شرح كتاب تجريد التوحيد المفيد 36

شرح كتاب تجريد التوحيد المفيد 36

الدرس في شرح كتاب تجريد التوحيد المفيد 36، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

أقسام الناس في الإخلاص والمتابعة وحقيقة التعامل مع الله

يستهل الدرس بتقسيم الناس إلى أربع مراتب وفق الجمع بين الإخلاص والمتابعة، مبيناً أن العبادة الصحيحة تقوم على أصلين: متابعة الرسول ﷺ وإخلاص العبودية لله. ثم يوضح حال أهل الإخلاص والمتابعة الذين تُصرف أعمالهم كلها لله دون طلب جزاء من الخلق، مستدلاً بآيات من سورة الإنسان.

شروط قبول العمل بركني الإخلاص والمتابعة

يبين المقطع أن قبول العمل عند الله مشروط بركنين لا ثالث لهما: الإخلاص لله وحده، والمتابعة لسنة النبي ﷺ، مستدلاً بآيات قرآنية وأقوال السلف كالفُضيل بن عياض وابن رجب. فمن فقد أحد الشرطين كان عمله مردوداً غير مقبول، حتى لو كان مخلصاً جاهلاً، لأن العبادة لا تصح إلا بأمر الله لا بالهوى والرأي.

الاكتفاء ببيان القسم الأول من أهل الإخلاص والعبادة

يختتم المتحدث الحديث عن الضرب الأول من أقسام الناس في الإخلاص والعبادة، مبيناً أنهم أهل العبادة والإخلاص الحقيقيين، ويعلن الاكتفاء بهذا القدر على أن يكمل في الدرس اللاحق بيان باقي الأقسام.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، بعدما ذكر المؤلف الإمام المقريزي رحمه الله أقسام الناس في العبادة والاستعانة، وهم أربعة أقسام كما قد ذكرنا: ناس عندهم عبادة واستعانة، وهم أهل الإيمان، وناس ليس عندهم استعانة ولا عبادة، وغالبًا من أهل الكفر والنفاق. ومنهم من عنده عبادة وليس عنده استعانة، وأولًا ذكر الشيخ أنهم نوعان: من القدرية، ومن بعض الطوائف عندهم أوراد وعندهم كذا، لكن ليس عندهم استعانة بالله وتوكل عليه. ومنهم من يكون عنده توكل على الله واستعانة وليس عنده عبادة، وهؤلاء أيضًا ذكر شيخ الإسلام من طائفة أنه يدخل فيهم غلات أهل التصوف، غلات أهل التصوف، فالذين يدعون الحقيقة فلا يعبدون الله، أو لا يصلون، ولا يصومون، ولا يحققون شيئًا من العبادة، وإن كان عندهم شيء من التوكل والاستعانة، لكنها لا تنفعهم لأجل أنهم قد ضيعوا العبادة، والواجب هو العبادة والاستعانة تبع. قال: واعلم أن العبد بعدما ذكر هذا، قال: واعلم أن العبد لا يكون متحققًا بعبادة الله تعالى إلا بأصلين، لا تكون هذه العبادة صحيحة إلا بأصلين اثنين. وهذا أيضًا من كلام الإمام ابن القيم في المدارج، بعدما ذكر أقسام الناس في الاستعانة، ذكر أقسامهم في العبادة والمتابعة: أحدهما المتابعة للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والثاني إخلاص العبودية. والناس في هذين الأصلين أربعة أقسام. هذا كما أيضًا هو كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، لكن هنا بالنص هو كلام ابن القيم. قد ذكر شيخ الإسلام هذه الأربع المراتب، مراتب الناس في الإخلاص والمتابعة، ووضحها وبيّنها الإمام ابن القيم رحمة الله عليه في مدارج السالكين. قال: والناس في هذين الأصلين أربعة أقسام، أحدها: أهل الإخلاص والمتابعة، فأعمالهم كلها لله، وأقوالهم منعهم وعطاؤهم، أعمالهم وأقوالهم كلها لله، لا يخلطون ولا يشوبون أعمالهم بشيء من الأغيار، فأعمالهم كلها لله، وأقوالهم منعهم وعطاؤهم وحبهم وبغضهم، كل ذلك لله تعالى، لا يريدون من العباد جزاءً ولا شكورًا، مثل ما ذكر الله عز وجل في الصادقين: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا * وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾. يبتغي وجه الله، ويطعمون الطعام على حبه مسكينًا ويتيما وأسيرا: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾، ما يريدون من العباد الشكر والجزاء، وإنما يريدون من الله. وهنا من الخطأ أن الإنسان يعطي مثلا يتصدق على مسكين، على فقير، وينتظر منه الشكر، وينتظر منه الشكر، ويعاتبه إن لم يشكره، فهذا فيه خلل في نيته. قال: ﴿وَلَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾. عدّوا الناس كأصحاب القبور، لا يملكون ضرًا ولا نفعًا، ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا. قبل هذا، أن الذي يخفي صدقته تكون أفضل لأنها أقرب إلى الإخلاص، بخلاف الذي يجهر بصدقته فهو أقرب إلى الرياء. ثم ذكر أن هؤلاء الذين ابتغوا وجه الله، عدّوا الناس كأصحاب القبور، لا يملكون ضرًا ولا نفعًا، ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا، ما يرجون منهم شيئًا لأن شكرهم لا ينفعهم وذمهم لا يضرهم. وهذا الأصل الناس يختلفون فيه، معنى مسألة ذم الناس ومدحهم، فمن الناس من يتأثر بمدح الناس وذمهم، حتى أنه يخالف أمر الله لأجل حب، لأجل مدح الناس، أو لأجل حتى لا يذموا، فيرتكب المحرم لأجل الناس، وأيضًا يفعل الأشياء لأجل أن يمدح من الناس، فهذه نية مكذوبة لا ينبغي أن تكون في المؤمن. فالمؤمن لا يبالي بمدح الناس، المؤمن حق الإيمان لا يبالي بمدح الناس ولا بذمهم، لأنه يعلم أن مدح الناس لا يرفعه، وأن ذمهم لا يضعه، وإنما الذي يرفعه هو الله، والذي يضعه هو الله، فلذلك فهو يعامل الله ولا يعامل الخلق، يعامل الله جل وعلا حتى في الإحسان للخلق، فهو ليس لأجل الخلق وإنما لأجل الله جل وعلا، ابتغاء وجه الله، ويطعمون الطعام على حبه، أي لأجل حبه، لأجل ابتغاء وجهه جل وعلا. قال: فإنه لا يعامل أحد من الخلق إلا لجهله بالله وجهله بالخلق، على الذي الذي يتأثر بمدح الناس وذمهم، هذا ما عرف الخلق، ما عرف الخلق، لهذا قال المؤلف رحمه الله: فإنه لا يعامل أحدًا من الخلق إلا لجهله بالله وجهله بالخلق، وإلا لعلم أن الخلق لا ينفعه ولا يضعه، ما ينفعه إلا الله جل وعلا. وهؤلاء لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، فلذلك فليس الرفعة في مدح الناس لك، وليس أيضًا الوضاعة في ذم الناس لك. صحيح أن من عاجل بشرى المؤمن أن أهل الصلاح يثنون عليه، لكن محبة الفرح بثناء الناس على عمله هذا لا ينبغي أن يكون من العبد المؤمن. قالوا: الإخلاص والعمل الذي لا يقبل الله من عامل عملا صوابا عاريا منه، وهو الذي ألزم عباده به إلى الموت. الإخلاص والعمل الذي لا يقبل الله من عامل عملا صوابا عاريا منه، معنى عاريا أي مجردا عن كل الشوائب والأغراض. معنى عاريا ومجردا من نية إدخال شريك مع الله، أو رياء وسمعة، أو كذلك يريد غرض من أغراض الدنيا، يفعل الفعل لأجل غرض من أغراض الدنيا، أو كذلك يحب المدح، يحب أن يمدح لأجل هذا العمل، وكل هذه كلها أغراض وشوائب تؤثر في الإخلاص. قال: وهو الذي ألزم عباده به للموت. قال الله عز وجل: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾، وقال جل وعلا: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾، وقال جل وعلا: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾. قالوا: أحسن العمل أخلصه وأصوابه، فالخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على وفق سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهذا الكلام من كلام الفضيل بن عياض رحمه الله، ذكره ابن أبي الدنيا عنه، وذكره شيخ الإسلام في عدة مواضع من كتبه، كذلك ابن القيم ذكره في هذا الموضع، لكن المؤلف هنا أراد الاختصار. فقال الفضيل لما قرأ: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾، قال: أصوابه وأخلصه. قالوا: ما أصوابه وأخلصه يا أبا علي؟ قال: أصوابه ما كان على هدي نبي الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأخلصه ما كان مخلصا. فإن العمل إذا لم يكن خالصا لا يقبل، وإن كان خالصا ولم يكن صوابا لا يقبل. فقال الله: معنى يكون العمل لا يقبل إلا بهذين الشرطين، هما ميزان العمل كما قال الحافظ ابن رجب: ميزان العمل الإخلاص والمتابعة، وهما معنى لا يقبل العمل إلا بهما. إن وجد الإخلاص ولم يوجد المتابعة، يكون العمل غير صحيح، العمل يكون غير شرعي، حتى لو أخلص فيه فإنه لا يقبل منه هذا العمل. وهناك فرق بين الشيخ الإسلام، بين أن يأجره الله عز وجل على هذا العمل وإن لم يكن شرعيا لجهله بهذا الأمر وإخلاصه، يأجره على إخلاصه، لكن ليس معنى ذلك أن العمل مقبول، العمل باطل مردود، سواء كان علم أو لم يعلم، سواء كان علم أنه باطل أو لم يعلم، فلذلك نجزم بأن كل عمل ليس على السنة فهو باطل، ليس على شريعة الله فهو باطل، وإن أخلص فيه العمل. بقول النبي عليه الصلاة والسلام: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد»، «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»، فهو مردود. قالوا: هذا هو العمل الصالح المذكور في قوله تعالى: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾، عمل صالحا أي وفق الشريعة، وقوله: ﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ أي مخلصا لله، فجمعت هذه الآية شرطي العبادة. قالوا: هو العمل الحسن في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾، أسلم وجهه لله أي مخلص، وهو محسن، محسن أي متبع. ﴿مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾، أسلم وجهه لله أي إخلاصا، وهو محسن أي متبع لرسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: وهو الذي أمر النبي عليه الصلاة والسلام في قوله: «كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد»، وكل عمل بلا متابعة فإنه لا يزيد عامله إلا بعدا من الله، فإن الله تعالى إنما يعبد بأمره لا بالأهواء والآراء. فهذا الضرب الأول، أو القسم الأول من أقسام الناس في الإخلاص والعبادة، فهم أهل العبادة والإخلاص، أهل العبادة والإخلاص، إن شاء الله تعالى نكتفي بهذا ونكمل في الدرس اللاحق، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر