كتاب التفسير من صحيح البخاري 261

كتاب التفسير من صحيح البخاري 261

الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 261، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تفسير أوائل سورة المدثر: العسير والقسورة

تعد سورة المدثر من أوائل السور النازلة وأول ما أمر فيه النبي صلى الله عليه وسلم بالإنذار، ويوم العسير شديد على الكافرين يسير على المؤمنين. القسورة تعني الصوت الشديد كزئير الأسد الذي تفر منه الحمير المستنفرة.

تشبيه المعرضين بالحمر المستنفرة وفرارهم من الذكر

شبهت الآيات المعرضين عن التذكرة بحمر وحشية تفر من زئير الأسد، وهذا الوصف ينطبق على الكفار والمنافقين الذين تنفر قلوبهم من ذكر الله. قد يصيب هذا الداء بعض المسلمين لغلبة حب الأغاني واللهو فينفرون من القرآن علامة على ران المعاصي.

أثر المعاصي في ران القلب وعلاجها بالقرآن

تغطي المعاصي القلب بالران والختم فتمنعه من معرفة الحق كما في حال المنافقين الذين لا يفقهون القرآن. العلاج يكون بتجديد القلب بذكر الله وقراءة القرآن وسماع العلم، وذم ابن القيم من لا يخشع للقرآن ويخشع للأغاني.

خشوع قلب المؤمن وطمأنينته بذكر الله

يخشع قلب المؤمن ويخاف عند سماع ذكر الله أو القرآن، ثم يطمئن ويثق بوعد الله فيشعر بالأمن واليقين. هذا التقلب بين الخوف والرجاء دليل حياة القلب وإيمانه.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه إلى يوم الدين. قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: سورة المدثر، بسم الله الرحمن الرحيم. قال ابن عباس: «عسير شديد». فبدأ بها، فهذه السورة لا خلاف بينها، ويعلم أنها مكية، وهي من أول السور التي نزلت من القرآن، حتى أن جابر بن عبد الله كان يقول: إنها أول سورة. ولكن الصحيح أنها أول سورة أُمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبلغ أو يدعو، وأول ما نُبئ به، كما قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: «نُبئ بالعلق، وأُرسِل بالمدثر»، نُبئ بـ «اقرأ»، وأُرسِل بالمدثر؛ لأن المدثر فيها الأمر بالدعوة إلى الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾، فلذلك فهي من أول السور التي نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقول هنا: «عسير شديد»، ﴿يَوْمَئِذٍ يَكُونُ الْعَسِيرُ﴾، قال: شديد. قال ابن عباس: شديد على الكافرين غير يسير. أي: ذلك اليوم العظيم وهو يوم القيامة، فيكون يشتد على هؤلاء الكفار، ويخف على أهل الإيمان. لهذا الله عز وجل يقول دائما في كثير من الآيات، مثل قول الله عز وجل: ﴿فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. أي: في ذلك اليوم الذي يكون فيه الفزع، وتكون فيه الأهوال العظيمة، فلذلك يكون شديدا على الكفار وعسيرا. وقوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَسْوَرَةُ﴾. قال: «القسورة: ركز الناس وأصواتهم، وكل شديد قسورة». أنا تعريف أو معنى قوله: «قسورة». وقال: «الركز: الناس وأصواتهم»، يعني: ما يصوتون به بصوت شديد. ولهذا سُمّي الأسد قسورة، كما جاء، كما ذكر المؤلف رحمه الله، وقال أبو هريرة: «القسورة: قسورة الأسد، وهو الزئير». فالمراد بالقسورة ليس الأسد وإنما هو الصوت القوي الشديد، ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ * فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾. حمر مستنفرة: أي فرت وتفر من جلل ذلك الصوت الشديد الذي سمعته. فلذلك سُمّي زئير الأسد قسورة، وسُمّي الأسد الذي يزأر قسورة. وقال عن أبي هريرة: «القسورة: قسورة الأسد، والركز: الصوت، ومستنفرة: أي نافرة مذعورة». وقد جاء عن أبي هريرة كما ذكر، وجاء أيضا عن أبي هريرة أنه قال: «القسورة: الأسد بالعربية، وبالفارسية الشير، وبالحبشية قسورة»، وأنه يسمى القسورة بالحبشية، والقسورة أصلها في لغة العرب: الصوت الشديد، الصوت الشديد. فلذلك فهذه الحمر تنفر، فقال الله عز وجل: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ * كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ * فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾. فهؤلاء يصف الله عز وجل هؤلاء الكفار وأهل النفاق أنهم يفرون من ذكر الله، وكأنهم حمر مستنفرة، ويبتعدون ويهربون، لا يريدون أن يسمعوا كلام الله جل وعلا حتى لا يتأثروا به. فلذلك فهم يعاملون كتاب الله عز وجل كمعاملة الحمر عندما تسمع ذلك الصوت الشديد، صوت الأسد، فتنفر وتذعر وتجري وتهرب من ذلك الصوت. وهكذا هذا المنافق أو الكافر لا يريد أن يسمع كلام الله، بل إذا سمع كلام الله جل وعلا تجد أنه يبتعد، ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾. فإذا ذكر من يحبونه من الآلهة وغيرهم، ومن يعظمونه، تجد أنهم يقتربون ويفرحون، وأما إذا ذكر الله وحده شمأزت قلوبهم، وابتعدت ونفرت عن ذكر الله جل وعلا. فهذا وصف للكفار وللمنافقين، وقد يوجد في بعض المسلمين أنه لا يحب أن يسمع ذكر الله عز وجل، لتغلغل مثلا أصل الأغاني في قلبه، أو أيضا محبته لبعض الأشياء التي تلهيه عن ذكر الله وعن القرآن، فتجده يحب ذكر الأغاني أو سماع الأغاني، وإذا سمع القرآن شمأز وقال: «أغلقوا هذا الصوت». هذا يوجد كثيرا، أن بعضهم يتضايق من القرآن، فإذا سمع قرآن تضايق، بل بعضهم يصرح يقول: «أغلق، نريد أغاني ونريد كذا». وهذا كله لما في قلبه مما وضع في قلبه من النفرة عن ذكر الله جل وعلا، ولأنه ختم على قلبه، أو أن الران استولى عليه، لأن بداية الختم هو الران، كما ذكر الله عز وجل: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. فالمعاصي تعمل غشا في القلب وهو الران، فإذا اكتمل هذا الران صار ختما وطبعا على القلب. فلذلك تجده لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا إلا ما أشرب من هواه، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام، لأن قلبه مغطى بهذا السواد، كما ذكر النبي عليه الصلاة والسلام في حديث حذيفة. فلذلك إذا غُطِّي القلب عمي، وأيضا صار يحب الباطل ويحب سماعه، ويهرب من الخير ولا يحب سماعه. وهذا كان حال المنافقين في عهد النبي عليه الصلاة والسلام، حتى أنهم إذا سمعوا كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفهموا، فيقولون: «ماذا قال آنفا؟» أولئك الذين طبع الله على قلوبهم. أن يسمعون كلام النبي صلى الله عليه وسلم لكن لا يفقهون، ولا يعون كلام النبي عليه الصلاة والسلام، لما وجد في قلوبهم من الطبع ومن أيضا كذلك الختم الذي ختم على قلوبهم. فلذلك المؤمن ينبغي عليه أن يجدد قلبه بذكر الله، بقراءة القرآن وبسماعه، وكذلك بسماع العلم، فهذا التجديد للقلب حياة للقلب وإنعاش للقلب، فينعش القلب كلام الله جل وعلا وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم. ومن لم تكفه موعظة الكتاب والسنة فلا وعظه الله، كما قال الإمام ابن القيم: «فمن لم تكفه موعظة الكتاب والسنة وأراد الأصوات، وأراد مثل ما يفعل الصوفية، تجد أنهم لا يخشعون عند كتاب الله، إذا تلي كتاب الله لا يخشعون، لكن إذا جاءت الأغاني وجاء سماعهم الذي يسمونه سماعا، تجد أنهم يخشعون، وكذلك أيضا يسقطون ويفعلون الفواعيل إذا سمعوا هذا الصوت، لكن إذا سمعوا القرآن لا يتأثرون أبدا، لا يتأثرون أبدا». وهذا يدل على فساد في قلوبهم. فلذلك فقلب المؤمن يكون يوجل من كتاب الله، ويزداد إيمانا إذا قرأ عليه كتاب الله جل وعلا: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، وكذلك قول عز وجل: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾. فلذلك فهكذا قلب المؤمن إذا سمع ذكر الله، إذا سمع القرآن، وجل قلبه وخاف قلبه، فإذا جاء الوعد أمن قلبه بذلك الوعد، وآمن وأيقن بوعد الله جل وعلا. طيب، هذا ما يذكر الله تعالى علم.