كتاب الصلاة 113

كتاب الصلاة 113

الدرس في كتاب الصلاة 113، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

أحكام صلاة المأموم في بيته مع انقطاع الصفوف

اتفق العلماء على صحة صلاة المأموم إذا كانت الصفوف متصلة بينه وبين الإمام، بينما اختلفوا في حال انقطاع الصفوف فلم ير المأموم الإمام ولا المأمومين. فذهب الجمهور إلى اشتراط الرؤية لصحة الصلاة، بينما أجاز المالكية والشافعية وأحمد في رواية الصحة بمجرد التكبير مع انقطاع الصفوف لعذر.

حكم اقتداء المفترض بالمتنفل والمتنفل بالمفترض

أجمع العلماء على جواز اقتداء المتنفل بالمفترض مستدلين بأحاديث أبي ذر ومعاذ بن جبل. أما اقتداء المفترض بالمتنفل فقد منع منه المالكية والحنفية والحنابلة في المشهور، وأجازه الشافعية وجماعة من المحققين كابن تيمية وابن عثيمين.

جواز إمامة المتنفل للمفترض والصلاة في شوارع الحرم

استدل القائلون بجواز إمامة المتنفل للمفترض بأحاديث معاذ بن جبل وأبي سعيد الخدري، وهو مذهب الشافعية ورواية عن أحمد. ثم بين الحكم في الصلاة في شوارع المسجد الحرام بأنها تصح مع الكراهة مع اتصال الصفوف، وتصح مع الإثم مع قطعها، وتبطل صلاة المنفرد خلف الصفوف.

حكم قطع الصفوف في الصلاة وختام الدرس

إذا قطع المصلون الصفوف أثناء الصلاة فإنهم آثمون لقطعهم الصف، لكن صلاتهم تبقى صحيحة ولا تبطل بذلك. واختتم المتحدث الدرس بالشكر والدعاء للحاضرين.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. فذكرنا مسألة صلاة المأموم في بيته والإمام في المسجد، وهو غالب صلاة الإمام فيه. فقلنا: إذا كان... فإننا نجمل هذه المسائل: إذا كانت الصفوف متصلة فهذا لا شيء فيها بالاتفاق، كما ذكر شيخ الإسلام. لكن إذا كانت الصفوف منقطعة، ومن كان في البيت لا يرى الإمام، أي: هذا المأموم لا يرى الإمام ولا يرى المأمومين، فإنه كما قلنا عند جماعة من أهل العلم -كالشافعي رحمه الله، وأحمد، ومالك- على أن صلاته تصح. ومالك معناه: يأخذ بالتكبير بالصوت، وأحمد والشافعي على الرؤية. وأيضًا مذهب الشافعي على أنه حتى لو رأى بعضه، أو بعض المأمومين، أو حتى يرى بعضه في بعض الصلاة. واستدلوا بما حصل في حديث جابر وغيره: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى بعض الناس النبي عليه الصلاة والسلام يصلي في بيته صلاة الليل فاقتدوا به، أي: كان في رمضان فصلوا خلفه، وكان الجدار قصيرًا فكانوا يرونه عند القيام. فهذا الحديث لا يدل على أنه إذا لم يروه تبطل صلاته. لهذا قلنا: إذا كانت الصفوف متصلة، أو كانوا في مسجد واحد، فهنا لا تشترط الرؤية على الصحيح، وهو قول مالك، ورواية عن أحمد اختارها بعض أصحابه. لكن المشهور خلاف هذا في مذهب أحمد، وأيضًا اختارها شيخ الإسلام، والشيخ السعدي، وغيره، على أن التكبير يكفي. وأما إذا كان صلى في بيته والصفوف متقطعة، أو بعيد، وليس هناك عذر له في الصلاة في بيته، فهذا لا تجوز هذه الصلاة، وأكثر العلماء على أنها صلاة غير صحيحة. لكن كما قلنا: إذا كان العذر والصفوف متصلة، ثم جاء طريق فصل بين الناس خلف الطريق، ولو في البيوت، فإن كانوا يرون الإمام أو يرون المأمومين فهذا عند أكثر أهل العلم يجوز. وإن كانوا لا يرونه فعند مالك وجماعته: أنها تصح، وهذا الصلاة، والظاهر هذا لعدم الدليل على البطلان. ثم قال رحمه الله: قالوا: اقتداء المتنفل بالمفترض صحيح بالاتفاق. اقتداء المتنفل بالمفترض، على متنفل يقتدي بمفترض، مثال: إنسان يصلي تحية المسجد، أو يصلي قضاء بعض السنن، أو غير ذلك من هذه الأشياء، أو أنه قد صلى الفرض ثم يصلي متنفلًا، فهذا صحيح بالاتفاق؛ لأنه قد جاءت الأحاديث بهذا. ومن تلك الأحاديث ما جاء في الصحيحين: حديث أبي ذر، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال له: «يا أبا ذر، إذا كنت في قوم يؤخرون الصلاة فماذا ستفعل؟» فقال: الله أعلم ورسوله. فقال: «صل الصلاة لوقتها، ثم صل الصلاة معهم، فإنها لك نافلة». قال: أول: صل الصلاة لوقتها، ثم صل معهم فهي لك نافلة. وجاء كذلك عند أحمد في السنن: أن النبي عليه الصلاة والسلام رأى رجلين لم يصليا، فأرسل إليهما فجيئا، وقد كان يرتعد فرائصهما، فقال: «ما يدريكما؟» قالا: لستما برجلين مسلمين؟ قالا: بلى يا رسول الله. قال: «فما منعكما أن تصليا معنا؟» فقالا: قد صلينا في رحالنا يا رسول الله. فقال عليه الصلاة والسلام: «إذا صليتم في رحالكم ثم أتيتم مسجد جماعة فصلوا معهم، فهي لكم نافلة». وأحاديث في هذا الباب كثيرة في اقتداء المتنفل بالمفترض. قال: وأما المفترض بالمتنفل، فقال الثلاثة: لا يجوز، وقال الشافعي: يجوز. والذي ذكره في الإنصاف عن أحمد، عن المرداوي، ذكر في الإنصاف أن أحمد يقول: إن صلاته صحيحة، وهو الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، وجماعة من الحنابلة، كذلك الشيخ السعدي، والشيخ العثيمين، وغيرهم من علماء الأمة، على أن المفترض يجوز أن يقتدي بالمتنفل. ودليله حديث معاذ، أن هذا من أعظم الأدلة التي يستدل بها. وحديث معاذ جاء من حديث جابر ومن حديث غيره: أنه كان يصلي مع النبي عليه الصلاة والسلام ثم يصلي بقومه، فقال بعضهم: لعل صلاته مع النبي صلى الله عليه وسلم يجعلها نافلة، وصلاته بقومه يجعلها فرضًا. وهذا ليس بصحيح: كيف يصلي الصلاة الأولى ويجعلها نفلًا؟ الأحاديث التي جاءت عن النبي عليه الصلاة والسلام: أن الأولى تكون فرضًا، والنفل يكون بعدها في الثانية. لهذا في الأحاديث التي ذكرناها: الفرض أولًا، ثم بعد ذلك النفل. لهذا فصلاة معاذ الأصل أنها فرضًا، يصليها مع رسول الله ثم يصلي بقومه؛ لأنه أقرؤهم، وهو إمامهم أن يصلي بقومه بني سلمة، فيصلي بهم إمامًا وهو متنفل وهم مفترضون. أيضًا النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في حديث أبي سعيد: أن رجلا دخل المسجد وقد صلى الناس الفجر، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «من يصلي مع هذا؟» أو «من يتصدق على هذا فيصلي معه؟» جاء هكذا في اللفظ: «من يتصدق على هذا فيصلي معه». ولم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم هل يكون إمامًا أو مأمومًا، وإنما قال: «يصلي معه»، والإمام يكون على ما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام: «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله». فلهذا دلت الأحاديث على جواز أن يصلي المتنفل بالمفترض. ولهذا لا بأس مثلاً: الإنسان يصلي مع الناس ثم يرجع إلى بيته فيصلي بأهله إذا كان يحتاج إلى هذا، أو يصلي بمسجد آخر هو إمام فيه، مثل ما كان يفعل معاذ رضي الله عنه. فلهذا فهذه الأدلة كما قلنا تدل على جواز هذا، وهو كما ذكر هنا: المذهب الشافعي، وكذلك هي الرواية عن أحمد اختارها كثير من أصحابه. طيب، إن شاء الله تعالى نختم بهذا. والله تعالى أعلم. سئل: ما حكم الذين يصلون في شوارع حول مسجد الحرام؟ أنا كما قلنا: إذا كانت صفوف متصلة فلا شيء فيها. وإن كان يقطعون... يصلون بعيد كما يفعل كثير منهم، ولا يصلون الصفوف، فهذا إن كانوا جماعة أو صفًا فهذا صلاتهم إن شاء الله تعالى صحيحة، مع أنها لا تجوز لأن فيها تقطيع الصفوف، فيأثمون على ذلك، لكن الصلاة صحيحة. وأما إن كان الإنسان يصلي منفردًا فصلاة غير صحيحة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يصلي وحده في الصف فقال له: «أعد صلاتك». وقال في حديث وابصة بن معبد: «من صلى في الصف وحده فليستقبل صلاته». فدل على أنه إذا كان يصلي وحده فصلاة غير صحيحة. أما إذا كان في صف فهم آثمون لأنهم قطعوا الصفوف، لكن صلاتهم صحيحة. آجركم الله. شكرا لكم.