الدرس في التعليق على شرح علل الترمذي 16، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول المقطع مشكلة ضعف الحفظ وكثرة الوهم لدى بعض العباد الصالحين المجتهدين في العبادة، مما يؤدي إلى وقوعهم في الخطأ عند رواية الحديث دون تعمد للكذب. ويذكر أقوال الأئمة كمسلم ويحيى بن معين في وصف حالهم مع أمثلة لرواة كعبان بن أبي عياش الذين انشغلوا بالعبادة فنسوا الحديث.
يتناول المقطع أنواعاً من الفتن التي ابتُلي بها بعض الحفاظ والمحدثين، كالكذب في الحديث رغبة في التكثير والتغريب كما وقع مع الشاذكوني وابن حميد الرازي. كما يحذر من فتنة جمع الطرق الكثيرة مع إهمال فهم المعاني والانشغال بها عن العبادة.
يشرح المقطع اهتمام المحدثين القدامى بجمع طرق الحديث المتعددة لمعرفة علله، وينقل أقوال يحيى بن معين وابن المديني في ذلك. ثم ينتقل للحديث عن عباد البصرة وكيف انحرف بعضهم بعد الحسن البصري إلى شطحات تصوفية غالية مخالفة للخوف والرجاء.
ينقل شيخ الإسلام قول السلف في وجوب الجمع بين الحب والخوف والرجاء في العبادة، مستدلاً بقوله تعالى: ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾. ثم ينتقد من يكتبون كل ما يسمعون دون تمييز، محذراً من أن ذلك يوقعهم في الكذب على النبي ﷺ.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله: المسألة الثالثة: من ضعف أهل العبادة لسوء حفظه. قال: ذكر الترمذي أنه رب رجل صالح مجتهد في العبادة ولا يقيم الشهادة ولا يحفظها. لا يقيم الشهادة، معناه: إذا شهد على شيء لا يحفظ ما يشهد عليه، فيضيع ويهم في الكلام. قال: وكذلك الحديث بسوء حفظه وكثرة غفلته. وقد سبق قول مبارك في عباد بن كثير وعبد الله بن محرر. وروى مسلم في مقدمة كتابه من طريق محمد بن يحيى بن سعيد القطان عن أبيه قال: «لم ترى الصالحين في شيء أكذب منهم في الحديث». وفي رواية: «لم أرى» أو «لم ترى أهل الخير في شيء أكذب منهم في الحديث». أخرجه مسلم في المقدمة بلفظ: «لم نرى الصالحين أكذب منهم في شيء منهم في الحديث». قال: وقال مسلم: «يجرى الكذب على ألسنتهم ولا يتعمدون الكذب». معناه: لا يتعمدون الكذب، حاشاهم أن يكذبوا، لكن كثرة الوهم هي كذب في العاصل. أن كثرة الوهم هو كذب، لكن هم ما يتعمدون الكذب، لكن يقع كما قال: «يجرى الكذب على ألسنتهم». ولهذا قال يحيى بن معين: «لو أن لي فرساً ورمحاً لغزوت سويداً، إنه يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم». «يكذب» معناه: أنه يهم فيأتي بالكذب. قال: وروي أيضاً بإسناد له عن أيوب قال: «إن لي جاراً»، ثم ذكر من فضله، «ولو شهد عندي على تمرتين ما رأيت شهادته جائزة». أنا له فضل وله عبادة، لكن في الشهادة ما يقيمها، فيه غفلة شديدة. قال: وروى ابن عدي بإسناد عن نبي عاصم، النبيل الضحاك بالمخلق قال: «ما رأيت الصالحين يكذبون في شيء أكثر من الحديث». وروى ابن أبي حاتم بإسناد عن أبي أسامة وحماد بن أسامة قال: «إن الرجل يكون صالحاً ويكون كذاباً»، يعني: يحدث بما لا يحفظ. هنا شيء، كأن أثراً عن يحيى بن سعيد سقط، رواه الجوزجاني وذكره بعد. وروى عمرو الناقد قال: سمعت وكيعاً يقول، وذكر له حديث روي عن وهب بن إسماعيل، فقال: «ذاك رجل صالح، وللحديث رجال». ها نحن نجد عندهم أوهاماً كثيرة، لا أدري، وقليل ما حال طالح، ونحن في الزهد الحديث. طلبوا العلم وطلبوا الحديث، لكن جاءت فترة تركوا علم الحديث واتجهوا إلى العبادة. وهذا الذي ذكره ابن الصلاح وغيره: اتجهوا إلى العبادة فنسوا كثيراً من الحديث، لأن الحديث يحتاج إلى مراجعة، يحتاج إلى التذكير، لا بد أن يراجع ويذاكر حتى يحفظ ويثبت الحديث. فهؤلاء تركوا، فلما كانوا مثلاً كبار السن احتاج لهم أهل الحديث الذين جاءوا بعد، فيقولون: هذا فلان قد سمع من فلان، مثل ما حصل من أبان الرقاش ويزيد الرقاش وأبان بن أبي عياش. فأبان ويزيد قد رووا عن أنس، ثم انشغلوا بالعبادة، فالناس كانوا يرون عن قتادة وعن ثابت قد كفوا المؤنة، أهل البصرة كفوهم المؤنة، ثابت وقتادة عن أنس أخذوا أكثر حديث أنس، وخاصة ثابت كان ملازماً له. فلما مات ثابت وقتادة احتاج الناس إلى أبان بن أبي عياش ويزيد الرقاش لأنهم قد رووا عن أنس ورووا عن الحسن، فلهذا جاء إليهم كثير من الطلبة وجمعوا أحاديث، لكن كانوا يمتحنونهم. جاء ذكر هنا، أمس ذكرنا عن أبي عوانة أنه أخذ حديث الحسن وعرضها على أبان بن أبي عياش، فحدثه كلها عن النبي عليه الصلاة والسلام، أو كذا. وأيضاً يقول حماد بن سلمة: «أنا أول من امتحن أبان بن أبي عياش، أخذت أشياء عن الحسن، فقلت له: سمعتها من أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم». وهذا الذي كان يسميه العلماء: كان يلقن فيتلقن، إذا لقن شيء يقول: نعم. ليس كذباً، لكن هو موجود عنده، لكن ما ليس عنده بمعنى شيء صريح ونص صريح، أو عنده أقصد ذاكرة صحيحة، وإنما فقط توهم، توهم فقط. قال رحمه الله: وروى أبو نعيم بإسناد عن ابن مهدي. أبو نعيم، يعني صاحب الحلية، وليس أبو نعيم الفضل بن دكين، وأبو نعيم صاحب الحلية اسمه أحمد بن عبد الله. بإسناد عن ابن مهدي قال: «فتنة الحديث أشد من فتنة المال وفتنة الولد، لا تشبه فتنته فتنة، كما الرجل يظن به الخير، قد حمله فتنة الحديث على الكذب». وهذا شيء آخر، وهذا ليس المراد به بالصالحين، قد يراد شيء آخر وهو من يكثر من الحديث، وهذه فتنة وقع فيها كثير من الحفاظ الذين اغتروا بأنفسهم، كالشاذكوني، وكذلك محمد بن حميد الرازي، وكذلك من بعدهم الجعابي وابن عقدة وغيرهم من هؤلاء، وقعوا في الكذب بسبب أنهم يريدون كثرة الحديث أو التغريب. فالشاذكوني كان من أصحاب يحيى بن سعيد، من كبار أصحاب يحيى بن سعيد، بل كان يحيى بن سعيد يثني عليه، ثم صار يكذب ويأتي بأشياء من الغرائب، يغرب على الناس، بل حصل منه أشياء أخرى، وتركه العلماء وتركوا حديثه. أيضاً محمد بن حميد الرازي كان حافظاً كبيراً من أهل الري، أعجبه حفظه حتى كان يدعي سماعات ليست له، يأخذ أجزاء ويدعي سماعها وهي ليست له، وهذا يعتبر كذباً، أو يسميه العلماء سرقة: كان فلان يسرق الحديث، يسرق الحديث، أي أنه يأخذ أحاديث الناس ويدعيها لنفسه. وهذه أيضاً الفتنة وقع فيها كثير من المتأخرين. يقول محمد بن علي الأبار: كما قال، ذكر لنا ابن عقدة أنه في معنى أحاديث، فقلنا له: من أين هذه الأحاديث؟ قال: شيخ نزل في طرف المدينة، يعني في دمشق، نزل في طرف المدينة يحدث بهذه الأحاديث. قال: فذهبنا إليه فرأينا شيخاً كبيراً له وقار، فكان معه كتابان يحدث منهما. قال: فقلت له: يا فلان، هل هؤلاء حدثوك بهذه الأحاديث؟ قال: والله ما حدثني أحد، وإنما هذان جزآن أعطاني إياهما محمد بن سعيد وقال: حدث بهما. قال: والله ما حدثني أحد. أنا وصل ابن عقدة إلى هذا الأمر، كل هذا تشبعاً، وأيضاً يريد مثلاً أنه يروى عن أناس من الكبار، وأنه يغرب على الناس، وأنه كذا. وهذا مزلق خطير، فتنة عظيمة. وفتنة أيضاً بعضهم بكثرة الطرق، أنه جمع الطرق، حتى قال ابن حبان رحمه الله: «قد انتشر في كثير من أهل الحديث أنهم فتنوا بكثرة جمع الطرق». قال: «لو قلت لو قلت لأحدهم: ما هذا الحديث الذي تذكر طرقه؟ قال: لا يعرف معناه». معناه مثلاً: يأخذون فقط إشارات، مثلاً حديث الساعة، حديث كذا، حديث فلان، حديث مثلاً صفية زوجة النبي، حديث المهم، يأتون بشيء يعرف هذا الحديث فقط، ثم يأتون بالطرق، هذا يأتي بعشرين طريق، هذا يأتي بكذا، يتباهون بهذا الشيء. حتى قال الكنجي صاحب النسائي أو تلميذه: قال: «بحثت عن حديث حتى خرجته من طرق كثيرة، أو من مئتي طريق، قال: ثم لما نمت رأيت في المنام يحيى بن معين، فقلت: يا أبا زكريا، إني خرجت حديث فلان من مئتي طريق، فقال له: ما أرى هذا إلا من التكاثر الذي ذكره الله: ﴿ أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ ﴾ حتى زرتم المقابر». رحمه الله. بل مسعر بن كدام في ذلك الوقت الذي لم ينشغل الناس بكثرة الأسانيد، كان يقول: «يا أهل الحديث، إن هذا الحديث يصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة، فهل أنتم منتهون؟» معناه: في ذلك الوقت الذي كان أكثر حديثهم معناه فقط أن الرجل يجمع حديث، حديثين عن الرجل، عن الرجلين، عن ثلاثة، إلا الحفاظ الكبار قد يجمع الحديث عن جماعة من المشايخ. مع هذا إلا أن مسعر كان يقول: «يا أهل الحديث، إن هذا الحديث يصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة، فهل أنتم منتهون؟» معناه: منتهون عن الشغل به، ليس منتهون عن الحديث. فكيف لو رأى كما قال الدارقطني أو غيره: «كيف لو رأى مسعر من شغل به الحديث الآن؟» معناه: من تخريج الطرق، معناه كان همهم الطرق فقط والأسانيد. أنا الآن عندنا بالعكس، الآن الناس يريدون فقط الحديث معناه، نص الحديث فقط، ويالا. لكن كانوا يبحثون عن الأسانيد، كل واحد مع طريق واحدة عنده أكثر من عشرين طريق لحديث واحد، وكلها يريد التغريب. لكن بعضهم ليس لأجل هذا، بعضهم معناه يتدين بذلك لأجل أن يعرف الطرق. وكما قال يحيى بن معين: «أن الحديث لا يعرف، لا تعرف علته حتى يؤتى به من خمسين طريقاً». وقال ابن المديني: «حتى تجمع طرقه لا تعرف علته حتى تجمع طرقه». قال: يشير إلى أن من حدث من الصالحين من غير إتقان وحفظ، فإنما حمله على ذلك حب الحديث والتشبه بالحفاظ، فوقع في الكذب على النبي عليه الصلاة والسلام وهو لا يعلم، ولو تورع واتقى لكف عن ذلك فسلم. وقد يحمل كما قلنا ما ذكرنا، لأن أولئك أعظم فتنة من هؤلاء العباد. قال أبو قلابة عن علي بن المديني: سُئل يحيى بن سعيد عن مالك بن دينار ومحمد بن واسع وحسان بن أبي سنان، وهؤلاء عرفوا بالصلاح. مالك بن دينار معروف، ومحمد بن واسع كان يقول مسعر بن كدام رحمه الله: «كنت إذا أحسست فتوراً فنظرت في محمد بن واسع، قال: فاجتهدت أسبوعاً، نظرة فقط». قال: «إذا أحسست فتوراً أنظر إلى محمد بن واسع، قال: فاجتهد أسبوعاً». أنا كان يعطي شحنة من الله، كان محمد بن واسع عابداً كثير المناقب. قال: وحسان، وحسان بن أبي سنان، وهو بصري أيضاً. والعبادة كثرت في البصرة، لماذا؟ ليش كثرت العبادة في البصرة؟ أنا العباد تجدهم كثيرين في البصرة، الحسن البصري كان واعظاً يعظهم، على أكثرهم يبكون، فتجد حتى التاجر، حتى ذكروا في ترجمة ما أذكر من كان تاجراً، فكان يسمع مواعظ الحسن، فصار من أعبد الناس في العبادة. فاجتهد أكثر، العبادة كانت في البصرة. لكن بعد ذلك، بعد الحسن، خرجوا عن الطور الصحيح، فصاروا بعد ذلك تأتي لهم بالشطحات التي ما كانت عند الحسن ولا نحوها، فتمسكوا بأشياء ليست موجودة عند الحسن، مثل عبد الواحد بن زيد. عبد الواحد بن زيد رجل صالح ورجل من أهل الخير، وكان من تلاميذ الحسن، لكن تشبث كثيراً في التصوف، حتى جاء بعض الأشياء التي ليست صحيحة، وكان يتتبع أيضاً العباد في الجبال وغيرها. وكذلك أيضاً ذو النون المصري وغيره. هؤلاء عباد، هؤلاء عباد من عباد أهل الإسلام، لكن كما قلنا حصلت منهم بعض الشطحات، حتى تتهم بعضهم بالزندقة. مثلاً هذه العدوية، اسمها من هي؟ رابعة العدوية. رابعة العدوية تعتبر أيضاً من من أخذ عن الحسن، ولكن اشتطت بعيداً، ولها أشياء غريبة، ولهذا حتى قال أبو داود: «رابعة رابعتهم في الزندقة». وما كان عندهم زندقة، لكن كثرة العبادة والمحبة جعلتهم تنسى الخوف والرجاء. ولهذا جاء عنها، والله أعلم، ذكر أبو نعيم عنها أنها كانت تقول: «إني»، تقول معناه في مخاطبتها للرب جل وعلا: «إني لم أعبدك خوفاً من نارك ولا طمعاً في جنتك». وهذا مزلق خطير، وهذا مزلق خطير، لأن الاعتقاد مثل هذا اعتقاد خطأ. الله عز وجل لما ذكر أولياء الناس وكبار وذكر الرسل، فقال: ﴿ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ ﴾، فلا بد من الرغبة والرهبة. ولهذا كان شيخ الإسلام دائماً يذكر، يقول عن بعض السلف أنه قال: «من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبده بالخوف وحده فهو حروري، ومن عبده بالرجاء وحده فهو مرجئ، وإنما يعبد الله بالحب والخوف والرجاء». قال: «فما رأيت الصالحين في شيء أكذب منهم في الحديث»، لأنهم يكتبون عن كل من يلقون، لا تمييز لهم فيه. هذا أيضاً أمر آخر، وما أخذ آخر مما يوقعهم في الوهم أنهم لا يميزون عمن يأخذ، كل من سمعوه يحدث عن رسول الله كتبوه، وهذا أيضاً يدخلهم في الكذب