الدرس في شرح كتاب شروط الصلاة وأركانها وواجباتها 10، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يستعرض المقطع الأركان الأربعة عشر للصلاة عند شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، ويوضح تفصيل الركن الأول وهو القيام مع القدرة وأدلة وجوبه في الفرض وسقوطه عند العجز أو الخوف. ثم ينتقل إلى الركن الثاني وهو تكبيرة الإحرام، مبيناً حكمها وسبب تسميتها والصيغة الصحيحة لها، مع الإشارة إلى أن دعاء الاستفتاح سنة وليس ركناً.
يستعرض المقطع أذكار الاستفتاح الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم واختلاف الأئمة في اختيارها، ويشرح معاني الاستعاذة والحمد وصفات الربوبية. ثم يبين حكم قراءة الفاتحة في كل ركعة وأدلة وجوبها عند الجمهور وخلاف الحنفية.
يشرح المقطع معاني ألفاظ سورة الفاتحة مثل «رب العالمين» والفرق بين «الرحمن» و«الرحيم»، و«ملك يوم الدين»، وعهد العبادة والاستعانة. كما يوضح معنى «اهدنا الصراط المستقيم» وبيان صراط المنعم عليهم مقابل المغضوب عليهم (اليهود) والضالين (النصارى)، مستدلاً بآيات قرآنية وأحاديث نبوية بعضها ضعيف سنداً لكن صحيح معنى.
ذكر الشيخ صيغة من صيغ حديث الجماعة بأنها ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، مؤكداً على أن النجاة في اتباع هذا المنهج. ثم أعلن الاكتفاء بهذا القدر في الدرس الحالي على أن يكمل الشرح في الدرس القادم.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب: أركان الصلاة. قالوا: أركان الصلاة أربعة عشر: القيام مع القدرة، وتكبيرة الإحرام، وقراءة الفاتحة، والركوع، والرفع منه، والسجود على الأعضاء السبعة، والاعتدال منه، والجلسة بين السجدتين، والطمأنينة في جميع الأركان، والتشهد الأخير، والجلوس له، والصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام، والتسليمتان. هذه الأركان، أركان الصلاة عندكم هكذا، الترتيب موجود، والترتيب والتشهد الأخير من الأربعة عشر ركنا. ثم فصلها وذكر أدلتها. قال: الركن الأول: قيام مع القدرة. والدليل قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾. القيام مع القدرة هذا ركن في الفرض. القيام مع القدرة ركن في الفرض، وأما في النفل فهو مستحب. أما في النفل فهو مستحب؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام كان يصلي صلاة الليل وهو جالس، وكان يتنفل السبحة -أي الضحى أو النافلة- وهو جالس. وأما الدليل كما ذكره المؤلف: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾. وأيضا حديث عمران في البخاري، حديث عمران بن حسين قال: أصابتني بواسير، فسألت النبي عليه الصلاة والسلام عن الصلاة، فقال: «صل قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب». فصل قائما، إن لم تستطع فقاعدا، إن لم تستطع فعلى جنب. دل على أن القيام لا يسقط إلا عند عدم الاستطاعة. لا يسقط القيام إلا عند عدم الاستطاعة. وأيضا كذلك يسقط في شدة الخوف والحرب، وأيضا في السفينة إذا خاف الغرق، وفي الطائرة إذا كان لا يستطيع القيام. وهكذا إذا لم يستطع القيام فإنه يصلي وهو جالس، إن لم يستطع أن يصلي وهو جالس يصلي وهو متجع. قال: الثاني: تكبيرة الإحرام. والدليل الحديث: «تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم». والحديث حديث أبي سعيد، وحديث جبير بن مطعم معنا في الشواهد: «تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم». وسميت تكبيرة الإحرام لأن المصلي إذا دخل الصلاة فكبر حرم عليه كل شيء يحرم في الصلاة من الكلام والأكل والشرب والضحك، وأيضا الحركة الكثيرة وغير ذلك. فكل ما حرم في الصلاة يكون بعد تكبيرة الإحرام. فإذا كبر تكبيرة الإحرام معناه أنه دخل في الصلاة، لهذا سميت تكبيرة الإحرام. وجاء أيضا في الحديث: «تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم». وقد ذكر بعضهم الإجماع على أن تكبيرة الإحرام ركن من أركان الصلاة، لكن جاء خلاف يسير عن الزهري أنه يقول أنها مستحبة. لكن الذي عليه أكثر العلماء، والذي دلت عليه الأدلة أنها ركن من أركان الصلاة. وتكون بالتكبير من قولك: الله أكبر. وعلى الصحيح أنه لا يجزي غيره. أن هناك من العلماء من يقول يجزي، مثلا تقول: الله الكبير، أو كبرت الله. لكن الصحيح أنه لا يقال إلا بهذا اللفظ: الله أكبر. بل عند الحنفية يقولون: أن المقصود هو التعظيم، فبأي لفظ عظم الرب جل وعلا يجوز. مثلا تقول: الله العظيم، فتقول: عظمة الله. لكن كما قلنا كل هذا غير صحيح، فقد جاءت الأدلة بأن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقول: الله أكبر. وجاء أيضا في بعض الأحاديث أنه كان يقول: «لا تتم صلاة أحد منكم حتى يقول: الله أكبر». فيستفتح بهذا التكبير. قال: وبعدها الاستفتاح، وهو سنة. وقوله: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك. وهذا من بعض الاستطراد ذكره المؤلف، وإلا فهو الآن يذكر الأركان، فذكر الاستفتاح. قال: وهو سنة أو مستحب. ثم ذكر مثالا للاستفتاح الذي يذكره الحنابلة. هذا الحديث جاء في مسلم، لكن ليس أنه دعاء الاستفتاح. وجاء عند أبي داود وغيره أن عمر كان يعلم الناس هذا الدعاء، يعلم الناس هذا الدعاء يقوله بعد التكبير، ولهذا اختاره الإمام أحمد. وبعضهم اختار حديث أبي هريرة، لما قال أبو هريرة: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، ما سكوتك بين تكبيرة الإحرام والقراءة؟ أو بين التكبيرة والقراءة؟ فقال: «أقول: اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب». وأيضا اختار الشافعي حديث علي الذي جاء في صلاة الليل، كان النبي صلى الله عليه وسلم يستفتح فيقول: «وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا مسلما، وما أنا من المشركين. قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين». قال: سبحانك اللهم، تنزيهك التنزيه اللائق بجلالك. وبحمدك: أي ثناء عليك. وتبارك اسمك: أي البركة تنال بذكرك. وتعالى جدك: أي جلت عظمتك. ولا إله غيرك: أي لا معبود في الأرض ولا في السماء بحق سواك يا الله. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. معنى أعوذ: أي ألوذ وألتجئ. العود هو التجاء والاعتصام، كما ذكر الشيخ. وهنا ذكر أن أعوذ وألوذ على أنها بمعنى واحد. لكن الغالب أن العياذ يكون في دفع الشر، واللياذ في جلب الخير. مثل ما قال المتنبي لما كان يثني على الهمداني، أبو فراس الهمداني أو ابن عمه الملك، كان يقول: «يا من أعوذ به فيما أحاذره، ويا من ألوذ به فيما أؤمله». يا من ألوذ به فيما أؤمله، وأعوذ به فيما أحاذره. فذكر اللياذ في الخير، والعياذ في دفع الشر. قال: واعتصم بك يا الله من الشيطان الرجيم، المطرود المبعد من رحمة الله، لا يضرني في ديني ولا في دنياي. قال: والثالث: قراءة الفاتحة. فتكبيرة الإحرام ثم قراءة الفاتحة، ركن في كل ركعة. وهذا قول الجمهور، قول الشافعي وأحمد، ورواية عن مالك أنها ركن في كل ركعة. والمشهور المذهب عند مالك أنها تكفي في ركعتين أو ثلاث. وأما أبو حنيفة فلا يقول بالوجوب. والأدلة دلت على وجوب قراءة الفاتحة: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب». وهذا أيضا يدل على أن في كل ركعة قراءة، قراءة الفاتحة. لماذا؟ لأنها كل ركعة تسمى صلاة. «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب». قال: وهي أم القرآن. هذا ثابت في البخاري ومسلم أنها أم القرآن. ولها أسماء كثيرة: هي الكافية، والشافية، وأم الكتاب. وأيضا كذلك غيرها من الأسماء التي جاءت، وهي المثاني، والقرآن الذي أوتيه النبي عليه الصلاة والسلام: السبع المثاني، والقرآن العظيم، كما جاء في الحديث. قال: وهي أم القرآن. بسم الله الرحمن الرحيم: بركة واستعانة. الحمد لله: الحمد ثناء، والألف واللام لاستغراق جميع المحامد. وأما الجميل الذي لا صنع له فيه مثل الجمال ونحوه، فالثناء به يسمى مدحا لا حمدا. فالحمد هو الثناء بالمحبة والتعظيم. الثناء بالمحامد بالمحبة والتعظيم على المحمود، أو على الذي يحمد، فهذا يسمى حمدا. الثناء بالمحبة والتعظيم. فإذا خلت من المحبة والتعظيم صار مدحا. قال: وأما الجميل الذي لا صنع له فيه... طيب. قال: رب العالمين. الرب هو المعبود، الخالق، الرازق، المالك، المتصرف، مربي جميع الخلق بالنعم. أن الرب هو المعبود الخالق. لماذا قال: هو المعبود؟ لأن الرب من لازمه أن يكون معبودا. ولهذا قال: رب العالمين، أي الذي رباهم وخلقهم، فلهذا فهو مستحق للعبادة. كما قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾. عبدوا ربكم لأنه خلقكم. فلهذا قال الشيخ: الرب هو المعبود. وكذلك قال في الأصول الثلاثة حتى يبين أن الرب يستلزم العبادة. قال: هو المعبود، الخالق، الرازق، المالك، المتصرف، مربي جميع الخلق بالنعم. العالمين: كل ما سوى الله عالم. العالمين: كل ما سوى الله عالم. فعن عالم: أي موجود في هذا الكون، وهو رب الجميع، رب العالمين. وإذا كانت بكسر اللام: العالمين، فهي من العلم. مثل قول الله عز وجل: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالَمِينَ﴾. العالمين: جمع عالم، والعالمين: جمع عالم. الرحمن: رحمة عام جميع المخلوقات. لأن الرحمن هي صفة الذات. والرحيم: رحمة خاصة بالمؤمنين، لأنها صفة ليست صفة الذات. قال: والدليل قوله تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾. مالك يوم الدين: يوم الجزاء والحساب. يوم كل جازي بعمله، خيرا فخير، وإن شرا فشر. والدليل قوله تعالى: ﴿مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾. والحديث عنه صلى الله عليه وآله وسلم: «الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني». وهذا الحديث فيه ضعف، لم يصح عن النبي عليه الصلاة والسلام. هو حديث شداد بن أوس، لكن معناه صحيح. قوله: إياك نعبد، أي لا نعبد غيرك. عهد بين العبد وربه، عهد بين العبد وبين ربه ألا يعبد إلا إياه. وإياك نستعين: أي عهد بين العبد وبين ربه ألا يستعين بأحد غير الله. لأن العبادة تحتاج إلى استعانة. فعبادة العبد بين العبادة والاستعانة. اهدنا الصراط المستقيم. اهدنا: أي دلنا وأرشدنا وثبتنا. والصراط: الإسلام، وقيل الرسول، وقيل القرآن، والكل حق. والمستقيم: الذي لا عوج فيه. والصراط صراط حسي وصراط معنوي. فمن سلك الطريق والصراط المعنوي الذي هو في الدنيا، فإنه ينجو في ذلك الصراط، ويمر مرا سريعا في الصراط الحسي الذي ينصب على جهنم. قال: المستقيم الذي لا عوج فيه. ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾. أنه صار صراطا مستقيما. ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾. فخطا النبي صلى الله عليه وسلم خطا طويلا، وقال: «هذا صراط الله المستقيم». وخطا على جانبيه خطوطا معوجة، وقال: «هذه السبل، وعلى كل سبيل منها شيطان». ثم تلى هذه الآية: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾. قال: صراط الذين أنعمت عليهم: طريق المنعم عليهم. والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾. غير المغضوب عليهم: وهم اليهود، معهم علم ولم يعملوا به. وأما أهل الصراط فهم عملوا بما تعلموا. نسأل الله أن يجنبك طريقهم. ولا الضالين: وهم النصارى، يعبدون الله على جهل وضلال. نسأل الله أن يجنبك طريقهم. آمين. قال: ودليل الضالين قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾. والحديث عنه صلى الله عليه وآله وسلم: «لتتبعن سنن من قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه». قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: «فمن؟». وأخرجاه. قال: الحديث الثاني: «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة». قلنا: من هي يا رسول الله؟ قال: «من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي». وهذه الزيادة فيها ضعف، لكنها صحيحة المعنى. فيها ضعف لكنها صحيحة المعنى. وقد جاء أيضا بصيغة: «هي الجماعة، هي الجماعة، هي ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه». طيب، إن شاء الله تعالى نكتفي بهذا، ونكمل في الدرس القادم.