تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 158

تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 158

الدرس في تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 158، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تفسير آية ازدياد الكفر وحكم توبة المرتد المتكرر

يفسر العلامة السعدي آية ازدياد الكفر بأنها تدل على بعد من تكرر كفره بعد إيمانه عن الهداية والمغفرة. ويناقش العلماء قبول توبة المرتد المتكرر مؤكدين قبولها ظاهرياً ما لم تكن نفاقاً، مع التنبيه إلى دور الوسواس في تكرار الكفر والإيمان.

شروط التوبة الصحيحة وخطر الإصرار على المعصية

تشترط التوبة الصحيحة العزم الصادق على عدم العودة للذنب وقطع أسبابه، أما التوبة اللفظية مع تعلق القلب بالمعصية فهي كاذبة لا تنفع. ويحذر المقطع من أن تكرار الذنب يضعف الإيمان ويبعد عن التوفيق، مشدداً على وجوب المبادرة بالتوبة الصادقة وتقوى الله.

الفرق بين التوبة الصحيحة والتوبة النصوح وحكم تكرار الذنب

تختلف التوبة الصحيحة عن التوبة النصوح بأن الأولى تشترط العزم على عدم العودة لا عدم الوقوع فعلياً، فمن غلبه الشيطان بعد توبة صحيحة تُقبل توبته إن جدد عزمه. ويستدل بالحديث القدسي على مغفرة الله للعبد كلما أذنب ثم تاب بإخلاص، وأن ضعف الإيمان سبب الاستمرار في المعصية.

تكرار المعاصي الصغرى والتوبة والمغفرة

يؤكد المؤلف أن المعاصي دون الكبائر إذا تكررت ثم تاب العبد منها غفر الله له مستنداً إلى الحديث القدسي المذكور. ويختم بأن هذا هو المقصود في تفسير الآية المتعلقة بزيادة الكفر والإيمان، والله أعلم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله: بعد تفسير قوله جل وعلا: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا ﴾، بعدما ذكر تلازم هذه الأشياء بعضها من بعض، ثم قال: قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَّمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا ﴾. قال: أي من تكرر منه الكفر، أي الكفر بعد الإيمان، فاهتدى ثم ضل، وأبصر ثم عمي، وآمن ثم كفر، واستمر على كفره وازداد منه، فإنه بعيد من التوفيق والهداية لأقوم الطريق، وبعيد من المغفرة لكونه أتى بأعظم مانع يمنعه من حصولها. وهذه من تردد في الكفر والإيمان، فمثل ما قال المؤلف رحمه الله: فإنه بعيد من التوفيق والهداية. وهذا قول أكثر المفسرين، فأكثر العلماء، جمهورهم، يقولون بهذا. وهناك من قال: إن من تردد في الكفر والإيمان فإنه لا تقبل توبته، فإذا آمن ثم كفر ثم آمن ثم كفر ثم آمن ثم كفر، قالوا: لا تقبل توبته بعد ذلك، حتى لو آمن. فهذا القول ليس صحيحًا، إن كانت توبته صحيحة وإسلامه صحيح، فهي عند الله عز وجل، إن شاء قبلها وإن شاء لم يقبلها. لكن في أحكام الدنيا لم يدل دليل على أنها لا تقبل، بل كل توبة هي مقبولة في الأصل، فإن الله عز وجل قد قبل التوبة من أعتى أهل الأرض، عرض التوبة على فرعون وعلى هامان، وعلى كذلك الذين حرقوا أهل الإيمان، وعرضها أيضًا على من قال بأنه ثالث ثلاثة، وغيرهم من كفار الأرض. وعرض الله عز وجل عليهم التوبة، فلم يأت دليل على أن التوبة تمنع من أحد إذا حصل منه الكفر والإيمان. إن كان ذلك نفاقًا فهو عند الله عز وجل، فهو أعلم بالضمائر. وإن كان ليس كذلك، وإنما يشكك في إسلامه هناك، أو ناس ما طبع على التشكيك على أنفسهم، فتجده يكفر في اليوم أكثر من مرة. وهذا أيضًا يدخل فيه الوسواس، أن بعض الناس حتى من الموسوسين تجد أنه من كثرة الضغوط على نفسه يقول: سأكفر أولًا ثم بعد ذلك سأتوب. وهذا حصل، ليس أنه غير واقع، بل هذا واقع. وقد سألني أحدهم كذلك، أنه من كثرة ضغط الشيطان عليه ووسوسته، وحتى في البديهيات، فهو من كثرة ذلك يكفر، يرتد، ثم بعد ارتداده يتوب ويرجع، ويحصل منه هذا دائمًا، حتى أحيانًا في اليوم الواحد يحصل منه أكثر من مرة. وهذا كله بسبب الوسواس. وهذا يدل على أنهم لازالوا في التوبة، فإذا تاب، فهذه التوبة في الظاهر مقبولة، لأن الذي يعلم بالسرائر هو الله، فقد تكون هذه التوبة خالصة لله عز وجل، لكن بسبب التشكيك الذي في قلبه يكفر ويرتد. وأما الذي يتوب نفاقًا، يظهر أنه تائب وهو ليس بتائب، فهذا يعلمه الله. ولكن هنا الآية فيها: ﴿ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا ﴾، ولم يؤمنوا بعد ذلك، ازدادوا كفرًا. معنى ذلك: أنهم آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرًا، في الثالثة لم يذكر أنهم آمنوا وتابوا، فقال: ﴿ لَّمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا ﴾، أي ما يوفقهم الله للهداية والتوبة. والله عز وجل أعلم بقلوب عباده، فقد يكون قلبه مائلًا إلى الكفر ويتظاهر بالإسلام، أو قد يكون أيضًا يسلم ويهتدي لكنه سرعان ما يكفر بسبب مخالطته لأهل السوء ولأهل الكفر والضلال. واسحب هذه المسألة على بعض المسلمين الذين يفعلون كبائر الذنوب، فإنه قد يتوب أكثر من مرة على ذنب من الذنوب، وقد يكون من الكبائر، في شرب الخمر أو في الزنا، أو كذلك في غير ذلك. كم من إنسان تجد أنه يزني ثم يتوب، ويفعل شيئًا من هذه الكبائر ويتوب، ثم يرجع إليها، بل قلبه عازم على الرجوع. مثل هؤلاء الذين ابتلوا بالعشق للنساء أو للمردان أو لغير ذلك، فهذا تجد أنه يريد أن يتوب لكن لا يستطيع أن يتوب، قلبه معلق بمعشوقه، قلبه معلق بمعشوقه، فيتوب ظاهرًا فقط، يغش نفسه وأنه سيتوب، لكن قلبه عازم على المعصية. وهذه توبة ليست صحيحة، هذه توبة ليست صحيحة. فمن شروط التوبة الصحيحة أنه يعزم على عدم العودة، لأن الله عز وجل قال: ﴿ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا ﴾. وأما كان إصراره لا زال، فهذه توبة كاذبة، هذه توبة كاذبة. ولو مثلًا تاب، يريد أن يتوب توبة صادقة ويعزم على عدم الرجوع، لكنه يرجع، فهذا في خلل في أسباب توبته. أن الإنسان إذا أراد أن يتوب يترك منابع الشر التي تدخله في هذا. مثلًا لو كان كما قلنا من أهل العشق وغيرهم، لابد أن يترك هذا المعشوق، لابد أن يترك هذا الذي يجعله يقع في الحرام. وإن كانت مثلًا امرأة، فيسعى أن يتزوجها إذا كان يريد أن يرد عن نفسه الحرام. وإن كان غير امرأة، فالواجب عليه أن يبتعد من ذلك المكان. بعض الناس يبتلى في أماكن، حتى أماكن الخير، في حلقات العلم، في دور الحديث أو كذا، فالواجب عليه أن يبتعد من هذا، يذهب إلى مكان آخر إذا حصل له شيء من هذا، حتى تكون توبته صحيحة. وأما بقاء واستمداد أسباب الشر إليه، فهذا قد يبعده عن التوبة، قد يبعده عن التوفيق للتوبة، لأنه كلما تاب رجع، كلما تاب رجع. وهذا خطر، كما قلنا. وتكرر الضلال يضعف الإيمان، ويضعف بعد ذلك الرجوع، ويضعف أيضًا التوبة. بل أن الله عز وجل لا يوفقه، لا يوفقه للهداية لأنه مصر على ما فعل، بل لا يوفقه أيضًا للتوبة، تكون توبته توبة كاذبة. فهذا، لهذا الواجب على المسلم أنه يجرد قلبه لله، لا يعرضه بمعارض، مهما كان هذا المعارض، على نفسه، فإنه يضع في نفسه أن الله عز وجل أعظم، وأن رضا الله سبحانه وتعالى أعظم من كل شيء. فإن استمتع بهذا الأمر، فإنما هي متعة ساعات أو دقائق، لكن وبالها عظيم، وعقوبتها عظيمة، وأيضًا أثرها على قلبه أعظم. أن هذا بعض الناس مثلًا يضع في نفسه أنه يقول: مهما فعلت سأتوب. يظن أن التوبة بيده، يظن أن التوبة بيده، وليس كذلك، التوبة بيد الله عز وجل، هو الذي يهديك إلى الطريق المستقيم. فقد يفجأك الموت وأنت لم تتب، وأنت لم تهتدي، وتموت وأنت مصر على هذه الكبيرة، والعياذ بالله. لهذا الواجب على العبد أن يتقي الله في كل وقته، ﴿ اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُ مَا كُنتَ وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا ﴾. قال رحمه الله: قال: فإنه بعيد من التوفيق والهداية لأقوم الطريق، وبعيد من المغفرة لكونه أتى بأعظم مانع يمنعه من حصولها. فإن كفره يكون عقوبة وطبعًا لا يزول، كما قال الله تعالى: ﴿ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ﴾، وقال: ﴿ وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾، أي بسبب طغيانهم يعاملهم الله عز وجل بذلك. قال: وتدل الآية على أنهم إن لم يزدادوا كفرًا، بل رجعوا إلى الإيمان وتركوا ما هم عليه من الكفرات، فإن الله يغفر لهم، ولو تكررت منهم الردة. هذا هو القول الصحيح كما قلنا. وإذا كان هذا الحكم في الكفر، فغيره من المعاصي التي دونه من باب أولى. وقد جاء في الصحيحين في حديث أبي هريرة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إن الله عز وجل قال: عبدي أذنب ذنبًا، فقال: اللهم اغفر لي ذنبي، فقال تبارك وتعالى: عبدي علم أن له ربًا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، قد غفرت لعبدي. ثم عاد فأذنب، فقال: رب اغفر لي ذنبي، فقال تبارك وتعالى: عبدي علم أن له ربًا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، قد غفرت لعبدي. ثم عاد فأذنب، فقال: رب اغفر لي ذنبي، فقال تبارك وتعالى: عبدي علم أن له ربًا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، قد غفرت لعبدي، فليعمل ما شاء»». أو كما قال في الحديث الصحيح. وهذا الحديث يدل على أن العبد مهما تكررت منه المعصية، فالله عز وجل رأى منه الإخلاص والتجرد والتوبة الصحيحة، فإنه يغفر الله له. لو قال قائل: كيف تكون توبة صحيحة وهو يعود إلى الذنب؟ كيف تكون توبة صحيحة وهو يعود إلى الذنب؟ هناك فرق، لعل بعضهم يسمع عن بعض السلف: التوبة النصوح هي عدم العودة إلى الذنب. التوبة النصوح هي عدم العودة إلى الذنب، أي يقلع إقلاعًا إلى أن يأتيه الموت. ففرق بين التوبة النصوح والتوبة الصحيحة. فقلنا: التوبة الصحيحة إذا تكاملت فيها الشروط، ومن هذه الشروط العزم على عدم العودة، العزم على عدم العودة. وليست من شروط التوبة عدم العودة، لأن هذه عدم العودة لا يملكها الإنسان، فقد يعود بسبب الأسباب التي هي كما قلنا مداخل الشر عليه، يعود إلى ذلك الذنب. كم من إنسان الآن يحلف على أنه لا يعود إلى ذنب، يقسم يمينًا، ثم يعود. بعض المعاصي التي تستولي على قلوب العباد، وخاصة مثلًا أمور الشهوات، تكون عظيمة، وأيضًا تتعلق بها القلوب، فلا ينفك منها إلا من تجرد قلبه لله. انظر هذه مثلًا، كثير من الشباب يفعل هذه العادة السرية وغير ذلك، تجد أنه لا يستطيع أن ينفك عنها، لأن قلبه ضعف وإيمانه ضعف. لكن لو تجرد لله، سيكره كل ما كان في قلبه من المعاصي وفي جوارحه، رضا لله جل وعلا. كل ما قوي إيمانه ترك مثل هذه الأشياء. فهذه الأشياء تضعف إيمان العبد. لكن كما قلنا: أن التوبة الصحيحة يعزم على عدم العودة، يعني لا تكون توبة صحيحة إلا إذا عزم على عدم العودة. أما إذا كان في قلبه أنه سيعود، فليست توبة صحيحة. لكن ليست من شروط التوبة أنه لا يعود، هناك فرق: أنه يعزم على عدم العودة، وفرق بين أيضًا أن لا يعود. فهو عازم أن لا يعود، لكن يغلبه الشيطان وتغلبه نفسه الأمارة بالسوء، فيقع في ذلك الذنب الذي تاب منه. وليس هذا مبررًا له، بل هذا عقوبة له لأنه لم يتم توبة خالصة، ولم يتم توبة نصوح. فالتوبة الخالصة التي يتجرد بها العبد إلى الله جل وعلا، ويرجع إلى الله رجوعًا صحيحًا، فلا يعود بعد ذلك إلى الذنب. قال: فغيرها من المعاصي التي دونها باب أولى، أن العبد لو تكررت منه ثم عاد إلى التوبة، عاد الله له المغفرة. والحديث الذي ذكرنا يدل على هذا. فهذا ما ذكره المؤلف رحمه الله في تفسير هذه الآية، والله تعالى أعلم.