المختلطة، فسلامة القلب لا يعادله شيء. نعم، «ألقاه في اليم مكتوفًا، وقال له: إياك إياك أن تبتل بالماء». قد يقول قائل: أنا أجاهد نفسي أن لا... وقد وجد في مثل هذه الجامعات من النساء الكاسيات العاريات، بل من النساء الكاشفات لكثير من زينتهن، ولا حول ولا قوة إلا بالله. قال: وأما السفر إلى بلاد الكفار، فلا أرى جواز السفر إلا بشروط: الأول: أن يكون عند الإنسان علم يدفع به الشبهات؛ لأن هناك في بلاد الكفار يوردون على أبناء المسلمين الشبهات حتى يردوهم عن دينهم، فكم من إنسان ذهب إلى بلاد الكفر فرجع بفكر علماني أو بفكر غربي وتنكر للإسلام والمسلمين، فلا يذهب إلا من عنده رسوخ في دينه حتى يأمن على نفسه أن لا يقع في شيء من شبهات القوم. الثاني: أن يكون عند الإنسان دين يدفع به الشهوات، فلا يذهب إلى هناك وهو ضعيف الدين فتغلبه الشهوات فتدفع به إلى الهلاك، كم من إنسان ربما يذهب إلى تلك البلاد الكافرة التي تخرج فيها المرأة متبرجة وكاشفة لمحاسنها وزينتها، فلا شك أن هذا يؤثر في القلوب ويضعفها، ولربما كان سببًا في انتكاسة هذا الإنسان ورجوعه عن دينه. الثالث: أن يكون محتاجًا إلى السفر بحيث لا يوجد هذا التخصص في بلاد الإسلام. وهذا شروط يعني ضيقة جدًا، ضيقة جدًا، ولله الحمد في بلاد الإسلام من تلك العلوم، وإذا احتاج الإنسان إلى تخصص لا يوجد، فله أن يعمل بهذه الشروط. وأمر دفع الشهوات: لا بأس أن يذهب بزوجته، يتزوج ويذهب بزوجته حتى لا يقع في شيء من تلك الشهوات. قال: فهذه الشروط الثلاثة إذا تحققت فليذهب، فإذا تخلف واحد منها فلا يسافر، يعني لا يجوز له السفر؛ لأن المحافظة على الدين أهم من المحافظة على غيره. نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم.