الدرس في التعليق على كتاب العبودية لشيخ الإسلام 10، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يبيّن المقطع أن محبة الله الحقيقية تقتضي الطاعة لا مجرد ادعاء المحبة مع المعصية، محذراً من الغرور بتأخير العقوبة. كما يفند دعاوى بعض المتصوفة في الشفاعة المطلقة ودخول الجنة بغير حق، مؤكداً أنها ملك لله وحده.
يوضح المقطع أن محبة الله الشرعية تلزم اتباع الرسول والجهاد في سبيله، بخلاف دعاوى المحبة الباطلة التي تبيح المحرمات وتسقط التكليف. وينقل عن ابن تيمية تكفير من يجعل المحرم عبادة، مؤكداً أن كمال المحبة موافقة الله في محابه ومكارهه.
يشترط المقطع لتحقيق محبة الله الإخلاص في العبودية والمتابعة للشرع، معتبراً مجرد الدعوى دون طاعة كذباً وزوراً. وينتقد بدع المتصوفة كترك الجهاد وإهمال توحيد الألوهية محذراً من الشرك الخفي المفسد للعمل.
يحذر المقطع من الشهوات الخفية كحب الرئاسة والطمع والأنانية، مشبهاً إفسادها للقلب بإفساد الذئبين للغنم. ويبين أن القلب المخلص يذوق حلاوة العبودية فتنصرف عنه السوء، بينما القلب غير المخلص يستعبد للشهوات والشياطين.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد: قال: من أنواع يكون فيها عدوان وجهل، وهذا عين الضلال، وهو شبيه قول اليهود والنصارى: «نحن أبناء الله وأحباؤه». قال الله عز وجل: ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ﴾. فإن تعذيبه لهم بذنوبهم يقتضي أنهم غير محبوبين ولا منسوبين إليه. نسبة البنوة: وكما يقال: «ليس المهم أنك تحب، ولكن المهم أنك محبوب». قال: بل يقتضي أنهم مربوبون مخلوقون. فمن كان الله يحبه استعمله فيما يحبه، ومحبوبه لا يفعل ما يبغضه الحق ويسخطه من الكفر والفسوق والعصيان. ومن فعل الكبائر وأصر عليها ولم يتب منها فإن الله يبغض ذلك منه، كما يحب منه ما يفعله من الخير. إذ حبه للعبد في حسب إيمانه وتقواه. ومن ظن أن الذنوب لا تضره لكون الله يحبه مع إصراره عليها كان بمنزلة من زعم أن تناول السم لا يضره مع مداومته عليه وعدم تداويه منه لصحة مزاجه. وهذا يحصل لكثير من هؤلاء أهل التصوف، فيظن أن له منزلة عند الله، يظن أن له منزلة عند الله، فلهذا لا تسقط هذه المنزلة بأنه يعمل ذنوب ويعمل معاصي، يظن أن هذه المنزلة لا تسقط. وهذا كلام باطل، وأيضا اعتقاده غير صحيح. وأيضا كذلك يدخل في هذا كثير من أهل الكبائر والمعاصي، فيتكل على عفو الله وكرمه، فيظن أن الله عز وجل يحبه، لماذا؟ لأنه لم يعاقبه. يظن أن الله عز وجل يحبه لأنه لم يعاقبه، فلهذا يظن هذا الظن الخاطئ. وتجد كما قال الإمام ابن القيم رحمه الله: أن أعظم عقوبة له أن سلب الله عز وجل من قلبه تعظيم الله والارتباط بالله جل وعلا، وأيضا عدم الطمأنينة في الخلوة، وكذلك قد يذهب أيضا بعض الخشوع، وقد أيضا لا يجد راحة في العبادات والصلوات، فيذهب ذلك كله منه، ويظن أنه لا زال على خير وأنه لا زال لم يضره هذه المعاصي، وهي تضره. ولهذا كما قال الحسن لما قيل له: «يا أبا سعيد، ما لنا ننوي قيام الليل ولا نقوم؟» فقال: «كبلتكم ذنوبكم». كبلتكم: أي التي جعتكم، مثل الكبل. كيف تعصونه في النهار ويقيمكم في الليل؟ إن أردت أن تقوم في الليل فلا تعصه بالنهار. كيف تعصيه بالنهار وأردت أن يقومك في الليل؟ وكما قالت تلك المرأة الجارية لسيدها لما سمعها تقول: «اللهم بحبك إياي فاغفر لي وتوب علي»، فقال: «يا جارية، ما الذي أعلمك أن الله يحبك؟» فقالت: «لولا أنه يحبني ما أقامني، ولولا أنه يحبني ما أنامني». فهذا مصداق المحبة، لكن لا ينبغي للإنسان أن يغتر بها، لا ينبغي للإنسان أن يغتر بمثل هذه الأشياء لأنها تضره إذا اغتر، وأن الله عز وجل يحبه، وكذا تضره في مسيرته إلى الله. قال رحمه الله: قال: كما يحب منه ما يفعله من الخير، إذ حبه... قال: ولو تدبر لحمق ما قصه الله في كتابه من قصص أنبيائه وما جرى لهم من التوبة والاستغفار، وما أصيب به من أنواع البلاء الذي فيه تمحيص لهم وتطهير بحسب أحوالهم، لعلم بعض ضرر الذنوب بأصحابها ولو كانوا أرفع الناس مقاما. وهذا بيّن كما في قصة يونس وغيره. يونس فقط ظن أن الله عز وجل لم يضيق عليه، وذهب مغاضبا، فظن أن لن نقدر عليه، فالله عز وجل جعله في بطن الحوت، فكيف بغيره وهو من أرفع الناس من الأنبياء؟ قال: فإن المحب للمخلوق إذا لم يكن عارفا بمصلحته ولا مريدا لها، بل يعمل بمقتضى الحب وإن كان جاهلا أو ظالما، كان ذلك سببا لبغض المحبوب له ونفوره عنه، بل عقوبته له. وكثير من السالكين سلكوا في دعوة حب الله أنواعا: إما من الجهل بالدين الذي يحبه الله، وإما من تعدي حدود الله، وإما من إضاعة حقوق الله، وإما من الدعوة الباطلة التي لا حقيقة لها، كقول بعضهم: «قلت لمريدي: أي مريد لي ترك في النار أحدا فأنا منه بريء». أي مريد لي ترك في النار أحدا فأنا منه بريء. أو: «ترك في النار أحدا فأنا منه بريء». معناه: يشفع لهم. أن هذا إذا لم يشفع لأهله وولي أصحابه فهو بريء. فقال الآخر: «أي مريد لي ترك أحد المؤمنين يدخل النار فأنا منه بريء». فالأول جعل مريده يخرج كل من في النار، والثاني جعل مريده يمنع أهل الكبائر من دخول النار. ومثل قول بعضهم: «إذا كان يوم القيامة نصب حمى، لعلي أخيمتي على جهنم حتى لا يدخلها أحد». وهذا كلام جهل وحمق، يظنون أن لهم مكانا عند الله حتى يصلون إلى مثل هذا القول. لهذا يقولون: أن الفقيه المقدم هذا محمد بن علوي علوي، مرة كان عنده مريد يسمى باخ ريصة، وهذا المريد افتقده، افتقد هذا المريد، ثم قال: «أين باخ ريصة؟» ما وجدته. قال: «بحثت عنه في الجنة ما وجدته، بحثت في الجنة ما وجدته». قالوا: «لا يكون عبدي في النار أبدا». أما يدخل النار ما سيدخل، لكن ما وجدته في الجنة، يعني كأنه يقول لك: الأزل حي في هذه الحياة، دام أنه مهو في الجنة معنا أنه حي، أما النار قال: ما سيدخلها. ومنهم من يدخل الناس، كان بعضهم بعض العلويين كان يسمون بها الغدفة، أنا مع شوال كذا غدفة، يدخل أي واحد يأخذه في الغدفة يدخلوا في الجنة معا. كلام باطل، كأن الجنة لعب عندهم، متى ما أرادوا يدخلون من أرادوا ويخرجون من أرادوا. والله عز وجل يقول: ﴿قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. فالشفاعة ليست لأحد، لله عز وجل، فكيف أنه بعد ذلك ليس فقط شفاعة بل إرادة أنه يريد كذا ويفعل كذا؟ فهذا من الباطل. قال رحمه الله: فقال الآخر: «أي مريد لي ترك أحد المؤمنين يدخل النار فأنا منه بريء». فالأول جعل مريده يخرج كل من في النار، والثاني جعل مريده يمنع أهل الكبائر من دخول النار. ومثل قول بعضهم: «إذا كان يوم القيامة نصب حمى، لعلي أخيمتي على جهنم حتى لا يدخلها أحد». وأمثال ذلك من الأقوال التي تروى عن بعض المشايخ المشهورين بالتصوف، وهي إما كذب عليهم وإما غلط منهم. ومثل هذا قد يصدر في حال سكر وغلبة وفناء، يسقط فيها تمييز الإنسان. هم يسمونه سكر، سكر بالمحبة، لكن هي أصلا جنون، حتى يروح عليه العقل، يأتي بأشياء ليست صحيحة. وهم يقولون: أهل التصوف يقولون هذه الحالة عندما يكون هذا العبد أو هذا الشيخ في حالة السكر، معنى: الله عز وجل يلقي على لسانه كلام. هم يعرفون أن الكلام هذا خطأ، كيف يقول إنسان: «أنا رب»، «أنا كذا»؟ لكن هم يقولون: أن الله يلقي عليه هذا الكلام وهو في حالة... معنى بلغ في حالة حتى أنه ذهب عقله من الدنيا. يريدون أن يبرروا لمشايخهم، إنما هو جنون أصلا، صار مجنون فيأتي بكلام حق مجانين. قال: أو يضعف عنه حتى لا يدري ما قال. والسكر هو لذة مع عدم تمييز. ولهذا كان من هؤلاء من إذا صحا استغفر من ذلك الكلام. والذين توسعوا من الشيوخ من سماع القصائد المتضمن للحب والشوق واللوم والعدل والغرام، وكان هذا أصل مقصدهم، فإن هذا الجنس يحرك ما في القلب من حب، كائنا من كان. ولهذا أنزل الله محبته يمتحن بها المحب. قال الله عز وجل: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾. كما قال الحسن: أن قوما ادعوا محبة الله فامتحنهم الله عز وجل بهذه الآية. قال: فلا يكون محبا لله إلا من يتبع رسوله. وطاعة الرسول متابعته وتحقيق العبودية. وكثير من من يدعي المحبة ويخرج عن شريعته وسنته، ويدعي من الخيالات ما لا يتسع هذا الموضع لذكره، حتى قد يظن أحدهم سقوط الأمر وتحليل الحرام له، أو غير ذلك مما فيه مخالفة الرسول وسنته وطاعته. وهذا الكلام صحيح، معنا ليس خيال، لأن بعض الأمر... أنا مرة قرأت تعليق لواحد الضار حقق كتاب الوسيلة التوسل الوسيلة للشيخ الإسلام، فكان يقول الشيخ: معنا بهذا النص يقول الشيخ الإسلام كان قلبه طيب، معنا تجد أنه يصدق مثل هذه الأشياء، معنا يصدق مثل هذه الأشياء، وإلا هذه الأشياء غير صحيحة أصلا ولم تقع. وهذا رجل ما يعرف مثل هذه الأمور، وإلا هذه الأشياء واقع عند الصوفية بل يتبجحون بها. ولهذا قال: حتى قد يظن أحدهم سقوط الأمر وتحليل الحرام له. كثير منهم من يحل الحرام، منهم حتى يحل الزنا، العياذ بالله. منهم من يحل مثلا أذية النساء، ومنهم من يفعل أشياء من الحرام، يظن أن الله عز وجل قد سقط عليه. بل بعضهم لا يصلي، معنا إلى الآن، معنا إلى إلى مثل هذا الوقت، بعضهم لا يصلي الصلاة، خلاص يقول سقطت عليه الصلاة. واحد رأوه في مسجد، مسجد كبير، والرجل جالس هنا تصلونه، جالس أمام، بعدين واحد غريب يقول له: «كيف هذا ما يصلي؟» قال له صحابه: «هذا يصلي في الحرب، ما يصلي معنا، يصلي في الحرب». واحد يذكرون قصة عنه، قال: «كنت أنا في مسجد هنا في مسجد العيدروس، يأتي يدخل المسجد ويكبر، يكبر، يكبر، يجلس ربع ساعة، هو يكبر، أحيانا خلاص يخرج، ما يصلي، وحيانا يصلي لكن ما يصلي صلاة مثل الناس». قالوا: «يكبر، إذا قبلت صلاة في الحرب صلى، وإذا ما قابل خلاص ما عاد يصلي معنا، ما يصلي في المسجد، يصلي في الحرب». معنا كلام، معنا كلام مجانين. طيب، قال رحمه الله: قال: قد جعل من تمام محبة الله ومحبة رسول الجهاد في سبيله، والجهاد تضمن كمال محبة ما أمر الله به وكمال بغض ما نهى الله عنه. ولهذا قال في صفة من يحبهم ويحبونهم: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. ولهذا كانت محبة هذه الأمة لله أكمل من محبة من قبلها، وعبوديتهم لله أكمل من عبودية من قبلهم. وأكمل هذه الأمة في ذلك أصحاب محمد صلى الله عليه وعلى سلم، ومن كان بهم أشبه كان ذلك فيه أكمل. فأين هذا من قوم يدعون المحبة وسمعوا كلام بعض الشيوخ: «المحبة نار تحرق في القلب ما سوى مراد المحبوب»، أنا تحرق ما سوى مراد المحبوب، أنا غير المحبوب ما تجعل إلا المحبوب في القلب والبقية تحرقهم. قالوا: أرادوا أن الكون كله قد أراد الله وجوده، فظنوا أن كمال المحبة أن يحب العبد كل شيء، حتى الكفر والفسوق والعصيان. ولا يمكن أحدا أن يحب كل موجود، بل يحب ما يلائمه وينفعه، ويبغض ما ينافره ويضره. ولكن استفادوا بهذا الضلال اتباع أهوائهم، فهم يحبون ما يكرهونهم، كالصور، كالصور: معنى صور الإنسان، معنى المردان وغيره. فهم يقولون: هذا من التفكر في خلق الله، أنا يرون أن النظر في الصور، صور المردان والنساء، يقولون أنه من التفكر في خلق الله. ولهذا الشيخ الإسلام دائما يقول: من قال مثل هذا الكلام فهو كافر مرتد. عن من جعل المحرم، معنى النظر يتمتع بالنساء، ويقول هذا عبادة، عن بدل ما يكون إثم يقول عبادة، فهذا مرتد لأنه جعل الإثم أو حلل ما حرم الله عز وجل المجمع عليه. فهذا حرام، النظر إلى النساء مثلا التمتع بالنساء أو التمتع بالنظر إلى النساء فهو حرام لأجل الحرام، يعتبر حرام حتى عند الظاهرية الذين يرون شيء من الإباحة، لكن عندهم النظر نظر التمتع لأجل الحرام حرام، أما نظر التمتع ليس لأجل الحرام عندهم ليس بحرام، والنظر الذي ليس فيه تمتع عندهم ليس بحرام، هذا عند الظاهرية. لكن كلامهم باطل وقولهم غير صحيح، فجاءت الأدلة على النهي عن النظر إلى النساء وغيره. طيب، فهؤلاء يرون أن هذا ليس فقط ذنب، بل يرون العكس أنه عبادة وأنه طاعة. قال: فهم يحبون ما يكرهونه، كالصور والرئاسة وفضول المال والبدع المضلة، زاعمين أن هذا من محبة الله. ومن محبة الله بغض ما يبغضه الله ورسوله وجهاد أهله بالنفس والمال. قال: وأصل ضلال من هذا القائل الذي قال: «إن المحبة تحرق ما سوى مراد القلب»، قصد مراد الله تعالى الإرادة الدينية الشرعية التي هي بمعنى محبته ورضاه، وكأنه قال: تحرق من القلب ما سوى محبوب الله. وهذا معنى صحيح، فإن من تمام الحب أن لا يحب إلا ما يحب الله. فإذا أحببت ما لا يحب الله كانت المحبة ناقصة. إذا أحب الإنسان ما يكره الله كانت المحبة ناقصة. وأما إذا كان يحب ما يحبه الله كانت محبته كاملة. وقد ذكر الشيخ الإسلام أن هذا تعريف المحبة، أي معرفة المحبة أنك تحب ما يحبه الله. قال: وأما قضاء الله وقدره وهو يبغضه ويكرهه ويسخطه وينهى عنه، فإن لم أوافقه في بغضه وكراهيته وسخطه لم أكن محبا له بل محبا لما يبغضه. فاتباع الشريعة والقيام بالجهاد من أعظم الفروق بين أهل محبة الله وأولياءه الذين يحبهم ويحبونهم. ولهذا ذكر الجهاد في سبيل الله في مسألة المحبة، لماذا؟ لأن الإنسان ما يسلك هذا المسلك إلا وهو يقدم روحه فدى لله، فهذه محبة. قال: فاتباع الشريعة والقيام بالجهاد من أعظم الفروق بين أهل محبة الله وأولياءه الذين يحبهم ويحبونهم، وبين من يدعي محبة الله ناظرا إلى عموم ربوبيته أو متبعا لبعض البدع المخالفة لشريعته. فإن دعوة هذه المحبة لله من جنس دعوة اليهود والنصارى الذين قالوا: «نحن أبناء الله وأحباؤه». قال: بل قد تكون دعوة هؤلاء شرا من دعوة اليهود والنصارى لما فيهم من النفاق الذين هم به في الدرك الأسفل من النار، كما قد تكون دعوة اليهود والنصارى شرا من دعواهم إذ لم يصلوا إلى مثل كفرهم. قالوا في التوراة والأنجيل من ذكر محبة الله ما هم متفقون عليه، حتى إن ذلك عندهم أعظم وصايا الناموس. ففي الإنجيل أن المسيح قال: «أعظم وصايا المسيح أن تحب الله بكل قلبك وعقلك ونفسك». والنصارى يدعون قيامهم بهذه المحبة، وأن ما هم فيه من الزهد والعبادة هو من ذلك، وهم براء من محبة الله، أنا ليس عندهم محبة الله، كذب، محبة الله لها شروط ولا علامات. قال: بل اتبعوا ما أسخط الله، قال: براء من محبة الله إذ لم يتبعوا ما أحبه بل اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم. قال: والله يبغض الكافرين ويمقتهم ويلعنهم، فهو سبحانه يحب من يحبه. لا يمكن أن يكون العبد محبا لله والله تعالى غير محب له، بل بقدر محبة العبد لربه يكون حب الله له. ﴿مَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِأَحَبِّ مِمَّا افْتَرَضْتُهُ عَلَيْهِ﴾. وقال أيضا: «إذا تقرب إلي عبدي شبرا تقربت إليه ذراعا». قال: إن كان جزاء الله لعبده أعظم، كما في الحديث الصحيح: «لله عن الله أنه قال: من تقرب إليه شبرا تقربت إليه ذراعا، ومن تقرب إليه ذراعا تقربت إليه باعا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة». الحديث في الصحيحين، قال: أحدث بهريرة. قال: قد أكبر سبحانه أنه يحب المتقين والمحسنين والصابرين، ويحب التوابين ويحب المتطهرين. بل هو يحب من فعل ما أمر به من واجب مستحب، كما في الحديث الصحيح: «لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه». قالوا: كثير المخطئين الذين ابتدعوا أشياء في الزهد والعبادة وقعوا في بعض ما وقع فيه النصارى من دعوة محبة لله مع مخالفة شريعته وترك المجاهدة في سبيله ونحو ذلك. معنا تجد أولاء التصوف يتركون الجهاد، لا بل الغزالي في إحياء علوم الدين، معنا سمى كتابه إحياء علوم الدين، وذكر أشياء دقيقة جدا، لكن الجهاد لم يذكر، معنا هذا الكتاب مع كبره إلا أنه لم يذكر شيئين مهمين: توحيد الألوهية وكذلك أيضا الجهاد، ليس موجودا في كتاب إحياء علوم الدين. ولهذا كان بعض أصحاب المغرب من علماء السنة كانوا يسميه إماتة علوم الدين، ما يسميه إحياء علوم الدين، يسميه إماتة علوم الدين. بل بعض المغاربة أفتى بحرقه لأن الناس اغتروا به وليس فيه توحيد الألوهية الذي هو دين الأنبياء. قال رحمه الله: قالوا: تمسكهم في الدين الذي يتقربون به إلى الله من أحط مما تمسك به النصارى من الكلام المتشابه وحكايات لا يعرف قائلها، ولو صدق لم يكن قائلها معصوما، فيجعلون متبوعهم شارعين لهم دينا، كما جعلت النصارى لقسيسهم ورهبانهم شارعين لهم دينا. ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ﴾. جاء في حديث عدي، وإن كان في سنده انقطاع إلا أن معناه صحيح، لما دخل... وفي الحديث أنه دخل على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ هذه الآية، فقال: «يا رسول الله، ما عبدناهم». فقال: «ألم يحلوا لكم الحرام فأطعتموهم، وحرموا عليكم الحلال فأطعتموهم؟» قال: «بلى». قال: «فتلك عبادتهم إياهم». قال: ثم إنهم ينتقصون العبودية، ويدعون أن الخاصة يتعدونها، كما يدعي النصارى في المسيح، ويثبتون الخاصة من المشاركة لله من جنس ما تثبته النصارى للمسيح وأمه، إلى أنواع أخرى يطول شرحها في هذا الموضع. وإنما الدين الحق هو تحقيق العبودية لله بكل وجهه، وهو تحقيق محبة الله بكل درجة. وبقدر تكميل العبودية تكمل محبة العبد لربه. هذا رجع إلى هذه القاعدة الأولى التي ذكرها: أن تحقيق العبودية، وأن كمال العبودية بتحقيقها لله عز وجل، وتكمل محبة العبد لربه بتكميل العبودية. تكمل محبة العبد لربه بتكميل العبودية. قالوا: تكمل محبة الرب لعبده، وبقدر نقص هذا يكون نقص هذا، إذا قلت العبودية قلت محبة الله للعبد. قالوا: كلما كان في القلب حب لغير الله كانت فيه عبودية لغير الله بحسب ذلك، وكل ما كان فيه عبودية لغير الله كان فيه حب لغير الله بحسب ذلك. وكل محبة لا تكون لله فهي باطلة، وكل عمل لا يراد به وجه الله فهو باطل. فالدنيا ملعونة، ملعون ما فيها إلا ما كان لله، ولا يكون لله إلا ما أحبه الله ورسوله وهو المشروع. وكل عمل أريد به غير الله لم يكن لله، وكل عمل لم يوافق شرع الله لم يكن لله. بل لا يكون لله إلا ما جمع الوصفين: أن يكون لله، ولا يكون لله إلا ما جمع الوصفين أن يكون لله وأن يكون موافقا لمحبة الله. وهذه شروط العبادة: الإخلاص والمتابعة. قال: وهو الواجب المستحب، كما قال تعالى: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾. فأولا: عمل صالح، وهو متبع، أنا ما يكون صالح إلا إذا كان على دين الله. والأمر الثاني: أنه قال: ﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾، أي اشتراط الإخلاص. قال: فلابد من العمل الصالح وهو الواجب وهو المستحب، ولابد أن يكون خالصا لوجه الله. قال الله عز وجل: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «من عمل عملا ليس على أمرنا فهو رد». وقال صلى الله عليه وعلا وسلم: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه». قالوا: هذا الأصل هو أصل الدين، وبحسب تحقيقه يكون تحقيق الدين، وبه أرسل الله الرسل وأنزل الكتب، وإليه دعا الرسول صلى الله عليه وسلم، وعليه جاهد، وبه أمر، وفيه رغب، وهو قطب الدين الذي تدور عليه رحاه. والشرك غالب على النفوس، وهو كما في الحديث: «وهو في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل». وفي حديث آخر قال أبو بكر: «يا رسول الله، كيف ننجو منه وهو أخفى من دبيب النمل؟» معنى الحديث الأول صحيح، لكن الحديث الثاني ليس صحيح. فقال: «يا أبا بكر، لأعلمك كلمة إذا قلتها نجوت من دقه وجله: اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك شيئا وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم». وهذا دعاء طيب لكن لم يثبت عن النبي عليه الصلاة. قال: وكان عمر يقول في دعائه: «اللهم اجعل عملي كله صالحا واجعله لوجهك خالصا ولا تجعل لأحد فيه شيئا». وكان أبو بكر يقول: «اللهم اجعلني خيرا مما يظنون واغفر لي ما لا يعلمون». قال: وكثيرا ما يخالط النفوس من الشهوات الخفية ما يفسد عليها تحقيق محبتها لله وعبوديتها لله. معنى: وهذه الشهوات الخفية أن الشيخ أنه يتخفى مع العمل. قال: كما قال شداد بن أوس يا بقايا العرب: «إن أخوف ما أخاف عليكم الرياء والشهوة الخفية». قيل لأبي داود السجستاني: «وما الشهوة الخفية؟» قال: «حب الرئاسة». معناه: هذا مثال، وإلا الشهوات الخفية كثيرة: حب الرئاسة، حب الطمع، وأيضا كذلك إرادة المصلحة والأنانية والشح وغيرها من هذه الأمور. قال: عن كعب المالكي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «ما ذئبان جائعتان أرسلتا في غنم بأفسد لهما من حرص المرء على المال والشرف لدينه». المال والشرف، فالحرص والطمع أيضا من الشهوات الخفية. قال الترمذي: «حديث حسن صحيح». وهذا الحديث صحيح، جاء أيضا من طرق. قال: فبين صلى الله عليه وآله وسلم أن الحرص على المال والشرف من فساد الدين، لا ينقص عن فساد الذئبين الجائعين لزريبة الغنم. وذلك يبين أن الدين السليم لا يكون فيه هذا الحرص، وذلك أن القلب إذا ذاق حلاوة عبودية الله ومحبته له لم يكن شيء أحب إليه من ذلك حتى يقدمه عليه، وبذلك يصرف عن أهل الإخلاص لله السوء والفحشاء، كما قال تعالى: ﴿كَذَٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾. قال: فإن المخلص لله ذاق من حلاوة عبوديته ما يمنعه من عبوديته لغيره، ومن حلاوة محبة الله ما يمنعه عن محبة غيره، إذ ليس عند القلب لا أحلى ولا ألذ ولا أطيب ولا أسر ولا أنعم من حلاوة الإيمان المتضمن من عبوديته لله ومحبة له وإخلاص الدين له. وهذا أعظم حلاوة الإيمان وطعمه. قال: وذلك يقتضي جذب القلب إلى الله، فيصير القلب منيبا إلى الله خائفا منه راغبا راهبا، كما قال تعالى: ﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَٰنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ﴾، أي راجع. قال: إذن محب يخاف من زوال مطلوبه وحصول مرهوبه، فلا يكون عبد الله ومحبته إلا بين خوف ورجاء، كما قال تعالى: ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾. قال: وإذا كان العبد مخلصا له اجتباه ربه فأحيا قلبه واجتذبه إليه، فينصرف عنه ما يضاد ذلك من السوء والفحشاء، ويخاف من حصوله ضد ذلك. بخلاف القلب الذي لم يخلص لله، فإن فيه طلبا وإرادة وحبا مطلقا. هذا القلب الذي لم يخلص لله فيه حب وإرادة لكن مطلقة ليست خاصة لله عز وجل، فيهوى ما سنح له ويتشبث بما يهواه كالغصن الرطيب، أي نسيم مر به أماله، نسيم: معنى ريح، فتارة تجذبه الصور المحرمة وغير المحرمة فيبقى أسيرا عبدا لمن لو اتخذه عبدا له لكان ذلك نقصا وعيبا. ودماء: معنى مثلا يحب امرأة، لو كانت جارية له لكانت نقصا، لكن يحبها ودخلت خلبه. قال: وتارة يجذبه الشوق الرئاسة، فترضيه الكلمة وتغضبه الكلمة، ويستعبده من يثني عليه ولو بالباطل، ويعادي من يذمه ولو بالحق. وتارة استعبده الدرهم والدينار وأمثال ذلك من الأمور التي تستعبد القلوب، والقلوب تهواها، ويتخذ إلهه هواه بغير هدى من الله. ومن لم يكن مخلصا لله عبدا له، قد صار قلبه مستعبدا لربه وحده لا شريك له، بحيث يكون هو أحب إليه من كل ما سواه، ويكون ذلك ذليلا له خاضعا له، وإلا استعبدته الكائنات واستولت على قلبه الشياطين. عن من لم يخلص لله عز وجل وأشرك معه غيره، عذبه الله عز وجل وأدله بذلك العبودية والمحبة. قال: وإلا استعبدته الكائنات واستولت على قلبه الشياطين، وكان من الغاوين، إخوان الشياطين، وصار فيه من السوء والفحش ما لا يعلمه إلا الله. وهذا أمر ضروري لا حيلة فيه. أنا الآن تجد بعضهم عنده عبادة وعنده طاعة لكن ينهمك في مثل هذه الأمور حتى يكون مثل الشيطان لا يرجع من حرام. قالوا: هذا أمر ضروري لا حيلة فيه، فالقلب إن لم يكن حنيفا مقبلا على الله معرضا عما سواه وإلا كان مشركا، كما قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾. ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾. قال: وقد جعل الله إبراهيم وآل إبراهيم أئمة لهؤلاء الحنفاء المخلصين، أهل محبة الله وعبادته وإخلاص الدين له، كما جعل فرعون وآل فرعون أئمة المشركين ومتبعي أهوائهم. طيب، إن شاء الله نكتفي بهذا، نكون في حفظ الله.