تفسير العشر الآيات الأخيرة من آل عمران من تفسير السعدي 3

الدرس في تفسير العشر الآيات الأخيرة من آل عمران من تفسير السعدي 3، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

معنى الخزي في القرآن وآراء الخوارج

يشرح معنى الخزي في القرآن وآثاره على أهل النار، ويبين رأي الخوارج حول خروج أهل النار منها. يجمع أهل السنة الأدلة لتصحيح الفهم الخاطئ لآية ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته.

شفاعة المؤمنين وإخراج الموحدين من النار

يشرح الحديث الشفاعة العظيمة للنبي والمؤمنين في إخراج الموحدين من النار. يبين أن دخول النار للمسلم خزي وعار، لكنه ليس مؤبدا للموحدين بسبب شفاعة أرحم الراحمين.

تكفير الخوارج لأهل الإسلام وعواقبه

الخوارج كفروا أهل الإسلام واستحلوا دماءهم، وتحقيقا لنبوءة النبي يقتلون أهل الإسلام. هذا الفكر يؤدي إلى دخولهم النار ولا ناصر لهم يوم القيامة.

الدعاء بالنجاة من النار

يدعو الله بالنجاة من عذاب النار ويحمد الله رب العالمين. يعبر الدعاء عن الخوف من عذاب الله والتوسل إليه للحماية.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال العلامة سعد -رحمه الله تعالى- عند قول الله جل وعلا: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾، قال: «إلى حصوله على السخط من الله، من ملائكته وأوليائه، وقوع الفضيحة التي لا نجاة منها ولا مَنْ قد منها». فلما دعا أهل الصلاح أن الله عز وجل يقيهم عذاب النار، قالوا تقريرا لما دعوا: «ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته»، «أخزيته» وهي الفضيحة على رؤوس الأشهاد، على رؤوس الناس والمدلَّة. فقال: «ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته». ولهذا قال الله عز وجل أيضا عن إبراهيم: ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾، فالخزي هو المدلَّة على رؤوس الأشهاد. ولهذا تجد في القرآن مواقف كثيرة يخبر الله عز وجل عن أهل النار، وأنهم يستغيثون بأهل الجنة، وينادون أهل الجنة، وغيرها من هذه الأمور التي يعرف بها الشخص أنه من أهل النار، وأن الخزي والعار عليه، حتى إنه أيضا يفضح الرجل فيما بينه وبين من كان معه من أهل النار، كما جاء في حديث أسامة في «الصيحين»، قال: «يؤتى بالرجل من أهل النار، فتنتئب أمعاء بطنه وتدور حوله كما يدور الرحى، أو كما يدور الحمار حول الرحى، تخرج أمعاؤه فيدور حولها، فيجتمع إليه أهل النار، فيقولون: يا فلان، ألم تكن تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ فيقول: بل كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه». فهذا الخزي لمن هو من أهل الإسلام الذين يدخلون النار، فكيف بخزي من كان من الكفار؟ ولهذا هذه الآية لم يفهمها الخوارج، ظنوا أن كل من دخل النار أخزي، فلا يخرج بعد ذلك، فعمموا الحكم على أن الخزي مؤبد. ولهذا جاء في «صحيح مسلم» في حديث يزيد الفقير، قال: «شغفني رأي من رأي الخوارج»، يعني يزيد الفقير يقول: تشبثت برأي من آراء الخوارج، قال: «فخرجنا إلى الحج، قلنا: نحج ثم نميل على الناس»، يعني يقتلون الناس، يقتلون أهل الإسلام كما أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم-. قال: «فمررنا بالمدينة، فمررنا بمدينة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، قال: فإذا حلقة في المسجد كبيرة، وفيها جابر بن عبد الله يحدث بحديث الجهنميين»، حديث الجهنميين هؤلاء الذين يدخلون النار ثم يخرجون منها، قال: «فلما انتهى» -أي من حديث الجهنميين- «وانتهى من المجلس، فجئت إليه وقلت: يا صاحب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ما هذا الحديث الذي تحدثون به؟» انظر كيف ينكر عليه على جابر هذا الحديث، كيف أنتم تحدثون بهذا؟ «أحد يدخل النار ويخرج منها؟» قالوا: «ما هذا الحديث الذي تحدثونه؟ ألم يقل الله: ﴿إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾، ألم يقل الله عز وجل: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾؟» أنا استدل بالآيات، لكنه استدلال خاطئ، استدلال لم يجمع الأدلة. أما أهل السنة فيجمعون الأدلة. ولما كان جابر بن عبد الله صاحب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على يقين من عقيدته، فقال له: «أقرأت القرآن؟» قال: «لا، بلى». قال: «ألم تعرف المقام المحمود الذي أعطيه النبي -عليه الصلاة والسلام-؟» قال: «بلى». ثم ذكر له ما هو المقام المحمود، وذكر له حديث الشفاعة. فحديث الشفاعة أيضا فيه أن من المسلمين من يدخل النار، لكن لرحمة أهل الإيمان وأهل الجنة، فهم لا يتركون أحدا يعرفونه من أهل الإيمان، فإذا دخل الناس النار، دخل الجنة أهل الجنة، تساءل بعضهم بعضا: «فلان كان معنا يصلي، فلان كان معنا كذا»، فيأتون إلى الله عز وجل ويقولون: «يا رب، فلان كان يصلي معنا، فلان كذا نعرفه»، فيقول الله عز وجل لهم: «اذهبوا فأخرجوه من النار»، أنا يعطيهم الإذن، رب العزة جل وعلا، وهذا لطفه ورحمته سبحانه وتعالى في ذلك الموقف العظيم، يعطيهم الإذن أن يخرجوا كل من يعرفونه من كان يصلي معهم، فيخرجون من كان يعرفونه بالصلاة. قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «فيخرجون وقد امتحشوا، فأكلتهم النار إلا موضع السجود»، أنا كله، كلهم، معنا، جسمهم محترق محترق بالنار إلا موضع السجود فإنه لم يحرق. قال: «ثم يضعون في ماء يسمى ماء الحياة، فينبتون كما ينبت الحب في حميل السيل»، معنا ينبتون كأنهم معنا، يظهرهم الله عز وجل مظهرا آخر، يذهب ذلك السواد، يذهب ذلك الاحتراق. قال: «ثم يأتون إلى الله عز وجل ويقولون: يا رب، إن فلانا وفلانا نعرفه كذا»، فيشفعون عند الله، فيقول الله عز وجل لهم: «اذهبوا فأخرجوا كل من كان في قلبه مثقال دينار من إيمان»، فيخرجونهم، ثم يخرجون أيضا آخر، ما يقول الله عز وجل لهم: «اذهبوا فأخرجوا كل من كان في قلبه ذرة من إيمان»، فيخرجونهم. قال: «ثم يقول الله عز وجل بعد إخراج هؤلاء»، فيقول الله عز وجل ذلك اللطيف الرحيم سبحانه وتعالى بعباده الذين أسلموا وآمنوا، وهو أيضا رحيم بكل مخلوق، فيقول الله عز وجل: «شفعت الملائكة، وشفع النبيون، وشفع المؤمنون، وشفع الصالحون، فما بقيت إلا شفاعة أرحم الراحمين». قال: «فيأخذ الله عز وجل قبضة من النار، أو من الناس في النار، فيخرجوا أناسا لم يعملوا خيرا قط»، فيخرجوا أناسا لم يعملوا خيرا قط، لم يعرفوا بالخير، وإنما عرفوا في الناس بالشر. فهذه الحديث العظيمة لم يعرفها الخوارج، نظروا إلى نصوص الوعيد وتركوا نصوص الرجاء، فلهذا لم يفهموا كتاب الله جل وعلا، فظنوا أن قول الله جل وعلا: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾، أي أنه خزي مؤبد. وهذا لا بد من التفصيل، إن كان من الكفار فهو خزي مؤبد، وإن كان من أهل الإسلام وإن دخل النار فإنه إن كان من الموحدين فيخرجون منها، لكنه دخوله إلى النار خزي، دخوله إلى النار خزي وعار عليه، ويفضح ويفضح بين الرؤوس الأشهاد أنه من أهل النار والعياذ بالله. فلهذا أهل الإيمان هنا يدعون الله عز وجل أنهم لا يكونون من هؤلاء الذين يدخلون النار، سواء كان من الكفار أو من من أهل الإسلام من يدخله الله عز وجل النار، فقالوا: «ربنا إنك من تدخل النار فقد أخذيته»، قبل ذلك قالوا: «فقنا عذاب النار». لكن كما قلنا الخوارج لم يفهموا مثل هذه الآيات، فكفروا أهل الإسلام، بل كفروا أنفسهم، وكفروا ما بينهم وبين البي، حتى ذكر الإمام العلكائي -رحمه الله- قصة حصلت بين خارجيين في الحرب حرم مكة، فقال أحدهما للآخر: «ترى هذا الجمع ليس فيهم مسلم، ولا من يدخل الجنة إلا أنا وأنت، كلهم هؤلاء كفار»، هؤلاء الذين في الحرب، قال: «كلهم كفار، ما في أحد يدخل الجنة إلا أنا وأنت». فكأن ذاك تراجع، فقال: «هؤلاء كلهم في النار، وأنا وأنت في الجنة»، قال: «نعم». قال: «فإذا أترك لك الجنة، ادخل وحدك أنت في الجنة، وابقى في الجنة وحدك، وأنا سأذهب مع هؤلاء». فهذا من سخافة عقولهم وعدم فهمهم للأدلة، فكفروا أهل الإسلام، وكما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان»، يقولون: «نبدأ أولا بالمرتدين». وهذه الشبهة عندهم هي تحقيق لما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-. يقولون: «نبدأ أولا بالمرتدين»، ويريدون بالمرتدين هم أهل الإسلام، حتى قال بعض هؤلاء قادة القاعدة وغيرهم، لما قيل له: «هؤلاء اليهود عندكم، لماذا لا تحاربون اليهود؟» قال: «نحن لو دخلنا فلسطين أولا سنقتل حماس وغيرهم؛ لأنهم مرتدون»، أنا أول سنقتل هؤلاء أهل الإسلام، ثم بعد ذلك نذهب إلى اليهود. وهذا فضيحة، وأيضا كذلك تحقيق لما قال النبي -عليه الصلاة والسلام-. قال: «ثم قال الله عز وجل: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ أن ينقذونهم من عذابه». قالوا: «فيه دلالة على أنهم دخلوها بظلمهم، أنهم دخلوها بظلمهم»، ومعنى يريد عانوهم بهذا الظلم. وهؤلاء الذين دخلوا النار هم من أهل الظلم، وليس لهم أنصار، الذين كانوا يحثونهم على هذا الكفر يحثونهم على هذا الضلال، ما سينصرونهم الآن، هؤلاء الذين قد يكون يخدمونهم ويعينونهم، فهؤلاء ما يستطيعون ينصرونهم، ولا لهم صديق ولا حميم كما ذكر الله عز وجل. فلهذا فأعظم الخزي الذي يتحصله العبد أنه يدخل النار، ولا أحد ينقذه إلا رحمة الله عز وجل على الموحدين الذين يخرجون من النار. وأما الكفار فلا أحد يخرجهم أبدا، يتوسلون إلى الله عز وجل ويتوسلون إلى مالك خازن النار: «يا مالك، ليقضي علينا ربنا»، يتوسلون أيضا وينادون، يصرخون بكل صراخ، ما يجدون أحد يجيبهم، ولا أيضا يعطيهم شيء من الأمان، وهم يصرخون فيها: «ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل»، فيقول الله عز وجل: «أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر؟» معنا جعلنا لكم سنوات وأنتم في هذه الحياة، لماذا لم تراجعوا أنفسكم؟ لماذا لم تتذكروا؟ وقال الله عز وجل: ﴿وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾، جاءكم النذير، قيل: إن النذير هو القرآن، وقيل: إنه النبي -عليه الصلاة والسلام-، وقيل: إنه الموت، وقيل: الهرب، وقيل: ما يراه الناس من هذه الأمور كلها. عندك الكتاب والسنة، لماذا لم تتبع الكتاب والسنة؟ أيضا الله عز وجل جعل لك علامات في الناس: الهرب، الشيب، الموت، وغيرها من هذه النذارات التي جعلها الله عز وجل في الناس. ﴿وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾، ليس هناك أحد ينصر، ولا ينقذك، أي لا ينقذ مثل هؤلاء الذين دخلوا النار والعياذ بالله. فنسأل الله عز وجل أن يعيدنا من عذاب النار، وأن يقينا عذاب النار. والحمد لله رب العالمين.