كتاب الصيام 16

الدرس في كتاب الصيام 16، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

أحكام قضاء صيام رمضان عن الميت بين الإطعام والصيام

يبيّن المقطع أن من مات وعليه قضاء رمضان ولم يتمكن من أدائه لمرض أو ضيق وقت فلا قضاء عليه ولا إطعام عند الجمهور، مستدلين بحديث «من مات وعليه صوم صام عنه وليه» بأنه خاص بمن تمكن من القضاء فلم يقضِ. أما من تمكن ثم مات ففيه قولان للشافعية: القديم بصيام الولي، والجديد بالإطعام، وهو قول المالكية والحنفية وبعض الزيدية، بينما يفرق أحمد بين قضاء رمضان فيطعم عنه، وغيره من الصيام الواجب فيصوم عنه الولي.

حكم صيام الولي والتبرع في قضاء النذر والكفارة عن الميت

يرجح النص جواز صيام الولي عن الميت في قضاء رمضان والنذر والكفارة استناداً لحديث عائشة، ويجوز أن يتبرع غير الولي بالصيام، مع كراهة اجتماع عدة أشخاص لصيام أيام متعددة في يوم واحد والأفضل توزيع الأيام على الأفراد.

قضاء رمضان المتأخر ودخول رمضان آخر وإخراج الفدية من التركة

يناقش المقطع حكم من مات وعليه قضاء رمضان وقد دخل رمضان آخر، حيث يرى الشافعي لزوم إطعام مدين من التركة، والراجح مد واحد، كما يبحث جواز قضاء رمضان في شهر ذي الحجة، والراجح جوازه مع الاستحباب للمسارعة، وكان عمر بن الخطاب يحث على قضائه في العشر من ذي الحجة.

فضل صيام أيام ذي الحجة للأجر والثواب

يُعد الصوم في أيام ذي الحجة من الأعمال الصالحة التي يُكثر بها المسلم الأجر والثواب في هذه الأيام المباركة، ويختتم المتحدث بالاكتفاء بهذا القدر من الحديث.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد: قال المؤلف رحمه الله تعالى: مسألة: عند الشافعي وعامة الفقهاء، إذا مات من عليه قضاء رمضان ولم يكن قد أمكنه فعله، فلا شيء عليه. وبه قالت الزيدية. وعند طاوس وقتادة: يطعم عنه لكل يوم مسكين. هذه المسألة مثلت: إذا مات المسلم وقد ترك أياماً من رمضان ولم يجد فرصة في القضاء، إما أنه يموت في رمضان نفسه، أو يموت بعده ويستمر معه المرض ثم يموت. ولو كان هذا المرض أشهراً، مثلاً استمر معه ستة أشهر ثم مات، فلم يجد وقتاً يقضي، فماذا عليه؟ أكثر أهل العلم يقولون: لا شيء عليه. يقول ابن قدامة: لا علم في هذه المسألة خلافاً أنه لا شيء عليه. لا شيء عليه، أي: لا قضاء أحد يقضي عنه، ولا أيضاً إطعام. وأما قول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث عائشة: «من مات وعليه صوم صام عنه وليه»، فـ «عليه الصوم» هنا: استطاع أن يقضيه فلم يقضيه، لهذا إذا لم يتمكن من القضاء فليس عليه شيء. إذا لم يتمكن من القضاء فليس عليه شيء، لا قضاء، ولا إطعام. لا قضاء، معناه: من يقضي عنه، ولا أيضاً كذلك إطعام. وذكر هنا المؤلف عن طاوس وقتادة أنهما قالا: يطعم. والصحيح أنه لا إطعام؛ لأنه لم يجد سعة في القضاء. لكن إن وجد سعة، جاءه المرض في رمضان، ثم في شوال شفي من هذا المرض واستطاع الصيام، لكنه لم يصوم وجلس أياماً ثم مات، فيحسب هذه الأيام التي جلسها والتي شفي من المرض. مثلاً لو جلس سبعة أيام، تحسب هذه السبعة الأيام من الشهر. فإذا كان عليه شهر، فإنه يحسب سبعة أيام، هذه السبعة الأيام تقضى عنه. هذه السبعة الأيام تقضى عنه على الصحيح كما سيأتي في هذه المسألة. وإذا وجد ساعة أكثر فبحسبها. إذا وجد مثلاً ساعة أكثر من هذا، مثلاً جلس بعد مرضه ثلاثة أشهر لكنه لم يصوم، ثم جاءه الموت، فهنا يكون عليه هذا الشهر كله، أنا أدين عليه شهراً كاملاً فيقضيه أولياء. «من مات وعليه صوم صام عنه وليه». قال: مسألة: عند الشافعي، إذا مات بعد أن تمكن من قضائه، ففيه قولان: القديم: يصوم عنه وليه. وبه قال ابن عمر، وابن عباس، وعائشة، وأبو ثور، والزهري، وداود، والأوزاعي، وأحمد بن حنبل. والقول الجديد: أي للشافعي، الصحيح عند الشافعي أنه يطعم عنه كل يوم مسكين. وبه قال مالك، والثوري، وأبو حنيفة وصاحباه. ومن الزيدية: يحيى وزيد بن علي. هذا الحكم جارٍ في كل صوم واجب. قالوا: عند أحمد والظاهر أن ذكر أحمد هناك خطأ، فأحمد لم يقل بأنه يصام عنه وليه مطلقاً، لكن هذا الذي سيأتي بيانه هو كلام أحمد. قالوا: عند أحمد وإسحاق بن راهويه: إن كان قضاء رمضان أطعم عنه، وإن كان صوماً غيره صام عنه وليه. وعند مالك وأبي حنيفة: لا يصام عنه ولا يطعم عنه. وعند الإمامية: يطعم عنه لكل يوم مد من طعام، فإن لم يكن له مال صام عنه وليه، فإن كان له وليان فأكبرهما. الآن هذه المسألة: مسألة إذا أمكنه القضاء. إذا أمكنه القضاء ولم يقضِ، فالصحيح أنه يصام عنه، وهو قول الشافعي في القديم، وهو الصحيح في هذه المسألة. صححه أيضاً الإمام النووي، أي على مذهب الشافعي. وجاء أيضاً عن عائشة وعن غيرها من الصحابة على أنه يصوم عنه وليه. وحديث عائشة: «من مات وعليه صوم صام عنه وليه»، يحمل على أنه مطلق. وقيده بعض العلماء كأحمد وإسحاق بالنذر بغير صيام رمضان. قالوا: إذا نذر الصيام ثم لم يوفِ به فإنه يصام عنه. وأما إن كان قضاء من رمضان فإنه لا يصام عنه، وإنما يطعم. واستدل ببعض الأدلة التي جاءت في هذا، منها ما جاء في حديث عقبة بن عامر: أنه قال: رجل: «أن أمي نذرت أن تصوم فماتت ولم تصم، أفأصوم عنها؟» قال: «نعم». قال النبي صلى الله عليه وسلم: «نعم». فقالوا: إن هذا كان في نذر. لكن هذا لا يعكر على الحديث، فهذه قضية خاصة وقعت في النذر، فسأله أن أمه نذرت أن تصوم فماتت، فهل تقضي؟ قال: نعم. فهل يقضى عنها؟ قال: نعم. وأما تلك المرأة التي جاءت وسألت أيضاً نفس السؤال، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: «إن كان على أمك دين أكنت قاضيته؟» قالت: نعم. قال: «فدين الله أحق بالقضاء». وخلاصة المسألة: أن من مات وعليه قضاء من رمضان، فهل وفرط أم كان هو لم يصم؟ فهنا هل يصام عنه؟ نعم، الصحيح أنه يصام عنه لحديث عائشة: «من مات وعليه صوم صام عنه وليه»، سواء كان من قضاء رمضان، أو من نذر، أو من كفارة. إذا كان نذراً أو كفارة أيضاً عليه، مثلاً كفارة صيام شهرين متتابعين، أو كفارة يمين مثلاً ثلاثة أيام، ما عنده الإطعام والكسوة فيرجع إلى الصيام، فيصام عنه ثلاثة أيام. فهذا الصحيح أنه يصوم عنه أولياء. ومن تبرع بالصيام عنه يجوز، مثلاً لو قال الإنسان لصديقه: «أنا سأصوم عنه»، فلا بأس بذلك. لو أنه مثلاً اجتمعوا فصاموا في يوم واحد لصيامه، مثلاً ترك شهراً أو ترك عشرة أيام من رمضان، أو من صوم نذر، أو كفارة، فصامه أولياؤه، اجتمعوا على أن يصوموه، معنى كل يوم عند واحد. وهل يجوز أن يصومونه في يوم واحد كلهم؟ ففيه خلاف بين أهل العلم. هل يصومون مثلاً عنده عشرة أيام، اجتمع عشرة من أوليائه ومن أصدقائه، قالوا: نصوم عنه اليوم، فهل يجوز هذا؟ في خلاف بينهم أهل العلم. لأن بعضهم يقول: هذا صيام يوم وليس صيام عشرة. وبعضهم يقول: كل واحد بمفرده صيامه بمفرده. لكن الأفضل والأولى أن لا يفعل هذا، يصوم كل واحد يوماً، يصوم كل واحد يوماً. ولو لم يجد مثلاً سعة في الصيام فصاموا كلهم في يوم واحد، إن شاء الله لا بأس، ولا دليل على أنه لا يجزئ. طيب. قال: مسألة: في مذهب الشافعي، إذا مات إذا مات بعد إدراكه رمضان آخر، لزمه في تركته مدان على صح الوجهين، والثاني: مد واحد. وبه قال مالك. معنى هذا في الإطعام: إذا مات وعليه، معنى بعد رمضان آخر، هذه مسألة أخرى. معنى مثلاً عليه قضاء لكنه لم يصمه، وقد أمكنه القضاء، أمكنه القضاء ثم جاء رمضان الآخر وهو لم يقضِ، أنا فرط في الأمر فلم يقضِ ما كان عليه، ثم مات في رمضان أو بعد رمضان الآخر. فهل تلك الأيام التي لم يقضيها معنى يقضونها عليه؟ وكذلك عليه إطعام، عليه إطعام. فقال الشافعي: لزمه في تركته مدان. مثل مثلاً غير الميت إذا ترك أياماً من رمضان حتى جاء آخر، كما تقدم معنا بتفريط منه، فإنه عند جمهور العلماء، وجاء عن بعض الصحابة: ابن عباس، وابن عمر، وأبي هريرة، أنه يطعم، أنه يقضي ويطعم، يقضي ويطعم على تأخيره. وذهب جماعة من أهل العلم أنه لا شيء عليه، وهو قول الحسن، والنخعي، وهو قول أيضاً أبي حنيفة، على أنه يقضي الصوم ولا فدية عليه. هو قول أيضاً المزني من الشافعية. وقلنا: لا دليل على الإطعام، لكن كما جاء عن الصحابة في الأحوط أنه يطعم، كذلك في هذه المسألة أيضاً يطعم، يطعم عنه إذا كان قد ترك هذا، وفرط في القضاء. قال: يطعم في تركته مدان، معنى نصف صاع. والثاني: مد واحد. والصحيح أنه مد، وهذا الذي جاء عن أكثر الصحابة أنه يطعم بمد من الطعام، والمد يعتبر كافياً في الإطعام. قال: مثلاً عند الشافعي إذا فاته صوم جميع رمضان جاز أن يقضيه في شهر ذي الحجة. وعند علي، والحسن، والزهري: لا يجوز أن يقضيه في ذي الحجة. وصحيح أنه يجوز له أن يقضيه إذا كان تتابعاً، يقضيه في أي شهر كان. لكن الأفضل كما تقدم أنه يسارع في قضائه، أنه يسارع في قضائه؛ لأنه من باب المسارعة في الخير، وعدم ترك مثلاً ما عليه من ذلك الذي تركه وهو واجب عليه، فيسارع في قضائه، وهو يعتبر من المسارعة في الخيرات، فيستحب ذلك. وبعضهم أوجبه، لكن الصحيح أنه ليس بواجب، لكن يحرص المسلم على أن يؤدي، أن يؤديه في أقرب فرصة له. وكان عمر رضي الله عنه يحث الناس على صيام القضاء في العشر من ذي الحجة، العشر من ذي الحجة، كان عمر رضي الله عنه يحث الناس على قضاء رمضان في تلك العشر. وهذه هنا المسألة التي ذكرها: أنه يقضيه في شهر ذي الحجة. وجاء عن الحسن والزهري، وعن علي، أنه لا يجوز أن يقضيه في ذي الحجة. الصحيح أنه جائز، ولا دليل على عدم الجواز. وأيضاً يعتبر الصوم من الأعمال الصالحة، فيصومه في ذي الحجة من باب تكثير الأجر والثواب في تلك الأيام. طيب، نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.