شرح كتاب عقيدة الرازيين 18

شرح كتاب عقيدة الرازيين 18

الدرس في شرح كتاب عقيدة الرازيين 18، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

وجوب لزوم السنة والجماعة وطاعة أولي الأمر

يؤكد المحور على وجوب التمسك بالسنة والجماعة وطاعة الأمراء والعلماء مستدلاً بالكتاب والسنة، محذراً من الفرقة والشذوذ المفضيين إلى الضلال. يستعرض تاريخ الدولة السعودية الثلاث وما لقيه علماء السنة من اضطهاد، مبيناً أن الجماعة الحقيقية هي جماعة الحق ولو كان الفرد وحده لا مجرد الكثرة.

شروط الجهاد المشروع وولاة الأمر في الحج والزكاة

يبيّن المحور شروط الجهاد الصحيح من وجود إمام وراية وقدرة، ويسقط الوجوب مع العجز مع بقاء الاستحباب، ويوضح أن الحج والزكاة الظاهرة تؤدى لولاة الأمر. يختم بالانتقال إلى مسألة القطع بالإيمان والفرق بين إطلاق الوصف وأصل الإيمان.

تفصيل حكم قول أنا مؤمن حقاً والرد على المرجئة

يفصل المحور في حكم إطلاق وصف الإيمان الكامل، مبيناً أن الأصل معاملة من أظهر الإسلام معاملة المسلمين، ويرد على المرجئة والجهمية في جواز قول: أنا مؤمن عند الله. يوضح أن قول: أنا مؤمن بالله حقاً مصيب في أصل الأركان، بينما كمال الإيمان يُفوض علمه لله بقول: أنا مؤمن إن شاء الله، وأن الإقرار الصريح بالإيمان كافٍ لصحته.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، فأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فأخذنا في دروس الماضية ما ذكره المؤلف رحمه الله في مسألة الحج والجهاد مع الأئمة، وطاعة أئمة المسلمين، وعدم القتال في الفتنة. ثم قال رحمه الله -أي ابن أبي حاتم- عن أبيه: فعن أبي زرعة قال: "ونتبع السنة والجماعة، ونجتنب الشذوذ والخلاف والفرقة". هذه العبارة تبين أن الإنسان لا بد أن يكون على اتباع للسنة والجماعة، جماعة أهل السنة. وهذه الجماعة التي ذكرها النبي عليه الصلاة والسلام في النصوص، ومن ذلك قول النبي عليه الصلاة والسلام: «تلزم جماعة المسلمين وإمامهم». في حديث حذيفة الذي كان يسأل عن الشر، فذكر النبي صلى الله عليه وسلم شرورًا ستأتي، ثم قال حذيفة: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «تلزم جماعة المسلمين وإمامهم». قلت: فإن لم يكن لهم جماعة وإمام؟ قال: «فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك». فلهذا فاتباع السنة والجماعة واجب، ويكون المسلم مع جماعة المسلمين، لا يخرج على إمامهم، سواء كان إمام الدنيا أو إمام الدين، أن لا يخرج عن الأمراء ولا عن العلماء؛ لأن الله عز وجل يقول: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ﴾. وأولو الأمر: أولو أمر الدنيا هم الأمراء، وأولو أمر الدين هم العلماء. فلا يخرج عن طاعة الأمراء، ولا عن العلماء في الدين، إن لم يشب عنه ويترك طريقة العلماء؛ لأنه إذا ترك طريقة العلماء صار إلى طريقة أهل الضلال. ولهذا الخوارج لما تركوا الصحابة كانوا من أهل الضلال، والروافض لما تركت الصحابة كانوا من أهل الضلال، والجهمية لما تركوا أئمة التابعين كانوا من أهل الضلال، كذلك المعتزلة لما تركوا أئمة التابعين كالحسن وغيره صاروا من أهل الضلال. وهكذا فكل من ترك طريقة العلماء فإنه يعتبر شاذًا في دين الله. والشذوذ والخلاف والفرقة تكون في أمر الدنيا وأمر الآخرة، أن الفرقة والاختلاف يكون في أمر الدنيا بمفارقة الأمير والخليفة. والله عز وجل قد أمر بأن نعتصم به سبحانه وتعالى بحبله: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ﴾، وقال جل وعلا: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾. وبيّن الله عز وجل أن التفرق هو من شأن أهل الكفر، فقال جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾، وقال جل وعلا: ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾. فلهذا لا يجوز ترك الجماعة، وجناب جماعة المسلمين -أي جماعة الحق- ليس جماعة الباطل. قد يكون يأتي وقت يكون فيه السائد في الناس هو الباطل والبدعة والشرك، فما حصل في الأزمان التي مضت: طغت الشرك على الأرض، وطغت البدعة كذلك، حتى لا يعرف علماء ربانيون إلا قليل. أن الشيطان يجتهد في نشر الباطل. ولما استولت الدولة العثمانية على العرب نشروا الصوفية؛ لأنهم يحبون التصوف، ونشروا الصوفية انتشرت انتشارًا عظيمًا في عهدهم، وكانوا أيضًا يدعمون هذه الفرق، فرق التصوف، فلهذا انتشرت كثيرًا، وكانوا يضايقون أهل السنة، بل يقتلونهم. قتلوا كثيرًا من أئمة السنة في نجد، قتلوا سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، قتله من ما يسمى بإبراهيم باشا، وهم من الأتراك العثمانيين. حتى جاءوا إلى نجد وقاتلوا علماء نجد، حتى حاولوا أن يبيدوا هذه الدولة، وفعلا سنوات كثيرة، قرابة مئة سنة، وهذه الدولة مغيبة، الدولة السعودية، معنى انقطعت عن امتدادها من أيام الشيخ محمد بن عبد الوهاب والإمام محمد بن سعود، فانقطعت هذه الدولة، لكن لم تنقطع للصلاح، للصلاح بقوا وتوالدوا، وذهب كثير منهم إلى مصر. الشيخ عبد الرحمن بن حسن نُفي إلى مصر، كذلك أبناء عبد اللطيف وعبد الله، وكذلك محمد بن الحسن ومحمد بن الحسين، كلهم أبناء المشايخ، مشايخ الدعوة السلفية، أبناء الشيخ محمد بن عبد الوهاب أو أبناء أبناء، نُفوا إلى مصر، إلى مصر، لكن درسوا هناك في مصر وأتقنوا العلوم، ثم خرجوا إلى نجد بعد أن ضعفت الدولة العثمانية، لكن أيضًا بسبب المشاكل التي حصلت، وهذه صارت الدولة السعودية الثانية، لكن بسبب القبائل وشدتهم على الدعوة لم يستطيعوا أن يستمروا. ثم أن الله عز وجل بعد ذلك هيأ الإمام عبد العزيز بن تركي، عبد العزيز بن تركي بن فيصل آل سعود، والد هؤلاء الخلفاء، والد فهد وعبد الله وسلمان وغيرهم ممن تأمر في الدولة السعودية، فأحيى الله عز وجل به -أي بالإمام عبد العزيز بن فيصل أو بن تركي- الدولة السعودية الثالثة، فهذه تعتبر الدولة السعودية الثالثة. فانتشر بعد ذلك الخير، وانتشرت السنة، وكان الإمام عبد العزيز يرسل العلماء، يرسل أهل العلم إلى المناطق ليعلموا الناس، ويرسل كذلك الكتب والمصاحف، واهتم بأمر الدعوة اهتمامًا عظيمًا، وكذلك أبناؤه من بعده، فانتشرت السنة في كل مكان، انتشرت السنة في كل مكان. وإلا كما قلنا قد كان الناس على البدعة وعلى التفرق، فالجماعة ليست جماعة الناس، وإنما الجماعة جماعة الحق، كما قال عبد الله بن مسعود: «من كان على الحق فهو الجماعة وإن كان وحده». وما ذكر ذلك عنه عمر بن ميمون: «الجماعة ما كنت على الحق ولو كنت وحدك». وليس معنى ذلك أن الإنسان يشذ عن العلماء، علماء السنة، ويقول: أنا على الجماعة ولو وحدي. غالبًا هؤلاء يشذون عن السنة، يفهمون السنة بالمعكوس، ويفهمون السنة أنها بعد عن الناس وانتقاد الناس، وانتقادهم في كل شيء، ولا بد أن ينتقد حتى العلماء، وكل عالم له خطأ أورده على الناس ونشره بين الناس، فهذا ليس من السنة أبدًا. فما من أحد إلا وله أخطاء، لكن يعرف من هو الذي يكون متبعًا للسنة، ومن هو مخالف لأصول السنة. فلهذا فإن الجماعة قد حث عليها النبي عليه الصلاة والسلام: «عليكم بالجماعة، ومن شذ شذ في النار، ومن شذ شذ في النار». قالوا: أن الجهاد ماضٍ منذ بعث الله عز وجل نبيه عليه الصلاة والسلام إلى قيام الساعة مع أولي الأمر من أئمة المسلمين، لا يبطله شيء، ولا يبطله شيء إذا تحققت أمور المسلمين في الجهاد. أما إذا كانوا ليس عندهم القوة على مقاتلة العدو فإنه لا يجب عليهم، إذا لم تكن عندهم القوة على مقاتلة العدو لا يجب عليهم القتال، وقد يستحب. وأما الدفاع، أما الدفاع عن الحرمات وعن أهل الإسلام فهذا واجب أيضًا عند القدرة، واجب عند القدرة أو بحسب القدرة، أن يدفعون هذا الصائل وهذا العدو بحسب قدرتهم. وأما إذا توفرت الشروط، شروط الجهاد، من وجود الإمام والراية المعروفة، أن ما تكون راية غير معروفة، ما تدري مع من تقاتل، مثلعان الفرق، فرق الجهاد وغيرها من هذه الفرق، تجد أنهم يقاتلون ولا يعرفون أميرهم، قد يكون يعرفون الأمير الأول، لكن الأمراء الذين بعده ما يعرفونه، فيمشون على عمى ويقاتلون على عمى. والنبي عليه الصلاة والسلام قد قال كما في صحيح مسلم: «من قاتل تحت راية عمية فمات مات ميتة جاهلية». راية عمية: أي لا تعرف، لا يدري من أميره، أو أنه لا يقاتل مع ولي الأمر، وإنما يقاتل مع أناس يفرقون أهل الإسلام، فهذا أيضًا ليس جهادًا صحيحًا. وإنما الجهاد الصحيح أن يكون مع ولي الأمر أو بإذنه، وأيضًا يكون له القوة في دفع العدو، وفي أيضًا مقارعة. ولهذا لما خفف الله عز وجل عن المسلمين في مقاتلة الأعداء، فكان الرجل من المسلمين بعشرة من الكفار، كان الرجل من المسلمين بعشرة، ثم خفف الله عنهم ذلك، وجعل الرجل برجلين، جعل الرجل منهم برجلين. فلهذا إذا كان العدو أضعاف أهل الإسلام فإنه يسقط الوجوب، يسقط وجوب مقاتلته، ويبقى الاستحباب، إن استطاعوا، إن كان لا يبيدون أنفسهم. فإن لم تكن معهم قوة يردعون هذا العدو، بل عندهم ضعف شديد، فالأفضل أن لا يقاتل حتى لا يذهب أهل الإسلام. لكن إن كان عندهم عزيمة وعندهم قوة يدافعون فلا بأس بذلك. قد كان الصحابة رضي الله عنهم يدخلون الحروب وهم قلة، في غزوة مؤتة كان المسلمون ثلاثة آلاف، وكان الروم مائتي ألف، الفرق بعيد جدًا، لكن هزموهم. فبعض الناس يظن، يعني لما يسمع بعض العلماء يقول أنه لا يجب عليهم الجهاد إذا كانوا أقل من العدو عددًا وسلاحًا، يقول هذا باطل. أنا سمعت بعض هؤلاء الذين ينتمون إلى القاعدة أو الذين يدعون إلى أمره، وهو جهل منهم، مع أن هذا قد حصل الاتفاق بين أهل العلم. فيأتي ويستدل فيقول: الصحابة كانوا يقاتلون العدو وهم قلة، ويأتي هذا ويقول: لا يجب. وهذا فهم خاطئ، هذا فهم خاطئ. فالذي أجمع عليه العلماء هو أنه يسقط الوجوب، الوجوب يسقط، وأما الاستحباب فباقٍ. ممكن أن أهل الإسلام يقاتلون ولو كانوا قلة، إذا كانوا يرون أنهم سيدفعون هذا العدو أو سيهزمون هذا العدو، سواء كان قتال دفع أو قتال هجوم، كله إذا كانوا يستطيعون ولو كانوا قليلا، فلا بأس أن يفدوا أنفسهم في سبيل الله جل وعلا. لكن إذا كانت الكفة ضعيفة جدًا ولا يستطيعون أن يقفوا، فلا يجوز لهم الهجوم أولًا، وأما المدافعة فبحسبها. قال: والحج كذلك أيضًا، الحج ماضٍ إلى يوم القيامة مع أئمة المسلمين. فكما تقدم قبل أن الجهاد يملكه الأمراء، والحج كذلك يملكه الأمراء، إما أن يكون تحت أمرتهم أو بإذنهم، أن يؤمرون أحدًا أو يأذنون لأحد أن يأم الناس في الجهاد، أو كذلك يأمهم في الحج، يأمهم في الحج، يكون هذا من ولي الأمر، أن هو الذي يضع إنسانًا يحج بالناس. ومعنى يحج بالناس أن يخطب فيهم ويصلي بهم، مثل ما يفعل الآن في المملكة حرسها الله، أنهم يجعلون إمامًا للحج يصلي بالناس ويخطبهم يوم عرفة. والظاهر هذه السنة هو الشيخ الحذيفي، علي بن عبد الرحمن الحذيفي. وهذا سنة من زمن النبي عليه الصلاة والسلام إلى يومنا هذا، أنه سنة عن رسول الله صلى الله عليه وعليه وسلم، لما فرض الجهاد في السنة التاسعة، ولم يرد النبي صلى الله عليه وعليه وسلم الحج لأسباب، فأمر على الناس الصديق، أبو بكر الصديق، هو الذي حج بالناس في السنة التاسعة. قال: ودفع الصدقات من السوايم إلى أولي الأمر من أئمة المسلمين. أيضًا كذلك الزكاة في الأموال الظاهرة، أنا يقول العلماء: في الأموال الظاهرة تدفع لإمام المسلمين، وهذا إن طلبها، وإن لم يطلبها فهي تجب على الإنسان في ماله. لكن إذا طلبها أمير المؤمنين، طلب الزكاة، خاصة كما قلنا في الأموال الظاهرة، أيش الأموال الظاهرة؟ الأموال الظاهرة مثل زكاة الحيوانات، أي المواشي، وزكاة الخضروات والحبوب، وزكاة كذلك أيضًا عروض التجارة، فهذه تكون من الأموال الظاهرة. أما زكاة الذهب والفضة فيكون منها ما هو من الأموال الظاهرة، ومنها ما يكون من الأموال الخفية التي تكون مع الناس، مع الإنسان، مثلا يضع ماله في بيته من الدنانير والدراهم، أي من الذهب والفضة. فلهذا فيخرجها إذا كانت ظاهرة، يخرجها ويعطيها الإمام، فإن أذن الإمام أن الإنسان يخرج زكاة بنفسه فبها، وإن طلبها فإنها تعطى، وتسقط عن من يعطيها، تسقط عنه الزكاة. فقال: ودفع الصدقات من السوايم، السوايم جمع سائمة، والسائمة هي التي تسوم، أنا أنا ترعى في الكلأ والعشب، فهذه سائمة. قال: وقال: والناس مؤمنون في أحكامهم ومواريثهم، ولا يدرى ما هم عند الله عز وجل. فمن قال إنه مؤمن حقًا فهو مبتدع، ومن قال مؤمن عند الله فهو من الكاذبين، ومن قال هو مؤمن بالله حقًا فهو مصيب. فهنا المراد بكلام المؤلف في مسألة القطع بالإيمان، هل يقطع على المرء أن يقطع على نفسه أنه مؤمن؟ فهذه المسألة فيها اختلاف بين العلماء، وكذلك هنا قصد الأحكام على الناس. قال: والناس مؤمنون في أحكامهم ومواريثهم. أن الأصل هذا معنى: لا يكفر إنسان مؤمن يعلم أنه من أهل الإسلام، فلا يجوز تكفيره، ويعامل معاملة أهل الإسلام، ويعامل معاملة أهل الإسلام إلا إذا ارتد عن الإسلام وظهر كفره، فهذا شيء آخر. وأما ما دام أنه لم يظهر كفره، ولو كان منافقًا في الباطن، فإنه يعامل معاملة المسلمين، وهذا باتفاق العلماء. وقد قال الله عز وجل: ﴿فَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾، ولم يأمره بقتلهم. ولهذا كان يقول عليه الصلاة والسلام، لما قال عمر: أراد أن يقتل ابن أبي سلول، عبد الله بن أبي سلول، قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «لا، لا، حتى لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه». فلهذا من انتسب إلى الإسلام وشهد أن لا إله إلا الله، أو ولد على الإسلام، فهذا يعامل معاملة المسلمين، يعامل معاملة المسلمين، إلا أن يتبين كفره، إلا أن يتبين كفره، سواء كان في الأحكام أو في الموارد. يعني لا يجوز مثلا أن يقال: مثلا فلان فاسق، أو فلان منافق، ما نعطيه شيء من العرض، لماذا؟ قال: لأنه مثلا يضحك على الملتزمين ويستهزئ بالملتزمين أو كذا. فهذه الأحكام قد تكون صعبة، أن الإنسان يحكم على إنسان أنه كافر أو أنه منافق. فالأصل أنه يعامل معاملة أهل الإسلام. قال: ولا يدرى ما هم عند الله عز وجل، لا يدرى ما هم، هل هم مؤمنون أو ليس بمؤمنين، لكن نحن نعاملهم معاملة أهل الإسلام. قال: فمن قال إنه مؤمن حقًا فهو مبتدع. أنا الذي يقول: أنا مؤمن حقًا، فهذا يقول: مبتدع. معنى أن الإيمان عندي إيمان كامل، مثل المرجئة يقولون: الإيمان سواء، إيمان أفسق الناس وإيمان جبريل كله واحد، إيمان النبي صلى الله عليه وسلم واحد، الناس كلهم سواسية في الإيمان. فلهذا يقول المرجئة: أنه يجوز أن يقول للعبد: أنا مؤمن حقًا، بل يقولون: أنا مؤمن عند الله، يقول: أنا مؤمن عند الله. وهذا جزم خاطئ، جزم خاطئ. بل هم يحرمون قول: قول العبد: إن شاء الله، يقولون: لا يجوز أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله، قالوا: لأن هذا التشكيك في إيمانه. وهذا قول باطل، لأن "إن شاء الله" هذه ليست تشكيكًا، وإنما يرجى الأمر إلى الله، فهو أعلم بالشاكرين سبحانه وتعالى، فهو أعلم بالمؤمن: ﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلِيَعْلَمَ الْمُنَافِقِينَ﴾، ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلِيَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾، فعلمه عند الله، العلم عند الله. فلهذا نقول: إن شاء الله، أنا مؤمن إن شاء الله. وعما هؤلاء المرجئة قالوا: لا يجوز، ولهذا يسمون الجهمية، يسمون أهل السنة شكاكة، وكذلك الأشاعرة يسمون أهل السنة شكاكة، لأنهم يستثنون في الإيمان. وأيضًا كذلك الأشاعرة يقولون: أن الإيمان هو التصديق، فإذا وجد التصديق فهو مؤمن كامل الإيمان، إيمانه مثل النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا قول باطل، قد أنكره السلف. وأما قول المؤلف رحمه الله: إنه مؤمن حقًا فهو مبتدع، ومن قال مؤمن عند الله فهو من الكاذبين، ومن قال هو مؤمن بالله حقًا فهو مصيب. هل هناك تناقض؟ لا، ليس هناك تناقض. الأول: إنكار من يقول: أنا مؤمن حقًا، أنا مؤمنًا حقًا، معناه إيماني إيمان كامل، حقيقة الإيمان، يجزم بأنه مؤمن كامل الإيمان، وهذا مخالف للنصوص. الله عز وجل يقول: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾، وقال الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾، أي هؤلاء المؤمنون حقًا، وهم كامل الإيمان. أما إنسان عنده معاصٍ وعنده فسوق فيقول: أنا مؤمن حقًا، فهذا خطأ. وأيضًا لا يجوز للشخص أن يزكي نفسه فيقول: أنا مؤمن حقًا. وأما قولهم: أنا مؤمن عند الله، فهو أيضًا باطل وكذب. وأما قولهم: مؤمن بالله حقًا فهو مصيب، لماذا؟ لأنه لا يجوز أن يشكك نفسه في الإيمان بالله، معناه المقصود هنا أصل الإيمان، وهو الإيمان بالأركان الستة: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله. ولهذا لما سأل الرجل ابن عيينة: أقول مؤمن؟ قال: إن كان الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله فقل: أنا مؤمن، وإن كان الآخر فقل: أنا مؤمن إن شاء الله. وهذا هو قول أهل السنة. أصل الإيمان لا بد للإنسان أن يجزم به، أصل الإيمان لا بد للإنسان أن يجزم به. معناه ما يقول: أنا مؤمن إن شاء الله، معناه: أنا مؤمن بالله إن شاء الله، معناه هذا خطأ، لأن الواجب للإنسان أن يؤمن بالله، هذا إيمان واجب بأصل الإيمان. لكن الإيمان الكامل، فهذا لا يحتاج إلى رده إلى الله، فنقول: أنا مؤمن إن شاء الله، أي لست مؤمنًا كامل الإيمان، وإنما هذا يرجع إلى الله، يرجع إلى الله جل وعلا، فهو أعلم بي، فهو أعلم بي. لكن يقول: إن شاء الله، إن شاء الله أني مؤمن كامل الإيمان. فخلاصة ما ذكرناه في مسألة الإيمان: فنقول إذا كان المراد بالإيمان الكامل، فلا يجوز للمؤمن، للمسلم، أن يقول: أنا مؤمن حقًا، لأنه لا يدري هل هو من أهل الإيمان الذين أرادهم الله عز وجل، أو أراد منهم الإيمان وهو الكامل، الذين ذكرهم الله عز وجل أنهم هم المؤمنون حقًا، وهذا لا يقول: أنا مؤمن، يقطع بذلك، لا يقول: أنا مؤمن إن شاء الله. وأما إن كان الإيمان بالله وبملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر، فيقول: أنا مؤمن بالله عز وجل، هيقول: ما أدري هل أنا مؤمن أو لا، لا، هذا ما يجوز، إذا كان في أركان الإيمان، لأن هذه يجب أن يؤمن بها العبد، أن يؤمن بها العبد. فإذا قال: قال: أنا مؤمن بالله، هنا، وأهل، لم يستثنِ، فهو صحيح، لا يشكك في إيمانه بالله عز وجل.