الدرس في التعليق على شرح علل الترمذي 44، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشترط الشافعي أن يوافق المرسل الحفاظ المأمونون بأسانيد متصلة ليكون دليلاً على صحته. وإذا انفرد المرسل فيُقوّى بموافقة مرسل آخر من طبقة أو بلد غير مشايخه، أما اتفاقه مع مشايخه فيُرجح رجوعهم إلى مصدر واحد.
يقوّي الشافعي المرسل بشواهد كقول الصحابي الموافق للسنة وفتوى جمهور العلماء. ويشترط في راوي المرسل أن يكون معروفاً ثقة لا يخالف الحفاظ، فإن التزم ذلك قُبل حديثه حتى لو انفرد.
مرسل الثقة المتحرّي كسعيد بن المسيب وابن سيرين أقوى، لكن حجيته محل خلاف بين أهل الحديث وأهل الأصول. أما مراسيل من بعد كبار التابعين فغالباً ضعيفة لكثرة الإحالة وتجوزهم في الرواة، ولا يُقبل المرسل إلا بشروط تجعله في حكم الصحيح.
يرى الشافعي أن الموقوف يُستدل به فقط إذا دل ظاهره على أنه حديث مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم. أما إذا تبين أنه مجرد رأي للصحابي فلا يُحتج به، وقد يكون الوهم في نسبته إلى النبي ناشئاً عن سماعه من الصحابة ثم رفعه.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال الحافظ ابن رجب رحمه الله: والآن نذكر كلام الشافعي وأحمد في ذلك بحروفه. قال الشافعي رحمه الله تعالى في الرسالة: والمنقطع مختلف، فمن شهد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من التابعين فحدث حديث المرسل عن النبي صلى الله عليه وسلم، اعتبر عليه بأمور: منها أن ينظر إلى ما أرسل من الحديث، فإن شاركه الحفاظ المأمونون فأسندوه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بمثل معنى ما روى، كانت هذه دلالة على صحة من قبل عنه وحفظه، فإن هذا دليل على أن حديثه صحيح، أو مرسله هذا صحيح إذا جاء من طريق أخرى مسند من طريق الحفاظ. قال: وإن انفرد بإرسال حديث لم يشاركه فيه من يسنده، قبل ما ينفرد به من ذلك، ويعتبر عليه بأن ينظر: هل يوافقه مرسل غيره ممن قبل العلم من غير رجاله الذين قبل عنهم، فإن كانوا على المشايخ يختلفون، إذا كان الشخص من نفس المشايخ أو غالبهم فأرسله، فقد يكون المرجع واحد. المرجع واحد، مثلاً عن الحسن وابن سيرين: غالباً أن الحسن روى عمن روى عنه ابن سيرين، لكن في بعضهم لم يدركهم الحسن وأدركهم ابن سيرين، مثل أبي هريرة، الصحيح أن الحسن لم يلتقِ به، ليس لم يدركه، لم يلتقِ به، لهذا كان الحسن يقول: حدثنا أبو هريرة ونحن بالبصرة، يقول: حدثنا أبو هريرة ونحن بالبصرة، الحسن في البصرة، لكن أبا هريرة كان في المدينة، أو العكس، لما جاء أبو هريرة إلى البصرة كان الحسن قد خرج من البصرة، قد خرج في سفر أو في غزوة أو في كذا، فلم يلقَ أبا هريرة، فلذلك يقول الشافعي رحمه الله: يكون الراوي الذي يأتي بهذا الحديث المرسل الآخر أولا يكون أنه ليس ممن مشايخهم سواء أو الغالب، لكن هنا عبر عليه، قال: مرسل غير من قبل العلم من غير رجاله الذين قبل عنهم، فإن وجد ذلك كانت دلالة تقوي له، تقوي مرسله، وهي أضعف من الأولى، إذا وجد تابعي آخر مثلاً مقحول، مقحول شامي والحسن بصري، وجاءوا بحديث واحد، فهذا الغالب يقول أنه يتقوى، بخلاف مثلاً أن يأتي بصري مع الحسن أو شامي مع مقحول، يكون غالب مشايخهم سواء، فقد يكون المصدر واحد، هذا المعنى. قال: وإن لم يوجد ذلك، نظر إلى بعض ما يروى عن بعض أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام قولا له، فإن وجد يوافق ما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كانت في هذا دلالة على أنه لم يأخذ مرسله إلا عن أصل يصحه إن شاء الله تعالى. وهنا يذكر الشافعي رحمه الله أنه قد يكون الشاهد حديثاً موقوفاً عن الصحابي، يكون حديثاً موقوفاً عن الصحابي يستشهد به مع المرسل. قال: وكذلك إن وجد عموم أهل العلم يفتون بمثل معنى ما روى عن النبي عليه الصلاة والسلام، على ما يتقوى به المرسل، أنه يفتي به أكثر أهل العلم، أو عليه الفتوى عند علماء أهل العلم، والفتوى، والحنفية أحياناً يستدلون بهذا على أصلهم أن المرسل صحيح، مثلاً حديث أبي العالية في الضحك في الصلاة، أو حديث أبي العالية الآخر في مسألة الوضوء بنبيذ التمر، فكلاهما مرسل، لكن جاءت فتوى كثير من الحنفية، وما قبل الحنفية كإبراهيم النخعي وغيره على ذلك، فهل معنى ذلك أنه صحيح؟ فهذا فيه نزاع، فكثير من أهل العلم لم يوافق الشافعي في هذا. ثم يعتبر عليه بأن يكون إذا سمى من روى عنه لم يسمِ مجهولاً ولا مرغوباً عن الرواية عنه، فيستدل بذلك على صحته فيما روى عنه، ويكون إذا شارك أحداً من الحفاظ في حديث لم يخالفه، فإن خالفه وجد حديثه أنقص، كانت في هذه دلائل على صحة مخرج حديثه. قال: ثم يعتبر عليه بأن يكون إذا سمى من روى عنه لم يسمِ مجهولاً، وإنما يسمي معلوم الحال، ولا مرغوباً عن الرواية عنه، وأن يسمي ثقة، فيستدل بذلك على صحة فيما روى عنه، ويكون إذا شارك أحداً من الحفاظ في حديث لم يخالفه، فإن خالفه - يعني في حديث آخر - يعني أنه في حديث لا يخالف الثقات، أو أكثر حديثه لا يخالف الثقات، فإن خالفه وجد حديثه أنقص، كانت في هذه دلائل على صحة مخرج حديثه، حتى إنه حتى لو انفرد بحديث متصل فإنه يقبل حديثه. قالوا: متى خالف ما وصفته أضر بحديثه، يعني يضر بحديثه كله فيصير ضعيفاً. قال: حتى لا يسع أحداً قبول مرسله إذا كان هو بهذه الصفة، أنه يحدث عن المجهولين ويحدث عن الضعفاء ثم يرسل، فمرسله لا يصح، لكن إن اعتاد على التحديث عن الثقات، كما قد جاء عن جماعة من السلف والعلماء، أنه إذا عرف أنه يتحرى في الرواية كسعيد بن المسيب والشعبي وابن سيرين، فهذا مرسله يكون أقوى، لكن هل هو حجة؟ فهذا محل خلاف. قال: وهل هو صحيح؟ الصحيح أنه ليس بصحيح عند أهل الحديث، لكن هل هو حجة عند أهل الأصول؟ فهذا الذي اختلف فيه كثيراً. وإذا وجدت الدلائل بصحة حديثه بما وصفت، وحببنا أن نقبل مرسله، ولا نستطيع أن نزعم أن الحجة تثبت بها ثبوتها بالمتصل، وذلك أن معنى المرسل المجهول يحتمل أن يكون حمل عن من يرغب عن الرواية عنه إذا سُمّي، يرغب عنه لمعنى لا يوافق عليه، أو أنه ضعيف. قالوا: إن بعض المرسلات وإن وافقه مرسل مثله، فقد يحتمل أن يكون مخارجهما واحداً، من حيث لو سُمّي لم يقبل، وأن قول بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا قال برأيه، لو وافقه لم يدل على صحة مخرج الحديث. وهذا أيضاً قيل على أنه إذا كان هذا رأي منه، وتبين أنه رأي، وليس أنه جاء به على أنه قد يكون حديثاً أو يفهم منه حديثاً، فهنا يكون هذا المرسل صحيحاً فيكون شاهداً. ويمكن أن يكون إنما غلط به حين سمع قول بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يوافقه، ويحتمل مثل هذا في من يوافقه الفقهاء. قال: فأما من بعد كبار التابعين، فلا أعلم منهم أحداً يقبل مرسله لأمور: أحدها أنهم أشد تجوزاً في من يرغبون عنه، والثاني أنهم توجد عليهم الدلائل فيما أرسلوا بضعف مخرجهم، ووجدت في التتبع أن أتباع التابعين غالباً مراسيلهم ضعيفة. قال: والآخر كثرت الإحالة في الأخبار، وإذا كثرت الإحالة كان أمكن للوهم وضعف من يقبل عنه. قال: وهو كلام حسن جداً، ومضمونه أن الحديث المرسل يكون صحيحاً ويقبل بشروط. سيُلخص كلام الشافعي رحمه الله، وكلام الشافعي قوي في هذا الباب، فهو لا يريد أنه يستشهد بكل موقوف، وإنما الموقوف الذي يفهم منه كأنه حديث مرفوع، وأما إذا علم أنه رأي لهذا الصحابي، فهذا لا يستدل به، بل قد يكون جاء الوهم من هذا، جاء الوهم أنه أسنده إلى النبي صلى الله عليه وسلم، إنما سمعه من أصحاب رسول الله فأسنده. حسناً إن شاء الله، كلام الشافعي قوي جداً.