عظم التكبير

الخطبة بعنوان عظم التكبير، والتي كانت بمسجد السنة بدار الحديث بطيبة 1 ذو الحجة 1445هـ الموافق 7 يونيو 2024م ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

التكبير وعظم شأنه في الإسلام

يُبين أهمية التكبير وعظم شأن كلمة "الله أكبر" في الإسلام، مستشهدًا بالأحاديث النبوية التي تظهر فضل هذه الكلمة. يُوضح أن التكبير يُعبر عن تعظيم الله وتكبيره، وهو أمر فطري لدى الناس.

فضل التكبير في العشر من ذي الحجة

التكبير في العشر من ذي الحجة من أعظم الأعمال الصالحة، وقد كان السلف يكبرون في هذه الأيام ويرفعون أصواتهم بالتكبير. ورد في القرآن الكريم والسنة النبوية ما يدل على فضل التكبير في هذه الأيام.

الكلمات الأربع الباقيات الصالحات وأهميتها

الكلمات الأربع: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، تعتبر عملا صالحا يجزئ عن قراءة القرآن، ولها أجر عظيم عند الله عز وجل. وردت في الأحاديث النبوية العديدة.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المؤمنون عباد الله، فإن من أعظم ما يكنه العبد المسلم في قلبه تعظيم الله عز وجل وتكبيره، فإن الله عز وجل أعظم وأجل من كل شيء سبحانه وتعالى، وأكبر من كل شيء. فإذا ذكر الله جل وعلا تصاغر كل شر وتصاغر كل من أراد العلو والتجبر. فلهذا فإن الشيطان ينخس عند ذكر الله جل وعلا، فربنا جل وعلا هو الأكبر وهو الأعظم سبحانه وتعالى. ولهذا عباد الله، فإن كلمة التكبير وهي «الله أكبر» لها شأن عظيم في ديننا، فإن هذه الكلمة هي كلمة الفطرة التي فطر الله عز وجل الناس عليها. فطر الناس ربنا جل وعلا أنهم يعظمون ربهم جل وعلا، فلهذا فهم يكبرونه ويعظمونه. أخرج الإمام مسلم من حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنه قال: «كنا في غزوة مع رسول الله صلى الله عليه وعلا، وكان النبي عليه الصلاة والسلام إذا سمع ذانا لم يغر على تلك القرية، وإن لم يسمع ذانا أغار عليهم، قال: فسمع رجلا يقول: الله أكبر الله أكبر، قال: على الفطرة، قال: على الفطرة، سمع رجلا يقول: الله أكبر الله أكبر، فقال: على الفطرة، وقال: لا إله إلا الله، قال: نجى من النار». عباد الله، هذا النبي عليه الصلاة والسلام لما سمع هذا الرجل يعظم الله ويكبره، قال: «على الفطرة». أخرج الإمام مسلم من حديث عبد الله بن عمر أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يصلي، فسمع رجلا يقول: «الله أكبر كبيرا، وسبحان الله كثيرا، قال: الله أكبر كبيرا، وسبحان الله بكرة وأصيل»، فقال: «من القائل كذا وكذا؟ لقد عجبت لها، رفعت إلى السماء، وابتدرها كذا وكذا ملك»، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام. وهذه الكلمة العظيمة التي يقهر كل شيء عندها، لما تحصنت خيبر وأهلها تحصنوا، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الله أكبر، خربت خيبر»، ففتح الله عز وجل للمسلمين، وفتحوا ذلك الحصن الذي تحصن فيه اليهود. وكذلك عباد الله، أخبر النبي عليه الصلاة والسلام كما في البخاري أن قال النبي عليه الصلاة والسلام: «هل تعلمون بمدينة شقها في البحر والنصف الآخر في البر؟» قالوا: لا يا رسول الله، فقال: «هي القسطنطينية، فإن المسلمين يفتحونها، ليس بسلاح، وإنما إذا جاءوا إليها قالوا: الله أكبر، فيسقط جانب البحر، ثم يقولون: الله أكبر، فيسقط جانب البر». انظر يا عبد الله إلى هذه الكلمة العظيمة التي تتهاوى جبال الأعداء، وأيضا أسلحتهم أمامها. ولهذا هذه الكلمة كانت ترهب الأعداء، ترهب أعداء الإسلام عندما يقولها العبد. ولهذا هذه الكلمة إذا كان الرجل في سفر فإنه لا ينسى هذه الكلمة ويرددها كثيرا. فإذا أشرف على شرف أو طلع جبل فإنه يكبر، كما جاء في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر، وجاء في مسلم أيضا من حديث جابر أن النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا أشرف على شرف أو أوفى جبل أو صعد على فدفد قال: «الله أكبر». فلهذا عباد الله، أيضا كذلك جاء في حديث أبي موسى أن الصحابة رضي الله عنهم لما صعدوا الجبل كبروا حتى رفعوا أصواتهم. فلهذا عباد الله، فإن هذا التكبير أيضا كان السلف يكبرون بعض الصلوات ويرفعون أصواتهم بالتكبير، وخاصة في السفر في الغزوات. فالتكبير عباد الله أمره عظيم عند الله جل وعلا. فكان النبي عليه الصلاة والسلام إذا تعجب من شيء فإنه يكبر. ذلك التكبير العظيم أيضا عباد الله، ونحن في هذه العشر عشر من ذي الحجة، فإنه من أعظم الأعمال الصالحة التي تشرع في هذه العشر التكبير لله جل وعلا. فقد قال الله عز وجل: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾، وقال جل وعلا: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾. قال ابن عباس وسعيد بن جبير وجماعة من السلف: الأيام المعلومات هي هذه الأيام العشر، هي هذه الأيام العشر يذكر الله عز وجل فيها. وأعظم ما يذكر الله جل وعلا بالتكبير، فإنها من الكلمات العظيمة التي يحبها الله عز وجل، كما جاء في صحيح مسلم من حديث سمرة بن جندب، وجاء أيضا كذلك من حديث أبي هريرة بمعناه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «أحب الكلام إلى الله»، وجاء في حديث أبي هريرة: «خير الكلام أحب الكلام إلى الله: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، بأيهن ابتدأت بأيهن ابتدأت»، أي ابتدأ بأيهن، فإنها من أحب الكلام إلى الله جل وعلا. فلهذا عباد الله، فإنها تشرع في هذه الأيام العظيمة، وخاصة كما قلنا التكبير. فقد كان عمر رضي الله عنه يكبر بمنا، فيسمع تكبيره أهل المسجد فيكبرون حتى يرتج المسجد، ثم يكبر أهل منا حتى ترتج منا تكبيرا. وكان ابن عمر كما قال البخاري: كان أبو هريرة وابن عمر يخرجان في العشر إلى الأسواق ويكبرون الله عز وجل، ويكبر الناس بتكبيرهم. وقال: وكان ابن عمر كما في البخاري يكبر الله عز وجل في أيام التشريق، كان يكبر الله عز وجل في المسجد، ويكبر كذلك في بيته، ويكبر على فراشه. فلهذا فإن التكبير عباد الله مشروع في هذه الأيام، وهو من أعظم ما ينبغي المسلم أن يحرص عليه، خاصة في هذه الأيام وأيام العشر. فقد كانت صحابة كما سمعت يكبرون الله عز وجل. اذكروا الله عز وجل العظيم يذكركم، واشكروه يزدكم سبحانه وتعالى. ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد عباد الله، أخرج الإمام المسلم في صحيحه، وأخرجه كذلك أحمد وأهل السنن من حديث عبد الله بن عمر، وجاء كذلك من حديث أنس أن رجلا أعرابيا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وقال: «يا رسول الله، دلني على عمل خير أعمله». وفي حديث أبي هريرة في مسلم قال: «يا رسول الله إني لا أستطيع أن أكره القرآن، فدلني على ما يجزئه»، أي ما يجزئ القرآن وقراءة القرآن. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «قل: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر». قال: «فعدهن هذا العرابي أي عدهن أربعا بأصابعه، ثم أمسك بأصابعه». فجاء في حديث عبد الله بن عمر في السنن أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لقد ملأ يده خيرا كثيرا». ثم أنه رجع إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «فكر الرجل ورجع، فقال: يا رسول الله هذا لله فما لي؟» قال: «هذا لله فما لي؟» قال: في رواية المسند أنه قال له: «إذا قلت: الحمد لله، قال الله عز وجل: صدقت، وإذا قلت: سبحان الله، قال الله عز وجل: صدقت، وإذا قلت: الله أكبر، قال الله عز وجل: صدقت، وإذا قلت: لا إله إلا الله، قال الله عز وجل: صدقت، فقل: اللهم اغفر لي، فيقول الله عز وجل: فعلت، وقل: اللهم ارحمني، فيقول الله عز وجل: فعلت، فقل أيضا: اللهم ارزقني، قال: فيقول الله عز وجل: قد فعلت». وأيضا كذلك جاء في رواية مسلم أنه قال: «قل: اللهم اغفر لي وارحمني وعافني واهدني وارزقني». فلهذا عباد الله، هذا يبين لنا عظيم هذه الكلمات العظيمة، ألا وهي أحب الكلام من الله جل وعلا، وأجرها عند الله عز وجل عظيم. فلهذا يحرص العبد على هذه الكلمات العظيمة المباركات، وهي الباقيات الصالحات، كما جاء في رواية عند الطبراني والبزار وصححها الشيخ الألباني أنه قال: «وهن الباقيات الصالحات». وقصد بها قول الله جل وعلا: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا﴾. قال ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد وقتادة وغيرهم وغير واحد من السلف: إن الباقيات الصالحات هن: لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، أي هذه الكلمات هي التي تبقى دخرا لك إلى يوم القيامة. وهذا هو أشهر التفسير في الباقيات الصالحات. ومن أهل العلم من قال: هي الأعمال الصالحة التي تبقى لك إلى يوم القيامة. ولهذا عباد الله، ربنا جل وعلا لما ذكر هذه الدنيا ذكر الباقيات الصالحات. ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ لَكَ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا﴾، أي أنك تلقى بها ثوابا عظيما خير لك عند ربك ثوابا، وخير عقبا، أي في العقبى وفي الآخرة تتحصل بها على أجر عظيم. فالنبي عليه الصلاة والسلام ذكر أن غرس الجنة: «سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر». فلهذا عباد الله، يحرس المسلم على ذكر الله عز وجل في هذه الأيام، لا يفتر ولا يكل لسانك من ذكر الله جل وعلا. وقد جاء في حديث سفيان بن عبد الله أن النبي عليه الصلاة والسلام قال للنبي عليه الصلاة والسلام: «إن شرايا الإسلام قد كثرت علي، فدلني على عمل أعمله». فقال: «لا يزال لسانك رطبا من ذكر الله». فيا أيها المؤمن، ويا أيها العبد الأواب إلى ربه جل وعلا، فاحرس في هذه الأيام أن تكون ذاكرا لله كثيرا، حتى تحظى بأجر الله جل وعلا وثوابه والرفعة يوم القيامة بدرجاته. الحمد لله رب العالمين.