صلح الحديبية مسائل وأحكام 62

صلح الحديبية مسائل وأحكام 62

الدرس في صلح الحديبية مسائل وأحكام 62، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

نتائج صلح الحديبية: قصة أبي بصير وإلغاء شرط رد المستضعفين

بعد صلح الحديبية رد النبي ﷺ أبا بصير إلى قريش تنفيذاً للشرط، فكون جماعة اعترضوا تجارة قريش حتى أصابتهم مجاعة شديدة. اضطرت قريش لإلغاء شرط رد من يخرج مسلماً من مكة، ففرج الله عن المستضعفين وصاروا يخرجون إلى المدينة آمنين.

فتح مكة وتحولها إلى دار إسلام وعاقبة الصبر على اتباع الشرع

بعد نقض قريش للعهد وقتلهم خزاعة، فتح النبي ﷺ مكة فصارت دار إسلام وانقطعت الهجرة إليها. في ذلك دليل على أن اتباع شرع الله وإن ضيق على العبد فإن فرج الله ونصره يأتي بعد الشدة كما وعد الله.

فرج الله عن الأمة على يد الثابتين في المحن التاريخية

يسرد المقطع مواقف تاريخية انتصر فيها الحق بعد شدة، كثبات أبي بكر في حروب الردة، والإمام أحمد في محنة خلق القرآن، وابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب، والدولة السعودية الأولى. يؤكد أن الله يفرج عن أهل السنة والإسلام عند اشتداد المحن.

الختام بالدعاء والنفع بالكتاب

يختتم المتحدث بالدعاء لله أن ينفع بالكتاب أهل الإسلام وقراءه وسماعه. ويختتم بالحمد لله رب العالمين.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاهما. بعد: فأخذنا آخر جملة وقطعة في حديث صلح الحديبية، وذكرنا فيه الفوائد والمسائل الكثيرة، وختم هذا الحديث بما حصل لأهل الإسلام من الفرج العظيم بإتمام ذلك الصلح. لكن حصل بعده لما جاء أبو بصير إلى المدينة، وجاءوا في طلبه، وحصل ما حصل، ورده النبي عليه الصلاة والسلام إليهم. قد قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «سيجعل الله لكم فرجاً ومخرجاً»، وفعلاً أن أولئك الصحابة رضي الله عنهم جعل لهم الله فرجاً ومخرجاً. بل أنعم الله على كل الصحابة رضي الله عنهم الذين كانوا في مكة عند الكفار؛ فإنه قد وافق الكفار على إلغاء ذلك البند الذي كان اشترطوه: أن كل من خرج من الكفار من قريش أو من مكة مسلماً فإنه يرد إليهم، وكل من خرج من المسلمين إلى الكفار لا يرد إليهم. أما الشرط الثاني كما قلنا: فمن خرج من عند المسلمين إلى الكفار فهو لا يُبالى به ولا يُعْبَأ به؛ لأنه هو اختار الكفر، فلا حاجة للمسلمين به. لكن الشرط الذي جعل الصحابة رضي الله عنهم يتغيظون: أنه يخرج المستضعف من مكة يريد النجاة فيرجع إليهم. فهذا الشرط الذي اشترطوه، بعدما حصل من أن الصحابة رضي الله عنهم مع أبي بصير كونوا جماعة في سيف البحر يعترضون عير قريش وتجارتهم. فلهذا، كما قلنا، حصل عند قريش الجوع، جاعوا حتى أن أحدهم لا يرى الدخان في السماء من شدة الجوع. والإنسان الذي يجوع كثيراً يرى في الأرض ماءً يظن أنه ماء، وكذلك يرى في السماء دخاناً، عنه يتخيل الطعام. وهكذا حصل لقريش، كما جاء في الصحيحين، أو كما جاء في البخاري عن عبد الله بن مسعود: أن الله عز وجل عذب قريشاً بالجوع حتى أن أحدهم ليرى دخاناً في السماء، ليرى دخاناً في السماء من شدة الجوع. وفسر قوله جل وعلا: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾، ﴿أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ﴾، ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾. فهؤلاء لما جاءهم الدخان، أو لما جاءوا رأوا دخاناً، ذهب أبو سفيان إلى النبي عليه الصلاة والسلام حتى يتنازل عن هذا الشرط، ويمنع أبا بصير ومن كان معه مما يفعلونه من الاعتراض. لكن لم يُجِبْهُ إلى ذلك. لكن جاءوا وتنازلوا عن هذا الشرط، تنازلوا عن شرطهم. هذا معنى: هم الذين تنازلوا عن هذا الشرط. ففرج الله عز وجل عن المستضعفين جميعاً الذين كانوا في مكة، فكان أحدهم بعد ذلك يخرج من مكة ويذهب إلى المدينة وهو آمن، لا يستطيع أحد أن يعترض عليه. وهذا فيه فائدة عظيمة: وهي أن صلح الحديبية كان فرجاً على المسلمين جميعاً. معنى: ضيق عليهم في فترة من الفترات، ومنعوا من العمرة أن يعتمروا. لكن بعد ذلك فرج الله عز وجل عليهم، فجاء النبي عليه الصلاة والسلام في العام الثاني واعتمر مع أصحابه. جاءوا في العام الثاني في ذي القعدة واعتمروا، بمعنى: أحرموا من ذي الحليفة واعتمروا في السنة السابعة، وهي التي تسمى بعمرة القضية أو عمرة القضاء. فاعتمر النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه، ثم خرجوا، خرجوا من مكة على الوعد الذي حصل بينهم وبين أهل مكة. ثم بعد ذلك حصلت، كما قلنا، ما حصل من بني بكر وقريش: أنهم قتلوا خزاعة، قتلوا جماعة من أهل خزاعة، فاستنجدوا بالنبي عليه الصلاة والسلام، فحرك النبي عليه الصلاة والسلام الجنود إلى مكة وفتحها. فكان كما قال الله عز وجل في الحديبية: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا * وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾. وكان ذلك الصلح الذي رأى بعض الصحابة أنه تضييق عليهم، صار بعد ذلك فرجاً ومخرجاً ونصراً لأهل الإسلام. ففرج الله عز وجل عن أهل الإسلام جميعاً، فكانت الجزيرة كلها سادت للنبي عليه الصلاة والسلام، وصارت مكة دار إسلام، كما قلنا. وقد كانت دار حرب، فصارت دار إسلام، فلا هجرة، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية». عن لا هجرة من مكة إلى المدينة: انتهت الهجرة من مكة إلى المدينة لأن مكة صارت بلاد الإسلام. ففرج الله عز وجل عن أهل الإسلام بذلك. وهذه فيه فائدة عظيمة: أن اتباع الشرع، ولو ضيق على العبد وهو متبع لشرع الله ومنقاد لأوامر الله، حتى لو ضيق عليه الأمر، لو سُجِن، لو عُذِّب، لو فُعِل به، فإنه سيأتي فرجه ما دام أنه ينصر دين الله. لأن الله عز وجل قد وعد من نصر دينه أن ينصره: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾، أي: يثبتكم على هذا الدين، ويثبتكم على هذا الحق. لكن الواحد ينصر دين الله، وبماذا ينصر دين الله؟ باتباع الشرع، حتى لو، كما قلنا، ولو أدى ذلك إلى تضييق عليه. سَوَاء كان من أهله: حَيَاةً، الإنسان يضيق عليه من أهله: «أنت متشدد، أنت كذا، أنت كذا»، وكلما دخل وهم يئنون في أذنه ويسمعونه الكلمات التي لا يريد أن يسمعها. وهكذا يضيق عليه في الشارع، يضيق عليه في أرضه، في مجتمعه، وكأنه غريب، كأن الناس لا يعرفونه، وهو متبع للسنة وقائم بالسنة. فتجد أنه يفرج الله عز وجل عليه. انظر إلى ما حصل في فتنة الردة في عهد أبي بكر، والأمثلة كثيرة. لكن نأخذ بعض الأمثلة مما يدلك على أن كلما اشتدت الأزمة كلما جاء الفرج، كما قال الله عز وجل: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾. جاءهم نصرنا. متى يأتي النصر؟ يأتي بعد الضيق وبعد الشدة. ولهذا قال ربنا سبحانه وتعالى فيمن أصيبوا بالبلاء وأصيبوا بالضراء، لكن فرج الله عز وجل عليهم بالصبر: فرج الله عز وجل عليهم بالصبر. لهذا هؤلاء في أيام الردة، لما مات النبي عليه الصلاة والسلام، ارتدت العرب، أكثر العرب ارتدوا ورجعوا مثل ما كان. وبعضهم منع الزكاة، وبعضهم تبع بعض من ادعى النبوة: كبني حنيفة اتبعوا مسيلمة، وفي اليمن اتبعوا الأسود العنسي، وهكذا في حضرموت ارتدوا. فثبت أبو بكر وعزم على قتالهم. ما بقي أهل الإسلام إلا في المدينة، أو في مكة، أو في الحجاز فقط. حتى بعض قبائل الحجاز ارتدت. فعزم أبو بكر أن يقاتلهم، كل من ارتد عن الدين قاتله. وفعلاً فرج الله عز وجل عن أهل الإسلام بهذا، حتى قتل هؤلاء الذين ادعوا النبوة، ورجع من رجع، بل رجعوا أكثرهم إلى دين الإسلام. ففرج الله عز وجل عن الأمة بأبي بكر رضي الله تعالى عنه. وكذلك أيضاً محنة الإمام أحمد: طغى المأمون، ثم الواثق، ثم المعتصم. طغوا وجبروا الناس على القول بخلق القرآن. وكل من قال من العلماء: إن القرآن ليس بمخلوق، وأنه كلام الله، وضعوه في السجن وعذبوه وقتلوه. فثبت الإمام أحمد رحمة الله عليه، ثبت على القول. وجاءوا به في مجلس عظيم، مجلس فيه الناس ومعهم كتاباتهم، قالوا: «اليوم سيتكلم أحمد بن حنبل». جاء الناس بمذكراتهم: ما يقول أحمد؟ وكان هؤلاء بنو العباس في ذلك الوقت، وهو وقت الواثق، كان يظن أن أحمد من شدة العذاب سيقول بقولهم. فلما صعد قال: «القرآن كلام الله غير مخلوق، ومن قال إنه مخلوق فليأتني بالدليل». فصدموا هؤلاء. ففرج الله عز وجل بعد ذلك عن الأمة، حتى جاء المتوكل وأخرج أحمد من السجن، ونشر السنة في المجتمع، وباء ابن أبي دُؤَاد ومن كان معه بالفشل، وكذلك باء بالخيبة والندامة، وقتل كثير من الجهمية، وأخرجوا من مجالسهم. كل ذلك تفريجاً لأهل السنة ولأهل الإسلام. وهكذا في عهد شيخ الإسلام ابن تيمية، وعهد الشيخ محمد بن عبد الوهاب: فرج الله عز وجل عن الأمة بما كان عليهم مما سادهم من عبودية غير الله جل وعلا، من الأموات وغيرهم. ثم أن الله عز وجل جعل... جعل هناك من يأتي وأيضاً يخمد... أهل الإسلام وأهل السنة. وقتل كثير من أبناء الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وجاءت الدولة العثمانية التي كانت تؤيد أهل التصوف، فقتلوا كثيراً من علماء السنة في الحجاز. ثم فرج الله عز وجل عن أهل الإسلام، عن السنة، في عهد عبد العزيز بن تركي بن فيصل، الذي هو والد فهد وغيرهم. فنصر الله عز وجل به هذه السنة، وانتشرت في ربوع البلاد، وفي الجزيرة، وفي غيرها. وهذا كله نصر من الله سبحانه وتعالى، وفتح من الله، عندما تشتد الأمور وتضيق، فيأتي فرج الله سبحانه وتعالى. وبهذا إن شاء الله تعالى ننتهي من الكلام على فوائد ومسائل صلح الحديبية. فنسأل الله عز وجل أن ينفع بها أهل الإسلام، ينفع بها من قرأها، وكذلك من سمعها. والحمد لله رب العالمين.