شرح كتاب تجريد التوحيد المفيد 34

شرح كتاب تجريد التوحيد المفيد 34

الدرس في شرح كتاب تجريد التوحيد المفيد 34، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

حقيقة الاستعانة والتوكل وتطبيقهما العملي

يبيّن المقطع الصنف الثالث من الناس في العبادة وهم من يعبدون بلا استعانة، وينقسمون إلى قدرية ومن قصّر في التوكل. ثم يحدّد حقيقة الاستعانة بأنها التوكل القلبي الناشئ عن علم تفرد الله بالخلق والتدبير، مع تطبيقها بالأخذ بالأسباب وتفويض الأمر إلى الله كما فعلت هاجر.

التوكل على الله وأثر الإخلاص في حفظ العبد

يؤكد المقطع أن من أخلص لله واتخذ الأسباب الشرعية لن يضيعه الله، مستشهداً بآيات وأحاديث في التوكل. ويضرب المثل بالطفل المعتمد على أبويه في طلب حاجاته مع بذل الجهد، مختتماً بموقف ابن تيمية في حث الناس على الجهاد باليقين والإخلاص.

التوكل على الله والنصر بالصبر والابتلاء

يبرز المقطع موقف شيخ الإسلام ابن تيمية في تحقيق النصر على التتار بالاعتماد على الله واليقين بوعده. ويضرب المثل بصبر النبي أيوب على البلاء ثماني عشرة سنة، مؤكداً أن من يتق الله ويتوكل عليه يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب.

معنى الاستعانة عملياً وتطبيقاً

يختتم المتحدث بشرح حقيقة الاستعانة بالله في العمل والتطبيق، مؤكداً أن هذا هو المقصود العملي لها. ويكتفي بهذا القدر من البيان داعياً إلى تحقيقها في الواقع العملي.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. بعد، فذكر المؤلف رحمه الله تعالى القسم الثالث من حالات العبادة والاستعانة، أو حالات الناس في العبادة والاستعانة، فقال: "من له نوع عبادة بلا استعانة". فذكر أنهما نوعان: النوع الأول: هم أهل القدر الذين يقولون بأن فعل العبد إنما هو من خلق الله، فلذلك لا يعينه الله عز وجل على ذلك. والنوع الثاني: من لهم عبادات وأوراد ولكن حظهم ناقص من التوكل والاستعانة، ولم تتسع قلوبهم لارتباط الأسباب بالقدر، وأنها بدون القدر كالموات الذي لا تأثير له. وقد شرحنا هذا الكلام. ثم قال رحمه الله: "فإن قيل: ما حقيقة الاستعانة عملاً وتطبيقاً؟ كيف تطبق هذا الكلام؟ كيف تعبد الله وتستعين به؟". قلنا: هي التي يعبر عنها بالتوكل، وهي حالة في القلب تنشأ عن معرفة الله تعالى وتفرده بالخلق والأمر والتدبير والضر والنفع. أن هذه حالة قلبية، كلما قوى إيمان العبد وتوكل على الله وفوض أمره إلى الله، كان أعظم، وكان إيمانه أكثر. ولهذا، من لا توكل له لا إيمان له. فالتوكل له أثر عظيم في الإيمان؛ لأنه الاستعانة بالله عز وجل. فالقلب يحتاج إلى عبادة واستعانة، والاستعانة هي التوكل على الله جل وعلا، وأن الأمر كله من الله، وتدبير الأمور من الله جل وعلا. فلذلك يكون القلب يعرف هذا ويطبقه عملاً، ويطبقه عملاً. ليس معنى "عملاً" أي بجوارح فقط، بل يطبقه في نفسه، فيعمل بالأسباب ويكل أمره إلى الله. قالوا: إنه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن. يعلم أن الأمور بيد الله، ليس هناك من يتصل أو من يضره بغير إذن الله جل وعلا، أو ينفعه بغير إذن الله. يعلم أن الأمور كلها لله، فلذلك يعتمد على الله عز وجل في أموره، ولا يعتمد على الناس في أمره، في نفعه وضره. يعلم أن أمره لله، سواء كان في الرزق أو في غيره من هذه الأمور التي فيها الضر والنفع. قال: "فتوجه باعتماد عليه وتفويض إليه" أي إلى الله، "وثقة به"، فيجعل أمره لله، فيفعل ما أمره الله، أو يفعل أسباب القدر، وأمره يكله إلى الله جل وعلا. انظر تلك المرأة الصادقة، زوجة نبي الله إبراهيم، لما قالت لإبراهيم: "آه، الله أمرك بهذا؟" فأشار إليها أن نعم. قالت: "إذن لن يضيعنا الله". هذا ثقة بالله عز وجل، مادام أن الله عز وجل أمرك، لن يضيعك الله. فلذلك، الساعي إلى الخير والعامل بالخير يسعى إلى الصلاة، إلى الصيام، إلى غيرها من هذه الأمور بالأسباب الشرعية، فالله عز وجل لن يضيعه. المخلص لله جل وعلا لن يضيعه الله: ﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُخْلَصِينَ﴾، فلن يضيعه الله عز وجل؛ لأنه يسعى إلى الخير، يريد الخير، يريد ابتغاء وجه الله جل وعلا. ﴿مَن كَانَتِ الْآخِرَةُ هَمَّهُ جَمَعَ اللَّهُ لَهُ شَمْلَهُ وَجَعَلَ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ، وَمَن كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ فَرَّقَ اللَّهُ عَلَيْهِ شَمْلَهُ وَجَعَلَ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا مَا كُتِبَ لَهُ﴾. فهذا كله الاعتماد على الله جل وعلا. قال: "فيصير نسبة العبد إليه تعالى نسبة الطفل إلى أبويه فيما ينوبه من رغبته ورهبته". يعني ينطرح بين يدي الله مثل الطفل الذي يكون بين أبويه، ما يعتمد إلا على أبويه، كل شيء عند أبويه. حتى إذا أراد أن يشرب، أن يأكل، وهكذا العبد. ليس معنى ذلك أن الله عز وجل سيأكله ويسقيه، لا، لكن الله عز وجل سيسر له هذا الطعام والشراب. وإنما هو يبذل الأسباب، مثل الطفل مثلاً: إذا جاع صاح، إذا أراد الطعام، إذا كان يتكلم تكلم، كذلك إذا أراد غير ذلك من الأمور. فكذلك أيضاً هذا العبد عند ربه جل وعلا، كما قال السلف: «كالطفل عند أبويه». أنه إذا أراد شيء يطلبه من الله، ويعمل بالأسباب التي تؤدي إلى ذلك، مثل الدعاء، العبادة، الإخلاص، وغير ذلك من الأمور التي هي أسباب شرعية للطلب من الله جل وعلا. فيكي أمره إلى الله جل وعلا، ويعلم يقيناً أن الله عز وجل سيسر له هذا الأمر، ما دام أنه اتخذ الأسباب الشرعية. فإذا توفرت الأسباب الشرعية، يوقن العبد أن الله عز وجل سيعينه وسيحقق له ما يريد. ولهذا، كما تعلمون، شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله لما أراد أن يحث الناس على قتال التتار، وكلم الوالي أو الحاكم في ذلك الزمان، وحثه على الصبر وعلى اليقين وعلى الطاعة، وجد الناس لما وعظهم وكذا وتكلم، وجد أن الناس يريدون أن يقاتلوا التتار بحماس وبإخلاص، أنهم يريدون ينصرون دين الله. فلذلك قال لهم شيخ الإسلام: «فما دام أنتم كذلك فأنتم الذين تنصرون». فقالوا: يا شيخ، قل: إن شاء الله. قال: «إن شاء الله تحقيقاً لا تعليقاً». يعني أن الله عز وجل وعدنا، ما دام أننا على الإيمان وعلى اليقين وعلى الأمور الشرعية، فوعدنا الله عز وجل بالنصر. فكان بعد ذلك تحقق ما ذكره شيخ الإسلام من النصر. وإلا كان الناس قد يأسوا من أنهم يقاتلون التتار لشدة وقسوة التتار، حتى أن كثيراً من الأماكن قد سلمت لهم، وأيضاً أرادوا أن يصالحوهم فقتلوهم، مثل ما حصل في بغداد، وحصل أيضاً كذلك في بعض مناطق الشام. ولما جاء دمشق، فإن أهل دمشق قاتلوهم، أو قاتلوهم حتى صارت الغلبة عليهم، وأُخذوا هزيمة منكرة، مع أنهم كانوا جيشاً قوياً. وهذا كله بسبب أن الإنسان إذا اعتمد على الله عز وجل لا يفوته شيء من الدنيا، أي من الخير، ويحقق الله عز وجل آماله. ﴿إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ﴾. قال: «نسبة العبد إليه نسبة الطفل إلى أبويه فيما ينوبه من رغبته ورهبته». فلو دهمه ما عسى أن يدهمه من النوائب، لم يلتج إلى غيرهما. مهما جاءته من الأمراض، مهما جاءته من المصائب، فهو يعلم أنها من الله، فيرضى بقضاء الله. ولهذا، نبي الله أيوب صبر في البلاء ثماني عشرة سنة وهو مريض، حتى تركه القريب والبعيد، فلم يبق معه إلا زوجته، صابرة وتخدمه، عليه السلام. حتى قال بعض إخوانه كانوا يزورونه، قال أحدهم للآخر: «ما عسى نبي الله هذا المبتلى عمل حتى عاقبه الله عز وجل هذه العقوبة؟» فلما زاره، لم يستطع أن يسكت هذا الشخص، فتكلم عنده، فقال له: «ما الذنب الذي عملته حتى عاقبك الله؟» قال: «والله ما أدري ما تقول، ولكني إذا مررت برجلين يتخاصمان، أصلحت بينهما، واستغفرت الله لهما». أنا لم يذكر شيء من الذنوب، وإنما ذكر شيء من أعظم الأشياء التي يتعامل بها الناس، وهي الإصلاح فيما بينهم. فلذلك لم يعاقبه الله، وإنما هو ابتلاء ابتلاه الله عز وجل. «ما عسى يدهمه من النوائب لم يلتج إلى غيرهما». فإن كان العبد مع هذا الاعتماد من أهل التقوى، كانت له العاقبة الحميدة: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾، أي كافياً. فهذا هو معنى أو حقيقة الاستعانة عملاً وتطبيقاً. نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.