التحذير من الحقد والتباغض

الخطبة بعنوان التحذير من الحقد والتباغض، والتي كانت بمسجد السنة بدار الحديث بمنطقة طيبة بتاريخ 5 رجب 1444هـ الموافق 27 يناير 2023م ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

خطورة الحقد والتباغض بين المسلمين

يتناول هذا الفصل خطورة الحقد والتباغض بين المسلمين، ويبين أهمية الألفة بينهم. يحذر من انتشار الحقد لما فيه من فساد.

أهمية التسامح وتصفية القلب

يؤكد هذا الفصل على أهمية تصفية القلب من الحقد والبغضاء، ويشير إلى فضل التسامح والعفو وكظم الغيظ. يبين أن الصلح خير وأن من يوق شح نفسه فهو من المفلحين.

صفات الأنبياء والصحابة في التعامل مع الإساءة وتطبيق التسامح

يُظهر هذا الفصل كيف تعامل الأنبياء والصحابة مع الإساءة، حيث كانوا يتصفون بالعفو وعدم حمل الحقد. يشدد على ضرورة بغض أهل الكفر بسبب كفرهم.

دعوة المؤمنين لتصفية قلوبهم ودعوة الآخرين

يصف هذا الفصل سعي المؤمنين لتصفية قلوبهم وتوجيه بغضهم نحو المخالفات الشرعية، مع محاولة دعوة الآخرين إلى الله. يُظهر أهمية الإخلاص في الدعوة.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، أحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، أيها المؤمنون، أخرج الإمام البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن عمر، وكذلك أخرج نحوه مسلم من حديث أبي هريرة، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا، المسلم أخو المسلم». عباد الله، في هذا الحديث يخبرنا نبينا عليه الصلاة والسلام، أو يأمرنا ألا يكون بيننا من التقاطع والتحاسد، وكذلك التباغض. في هذا المقام، إن شاء الله تعالى، نأخذ أمرا عظيما ينبغي على أهل الإسلام أن يتفطنوا له، وقد جاءت شريعتنا الغراء بنفي هذا الأمر، وكذلك بسلامة الصدور منه، ألا وهو التباغض والتحاسد والحقد في القلوب. فإن الحقد، عباد الله، آفة سيئة بين المسلمين، فإن شرع الله جل وعلا جاء بالألفة بين أهل الإيمان، وعدم التباغض فيما بينهم. يقول ربنا جل وعلا: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾، وقال الله عز وجل: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾، يمتن ربنا جل وعلا على هذه الأمة أنهم جعلهم متآلفين، وكذلك متواخين. فلهذا يقول نبينا عليه الصلاة والسلام، كما في البخاري ومسلم عن عمران بن حسين رضي الله عنه، قال عليه الصلاة والسلام: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر». عباد الله، فهذه الألفة التي يطلبها شرع الله جل وعلا، وحرم التباغض بين أهل الإيمان، والحقد بينهم. فلهذا، عباد الله، لما ذكر ربنا جل وعلا عباده الصالحين الذين اتبعوا أهل الإيمان بالإحسان، يقول ربنا جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾، فهذه الآية يبين ربنا جل وعلا أن أهل الإيمان ممن جاء واتبع أولئك السابقين، وكذلك من الأنصار، يكونون أهل إيمان وأهل تصفية في قلوبهم، لا أهل غل ولا حسد. عباد الله، فإن شرعنا جاء بتهذيب هذه النفوس من الحقد والحسد، لأن انتشار الحقد بين أهل الإيمان والتباغض بينهم إن نذير شر، وكذلك فساد في هذه الأرض. ولهذا جاء في حديث أبي الدرداء عند أبي داود أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «ألا أدلكم على ما هو خير لكم من الصلاة والصيام والصدقة؟» قالوا: «بل يا رسول الله»، قال: «إصلاح ذات البين، فإن إفساد ذات البين هي الحالقة». هكذا يقول النبي عليه الصلاة والسلام. جاء في رواية: «ولا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين»، لكنها رواية ضعيفة، لكن معناها صحيح، فهي تحلق الدين. فإذا انتشر الحقد والبغضاء بين أهل الإسلام، فإنه ينتشر الفساد والعياذ بالله. فلهذا، عباد الله، جعل الله عز وجل أو جعلت شريعتنا تصفية النفوس في كل وقت وحين، تصفية يومية، وتصفية أسبوعية، وتصفية سنوية. فقد جاء في سنن ابن ماجة من حديث ابن عباس أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «ثلاثة لا ترفع صلاتهم فوق آذانهم: العبد الآبق، والمرأة التي باتت وزوجها عليها ساخط، والمتصارمان». أي المتباغضان والمتشاحنان. وإن كان هذا الحديث قد ضعفه بعض أهل العلم، لكنه في الشواهد، فهو يدل على تصفية للنفس، أن العبد يصفي نفسه يوميا، فلا يحمل حقدا، فإنه يؤثر في صلاته، الله عز وجل لا يقبل صلاته ما دام أنه حاقد لإخوانه، يحمل الشحناء والبغضاء في قلبه لإخوانه على أمور دنيوية. ولهذا قال الحافظ ابن رجب رحمه الله عليه في الحديث الذي ذكرناه، قال: «وقوله: لا تباغضوا، أي لا يكون المؤمن فيه يبغض أخاه فيما ليس في الله عز وجل، وإنما في أمور دنيوية، يبغضه لأجل أمور دنيوية، فهذا التباغض الذي ذمه الله عز وجل». حتى على غيره، كما قال الله عز وجل في وصف أهل الإيمان: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾، فهذه تصفية يومية يصفيها العبد. ومما يدل على ذلك أيضا، أي هذه التصفية اليومية التي يصفي العبد قلبه من الحقد على إخوانه، فإن النبي عليه الصلاة والسلام، كما جاء عند ابن ماجه عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «ألا أخبركم بخير الناس؟» قالوا: «بلى يا رسول الله»، قال: «صدوق اللسان، مخموم القلب»، قالوا: «يا رسول الله، صدوق اللسان قد عرفناه، فما مخموم القلب؟» قال: «التقي النقي، الذي لا غل فيه ولا حسد»، أي قلبه نقي، قلبه تقي لله عز وجل، صفى قلبه للمؤمنين. وأيضا كذلك كانت في قلبه العاطفة والشفقة، ولهذا جاء في حديث ابن مسعود في الطبراني، لما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن لله عز وجل في هذه الأرض أوعية، وأوعية الله عز وجل قلوب عباده المؤمنين، وأوعية ربنا جل وعلا قلوب عباده الصالحين، وأفضلها ألينها وأرقها». فهذا الذي لا يحمل على إخوانه الحقد، فإن حصل شيئا وقع في نفسه، فإنه سرعان ما يعفو، سرعان ما يذهب ذلك الحقد، لأنه يعامل الله جل وعلا. فلهذا، عباد الله، أيضا كذلك حقا الشرع على تصفية أنفسنا أيضا كل أسبوع، فقد جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إن في كل جمعة، في يوم الاثنين والخميس، يرفع الله عز وجل فيها الأعمال، يرفع الله عز وجل فيه الأعمال، فيغفر الله عز وجل لكل عبد ما لم يكن مشركا، أو رجلين بينهما شحناء». انظر إلى هذا الحديث، وهو في صحيح مسلم، يخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن في يومين من أيام الأسبوع، وهما الاثنين والخميس، ترفع الأعمال إلى الله، فيغفر الله عز وجل لكل مؤمن، وهذا تصفية لقلوب العباد. يغفر الله عز وجل لكل مؤمن إلا المشرك الذي ليس من عباد الله المؤمنين، وكذلك أيضا من المؤمنين من هو مشاحن، ومن هو مبغض، ومن هو حاقد على أخيه، فإن الله عز وجل لا يرفع عمله ولا يغفر له. ولهذا جاء في الحديث: «انظر هذين حتى يصطلحا»، فلهذا، يا عبد الله، ما ينفعك أن تحمل الحقد في قلبك على أخيك لأجل أمور دنيوية، أساء إليك أو عاملك بمعاملة سيئة أو قسى عليك، لكن لا ينبغي لك أن تحمل على أخيك هذا الحقد إلى أن تموت، وهو في قلبك، هذا ليس من أخلاق أهل الإيمان. أهل الإيمان لا يحملون الغل، بل يسامحون ويعفون عن الناس، ويكظمون غيظهم، وكذلك في قلوبهم السماحة، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد». فلهذا، عباد الله، ينبغي علينا أن نصفي أنفسنا. وذكر أيضا النبي عليه الصلاة والسلام مما استدل به العلماء على التصفية السنوية، ما جاء في حديثه في ليلة نصف شعبان، وإن كان هو متنازع فيه بين أهل العلم على صحته، لكن كثيرا من المعاصرين يصححونه، خاصة الشيخ الألباني رحمه الله عليه، وهو أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إن الله يطلع على عباده في نصف شعبان، فيغفر الله جل وعلا لكل مؤمن إلا مشرك أو مشاحن». معنى في قلبه حقد على إخوانه أو على أحد إخوانه المسلمين، وفي قلبه بغضاء عليهم في أمور دنيوية. لا يجوز أن يأخذ البغضاء هذه، وإنما ينبغي أن يذهبها، وإن كان مثلا قد أساء إليه، فلا يحمل البغضاء والانتقام، يريد أن ينتقم منه، ويريد كذلك أن يسيء إليه، وكذلك يريد أن يوقع به كما أوقع به، أو غيرها من هذه الأفعال التي لا تمد للإسلام بشيء، بل هي من أفعال أهل الكفر والعياذ بالله. فلهذا، ربنا جل وعلا يقول: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾، انظر إلى هذا الفضل العظيم الذي جعله الله عز وجل لمن صفى نفسه من الحقد، وأصلح بينه وبين إخوانه، وأصلح بين الناس. وقال: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُءِرَتِ النُّفُوسُ الشُّحَّ وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ النُّفُوسُ الشُّحَّ﴾، أي تشحوا بالإصلاح وبالخير، لكن كما قال الله عز وجل: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. فنسأل الله جل وعلا بمنه وكرمه أن يغفر لنا وأن يرحمنا. والحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. عباد الله، إذا تأملنا كتاب الله جل وعلا، نجد أمثلة كثيرة في هذه القضية، وكيف كان أهل الإيمان وأنبياء الله عز وجل يتفادون مثل هذه الأشياء. وكذلك لو تأملنا سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، نجدها أيضا كذلك مليئة بمثل هذه الأمور. كذلك الصحابة رضي الله عنهم، ومن بعدهم من التابعين، تجد أنهم كانوا من أحرص الناس على أنه يحمل حقدا على أخيه أو يبغض أخاه. فلهذا، عباد الله، لو تأملنا فيما حصل لنبي الله يوسف عليه الصلاة والسلام، فإنه ألقاه إخوانه في الجب، وقد ملئت قلوبهم من الحقد عليه، لأن أباه كان يحبه. فأوقعوه في ذلك الأمر، وذكر ربنا جل وعلا ما فعلوه بيوسف. وكذلك أيضا اشترى عبدا، وصار عبدا لامرأة من مصر، امرأة العزيز، كما قص الله عز وجل قصته. وحصل ما حصل، ورفعه الله عز وجل في هذه الدنيا، وصار عزيزا لمصر، بل صار بعد ذلك ملكا. ولما جاءوا إخوانه وعرفهم، فإنه لم يعاقبهم عقوبة، وإنما طلب أن يدلوه على أخيه، ويدلوه على أبيه، دون أن يعرفوا أنه هو، حتى لما عرفوا، لما قال لهم: «هل علمتم ما فعلتم بيوسف؟» قالوا: «أئنك لأنت يوسف؟» قال: «أنا يوسف، وهذا أخي، قد من الله علينا». فلما اعتذروا له، لم يذكرهم بشيء، ولم أيضا كذلك يقول: «سأنتقم منكم»، ولم يفعل شيء من هذه الأمور. بل قال: «لا تثريب عليكم اليوم»، أي أنا مسامحكم، ولا أثرب عليكم، والمراد التثريب، أي التقريع. وأيضا كذلك أنني أذكركم بهذه الأشياء. فلم يكتفي فقط بأنه عفا عنهم، بل أنه لم يثرب عليهم، أي لم يذكرهم بما فعلوا. قال: «لا تثريب عليكم اليوم، يغفر الله لكم، وهو أرحم الراحمين». وهكذا أباه يعقوب عليه السلام، لما قالوا له: «استغفر لنا يا أبانا»، قال: «سوف أستغفر لكم ربي»، أي كأنه لم يأخذ عليهم، ولم يحقد عليهم، ولم يجد في نفسه عليهم، وإنما جعل هذا الذي فعلوه بينهم وبين الله، فقال: «سوف أستغفر لكم ربي، إنه هو الغفور الرحيم». فلهذا، عباد الله، تجد أن هؤلاء الأنبياء قد سمت قلوبهم، وقد صفت قلوبهم لله، لأنهم يعاملون الله جل وعلا. وهذا نبينا عليه الصلاة والسلام، كم قد آذوه أهل قريش، وأخرجوه من مكة، وهو يحبها، لكنه لما جاء وتسلط، وأيضا كذلك لما جاء ودخل مكة، وكان الأمر له عليه الصلاة والسلام، عفا عنهم. وقال: «من دخل بيته فهو آمن، ومن دخل بيت أبي سفيان فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن». أمنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم طردوه. وهكذا أمثلة كثيرة جدا من سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيمن حقد عليه أو تكلم عليه. فهذا ابن عمه، أبو سفيان بن الحارث رضي الله عنه، كان يعادي نبي الله صلى الله عليه وسلم، وكان له قينتان مغنيتان تهجوان رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن لما جاء وأسلم، فكان من أشد الناس أو من أكثر الناس تقربا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الذي كان ماسك زمام ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم في حنين. فلهذا، عباد الله، كذلك كان أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام. فهذا الصديق رضي الله عنه لم يحمل على أحد حقدا، حتى لما حصل بينه وبين عمر شيئا، اعتذر بسرعة لعمر، فلم يقبل عمر، فذهب أبو بكر إلى النبي عليه الصلاة والسلام، والقصة في الصحيحين. ثم جاء عمر، فأخبر أبو بكر النبي عليه الصلاة والسلام وقال: «يا رسول الله، كان بيني وبين عمر شيئا، ثم اعتذرت له فلم يقبل». فحمر وجه النبي عليه الصلاة والسلام وغضب، فلما جاء عمر، فقال: «ألا تدعوا لي صاحبي؟ فإني قد جئتكم، فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدقت». فقال أبو بكر: «صدقت، ألا أنتم تاركون لي صاحبي؟». فلهذا، عباد الله، كانت قلوبهم حية في الرجوع إلى الله، ولا يحملون حقدا عليهم. حتى علي رضي الله عنه، لما حصل ما حصل في الجمل، فكان يقول رضي الله عنه: «أسأل الله عز وجل أن أكون أنا وعثمان وطلحة ممن قال الله عز وجل فيهم: إخوانا على سرر متقابلين». أي أنهم يكونون في الجنة، لأنهم لم يحقد أحدهم على الآخر، وإنما حصلت سوء تفاهم بينهم. وإلا ما كانوا يحملون الحقدة بعضهم على بعض. ولما دخل عمران بن طلحة بن عبيد الله على علي، بكى علي رضي الله عنه، وقال: «أسأل الله عز وجل أن يجعلني أنا وأباك ممن قال الله عز وجل فيهم: إخوانا على سرر متقابلين». فلهذا، عباد الله، هكذا كان دأب الصحابة رضي الله عنهم. فلهذا ينبغي علينا، أيها المؤمنون، أننا لا نحمل الحقدة على إخواننا، وإنما البغضاء والحقد يكون على أهل الكفر الذين يسيئون للإسلام، كما قال الله عز وجل: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا﴾، فالبغضاء تكون لأهل الكفر الذين كفروا بالله جل وعلا. فالواجب على المسلم أنه يبغضهم لذلك العذر لكفرهم بالله جل وعلا. فلهذا، وأما أهل الإيمان فيحاول أن يصفي قلبه، وإن حصل ما حصل منهم، فإنه يحاول أن يصفي قلبه، وإن أبغضهم، فإنما يبغضهم لما عندهم من بدعة أو من فسوق أو من غيرها، ويحاول أنه يدعوهم إلى الله جل وعلا. فنسأل الله جل وعلا بمنه وكرمه أن يغفر لنا وأن يرحمنا. والحمد لله رب العالمين.