التعليق على كتاب العلم  11

التعليق على كتاب العلم 11

الدرس في التعليق على كتاب العلم 11، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

العمل بالعلم في الأخلاق والمعاملات

يؤكد ابن العثيمين ضرورة تحلي طالب العلم بالأخلاق الفاضلة كالصدق والرحمة وحب الخير، مستنداً إلى الأحاديث النبوية. ويحذر من التناقض بين الدعوة والسلوك، مشيراً إلى أن لسان الحال أبلغ من لسان المقال وأن أهل السنة يجمعون بين العلم بالحق والرحمة بالخلق.

أخلاق طالب العلم ووجوب العمل بالعلم والدعوة إلى الله

يشدد المقطع على أهمية حسن الخلق لطالب العلم وتأثيره في الدعوة، مستشهداً بحديث النبي عن منزلة ذوي الأخلاق الحسنة. ويحذر من عواقب عدم العمل بالعلم مستدلاً بالقرآن والسنة، مختتماً بآداب طالب العلم وفي مقدمتها الدعوة إلى الله في كل المجالات.

جمع طالب العلم بين التلقي والدعوة والنشر

يؤكد المقطع أن طالب العلم يجب أن يكون عالماً عاملاً يجمع بين التلقي والدعوة والنشر اقتداءً بالنبي ﷺ. ويستدل بآيات سورة العصر ولقمان على أن النجاة تتحقق بالإيمان والعمل الصالح والتواصي بالحق والصبر في الدعوة.

آداب طالب العلم: الدعوة إلى الله

يذكر المقطع أن الدعوة إلى الله من أهم آداب طالب العلم. ويختتم بالتأكيد على الاكتفاء بهذا القدر من الآداب.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. وبعد: قال العلامة ابن العثيمين عليه رحمة الله في كتابه "كتاب العلم"، وفي ذكره لبعض آداب طالب العلم، ومن ذلك العمل بالعلم: فذكر أولاً أهم المهمات وأصل الأصول، وهو التوحيد والعقيدة، وكيف يكون العمل بها. ثم بعد ذلك ذكر العمل في العبادة، وأن ذلك يتم ويتحقق بشرطين اثنين، وهما: الإخلاص والمتابعة. ثم قال رحمه الله تعالى: كذلك لا بد أن يكون عاملاً بعلمه في الأخلاق والمعاملة، والعلم الشرعي يدعو إلى كل خلق فاضل من الصدق والوفاء ومحبة الخير للمؤمنين، حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه»، والحديث متفق عليه من حديث أنس بن مالك. وقال عليه الصلاة والسلام: «من أحب أن يُزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأتِ إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه». وكثير من الناس عندهم غيرة وحب للخير، ولكن لا يسعون الناس بأخلاقهم؛ نجده عنده شدة وعنف، حتى في مقام الدعوة إلى الله عز وجل، نجده يستعمل العنف والشدة، وهذا خلاف الأخلاق التي أمر بها الله عز وجل. ففي هذه الكلمات يبين لنا العلامة ابن العثيمين الأخلاق، أو العمل بالأخلاق. فقبيح بطالب العلم أن يدعو إلى الصدق وهو يكذب، أو يدعو إلى الحلم وهو يغلظ ويقسو على المدعو، أو كذلك يدعو إلى حسن الظن وهو يسيء الظن بإخوانه، أو يدعو إلى ترك الغيبة والنميمة وهو يتصف بذلك. فكل ذلك من عدم العمل بالعلم. ولذلك ينبغي على حامل العلم أن يكون قدوة في الأخلاق والمعاملات مع الناس، فإن كما قال العلماء: فإن لسان الحال أقوى وأبلغ من لسان المقال. فلو تكلمت الساعات الطوال ورأى الناس أخلاقك ومعاملاتك خلاف قولك، لما قبلوا دعوتك، لما قبلوا دعوتك. ولذلك ينبغي على طالب العلم أن يتحلى بالأخلاق الفاضلة، وأن ينظر إلى الخلق بنظر الرحمة. ولذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله: «أهل السنة أعلم الناس بالحق، وأرحم الناس بالخلق؛ أعلم الناس بالحق، وأرحم الناس بالخلق». وقد ذكر العلامة ابن العثيمين أدلة على ذلك، أن يكون الإنسان عاملاً بعلمه في باب الأخلاق، ومن ذلك الصدق وغيره من الأخلاق الفاضلة. فاستدل بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه». أنت طلبت العلم وأردت النجاح، وأردت الفوز، وأردت جنة عرضها السماوات والأرض، فليكن هذا الشعور تجاه الآخرين: تحب لإخوانك ما تحب لنفسك، فتدعو هؤلاء الخلق إلى العلم والعمل به، وإلى كل خلق فاضل. وكذلك استدل بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأتِ إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه». وهذا الحديث حديث طويل في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما، والشاهد منه: «وليأتِ إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه». أنت ما تحب أن أحدًا يكذب عليك، ما تحب أن أحدًا يخدعك، ما تحب أن أحدًا يعنف عليك ويغلظ عليك ويسيء الأدب معك، فكذلك فلتأتِ إلى الناس الذي تحب أن يؤتى إليك. فأي عمل تقدم عليه ينبغي أن تستشعر ذلك: هل الناس يرضون بهذا الخلق؟ هل الناس يرضون بهذا الكذب، أو العنف، أو كذلك الشتم والسب، وإلى غير ذلك؟ فلتأتِ إلى الناس الذي تحب أن يؤتى إليك، كما قال عليه الصلاة والسلام. ينبغي لطالب العلم أن يسع الناس بأخلاقه، وإن الأخلاق والله لتؤثر في المدعوين أكثر من تأثير القول، أكثر من تأثير القول. بعض الناس يقول: انظر هذا يتكلم ويدعو الناس إلى حسن الخلق وهو سيء الخلق، وهو كذلك يكذب أو يسيء الظن، أو كذلك يشد، وكذلك يغلظ على الناس، وإلى غير ذلك. فالناس ينفرون ممن هذا حاله أشد تنفير. قال الشيخ رحمه الله: واعلم أن حسن الخلق هو مما يقرب إلى الله عز وجل، وأولى الناس برسول الله صلى الله عليه وسلم وأدناهم منه منزلة أحاسنهم أخلاقًا، كما قال صلى الله عليه وسلم: «إن من أحبكم إليَّ وأقربكم مني مجلسًا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقًا، وإن أبغضكم إليَّ وأبعدكم مني يوم القيامة الثرثارون والمتشدقون والمتفيهقون». قالوا: يا رسول الله، قد علمنا الثرثارون. الثرثارون: يعني الذين يكثرون الكلام في غير فائدة. قالوا: قد علمنا الثرثارون والمتشدقون. المتشدقون: الذي يتشدق في كلامه، فيأتي بوحشي الغريب، ويملأ فمه بالكلام، فهذا مذموم. قالوا: فما المتفيهقون؟ قال: المتكبرون. وهذا الحديث رواه الترمذي، وحسنه العلامة الألباني كما في سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم (٧٩١) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهم. فالمهم أن الشيخ ذكر هذا حتى يذكر طالب العلم بأجر حسن الخلق، وبكذلك منزلة ذوي الأخلاق الفاضلة، وأنهم من أقرب الناس يوم القيامة منزلة من رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فالمهم: ينبغي لطالب العلم أن يعمل بعلمه، وهذا كما تقدم هو ثمرة العلم. ثمرة العلم العمل، كما أن ثمرة الشجرة تلك الثمرة والفاكهة التي تأكلها، فكذلك ثمرة العلم العمل. ثمرة العلم العمل. وقد ذم الله سبحانه وتعالى من علم ولم يعمل، فقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾. وقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾. المقت هو أعلى مراتب البغض، أعلى مراتب البغض، فهو بغض وزيادة. فمن يقول قولًا ويخالفه بفعاله، فهذا ممقوت عند الله سبحانه وتعالى بنص هذه الآية: ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾. وقد جاء في صحيح مسلم من حديث أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «يُجَاءُ بِالرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَتُنْدَلِقُ أَقْتَابُ بَطْنِهِ فِي النَّارِ»، والأقتاب هي الأمعاء، تخرج أمعاؤه في النار، «فَيَدُورُ كَمَا يَدُورُ الْحِمَارُ بِرَحَاهُ، فَيَجْتَمِعُ عَلَيْهِ أَهْلُ النَّارِ، فَيَقُولُونَ لَهُ: مَا شَأْنُكَ؟ أَلَسْتَ كُنْتَ تَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ؟ قَالَ: بَلَى، كُنْتُ آمُرُكُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا آتِيهِ، وَأَنْهَاكُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَآتِيهِ». لأنه لا يعمل بعلمه، فهو يأمر بالمعروف فيعلم أن هذا معروف، وأن هذا خير، وأن هذا يحبه الله، لكنه لا يأتيه، يخالف ويترك هذا المعروف، وينهاهم عن المنكر ويعرف أن هذا منكر ومحرم ولا يجوز، ثم بعد ذلك النهي يأتي هذا المحرم. فعاقبته كما سمعتم: تندلق أقتاب بطنه في النار، فيدور عليها كما يدور الحمار برحاه. الحمار لما يدور على الرحى يدور دورة معلومة معروفة، فهكذا من لم يعمل بعلمه ويخالف فعله قوله، فيكون هذا حاله والعياذ بالله يوم القيامة. فالحذر الحذر من مثل ذلك الوصف، ألا وهو عدم العمل بالعلم. قال: الأمر السادس، يعني من الآداب والأخلاق التي ينبغي أن يتأدب بها طالب العلم: الدعوة إلى الله، أن يكون داعيًا بعلمه إلى الله عز وجل، يدعو في كل مناسبة، في المساجد والمجالس، وفي الأسواق، وفي كل مناسبة. هذا النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن آتاه الله النبوة والرسالة، ما جلس في بيته، بل كان يدعو الناس ويتحرك. وأنا أريد من طلبة العلم أن يكونوا نسخًا من كتب، ولكني أريد منهم... وأنا لا أريد من طلبة العلم أن يكونوا نسخًا من كتب، ولكني أريد منهم أن يكونوا علماء عاملين. وهذه عبارة جليلة: كيف يكون طالب العلم نسخة من كتاب؟ يحفظ القرآن، ويحفظ من السنة، ويحفظ من كلام أهل العلم، وهذا الحفظ لا يخرج عن هذا الشخص، هو فقط الذي يعني يعلم ما حفظ، ولم ينشر هذا العلم، ولم يدعُ إلى هذا العلم، فهذا كأنه نسخة من كتاب. كأن صحيح البخاري موجود، رياض الصالحين موجود، يستطيع أي واحد أن يقرأ منه، لكن هو يعني نسخة من كتاب، لا يستطيع أحد أن يستفيد من علمه. فلذلك ينبغي لطالب العلم أن يجمع، وهذا ما كان عليه مشائخنا رحمهم الله جميعًا، يجمعون بين التلقي، يعني العلم، وبين الدعوة، بل وبين التأليف، وبين التأليف. وكل ذلك ينفع الإسلام والمسلمين. فمن علم وحفظ ينبغي عليه أن ينشر هذا العلم، وهو أحد أسباب الخروج من الخسارة في الدنيا والآخرة، كما قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾. آمنوا وعملوا الصالحات: آمنوا أي علموا، فلا إيمان إلا بعلم، وعملوا الصالحات أي عملوا بالعلم، وتواصوا بالحق أي نشروا هذا العلم، ودعوا إلى هذا العلم، ودعوا إلى هذا العلم. فإذا لا بد من علم وعمل ودعوة إلى الله عز وجل، ثم بعد ذلك صبر، لأن من سلك هذا المسلك لا بد أن يؤذى. وكما مر معنا قريبًا في سورة لقمان، قول لقمان لابنه: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ﴾. فقال الحافظ: علم أن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر لا بد أن يؤذى، فأمره بالصبر. فإذا لا بد لطالب العلم أن يدعو إلى التوحيد، إلى العقيدة الصحيحة، إلى العلم النافع، إلى العمل الصالح، إلى الأخلاق الفاضلة، يدعو وينشر، فهذا الذي ينفع المجتمع. ولك قدوة بنبيك محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فلما أمره ربه سبحانه وتعالى بالصدع بالدعوة في قوله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾، وغيرها من الآيات، خرج عليه الصلاة والسلام فبدأ بإنذار عشيرته، امتثالًا لقول الله عز وجل: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾، ثم بعد ذلك دعا الناس أجمعين. فكان يتحين الفرص عليه الصلاة والسلام، فلربما وجد مجتمعًا للناس، فذهب إلى هذا الجمع يدعوهم إلى الله. بل يخرج إلى أسواقهم ومكان اجتماعاتهم فيدعوهم إلى الله، ويقول للناس: «يا أيها الناس، قولوا لا إله إلا الله تفلحوا»، كما جاء ذلك في الحديث الصحيح، في الصحيح المسند لشيخنا الوادعي رحمه الله تعالى، وكان خلفه عمه يقول: لا تصدقوه، إنه صابئ، إنه صابئ، وهو يدعو إلى الله سبحانه وتعالى. بل خرج إلى الطائف ودعا أهل الطائف إلى دين الله سبحانه وتعالى. فهكذا ينبغي لطالب العلم أن يجمع بين العلم والدعوة، وأن لا يغلب أحدهما على الآخر، فيطلب العلم وكذلك يستفيد ويجتهد في طلب العلم، ثم بعد ذلك يدعو إلى هذا العلم. يجمع بين العلم والدعوة، يجمع بين العلم والدعوة. يخرج في الأسبوع يوم أو يومين يدعو إلى الله، يذكر الناس، يعلم الناس في المسجد، في كذلك القرى، في مجتمع الناس. إذا سمع باجتماع للناس في زواج، أو في كذلك مناسبة وليمة، أو إلى غير ذلك، ووجد فرصة، فلا يعني يحرم نفسه هذا الخير، فيدعو إلى الله سبحانه وتعالى. فمن الآداب التي ينبغي أن يتأدب بها طالب العلم: الدعوة إلى الله عز وجل. نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم.