التعليقات على كتاب الأدب المفرد 15

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 15، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

بر الوالدين بعد وفاتهما وأهمية الدعاء لهما

هذا الفصل يشرح أهمية بر الوالدين بعد موتهما من خلال الدعاء والاستغفار وتنفيذ عهدهما وإكرام صديقهما وصلة الرحم. كما يبين انتفاع الميت بدعاء ولده.

الأعمال التي تنفع الميت وتستمر بعد وفاته

هذا الفصل يناقش الأعمال التي لا تنقطع بعد الموت مثل الصدقة الجارية، علم ينتفع به، وولد صالح يدعو له. كما يوضح أهمية استغلال الحياة بالأعمال الصالحة.

تفاصيل الأعمال النافعة للميت وآراء أهل العلم

هذا الفصل يفصل في الأعمال التي تنفع الميت مثل العلم الشرعي والصدقة والحج والصيام. كما يناقش خلاف أهل العلم حول انتفاع الميت بقراءة القرآن.

الإجماع على نفع الميت بالصدقة والدعاء

هذا الفصل يشير إلى الإجماع بين أهل العلم على أن الصدقة والدعاء للميت يصلان إليه وينفعانه في الآخرة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على شفيع الخلق المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله في كتابه «الأدب المفرد»، باب بر الوالدين بعد موتهما. قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا عبد الرحمن بن الغسيل، وهو عبد الرحمن بن سليمان، ونسب إلى ابن الغسيل نسبة إلى جد أبيه، وهو حنظلة بن أبي عامر الذي غسلته الملائكة. قال: أخبرني أسيد بن علي بن عبيد، عن أبيه، أنه سمع أبا أسيد. ورويه بضم الهمزة وفتح السين، المؤمل أسيد، وصواب «أسيد» كما قال الإمام الخطيب رحمه الله، قال: يحدث القوم، قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم، وقال رجل: يا رسول الله، هل بقي من بر أبوي شيء بعد موتهما أضرهما؟ قال: نعم، خصال أربع: الدعاء لهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما، وإكرام صديقهما، وصلة الرحم التي لا رحم لك إلا من قبلهما. والحديث ضعيف؛ فأسيد ومولى أبي أسيد لم يوثقه غير محبان، ولم يرو عنه غير ابنه، فهو مجهول. لكن معناه تدل عليه أدلة أخرى على أن من البر الولد لأبيه أن يدعو له بعد موته بالمغفرة والرحمة. وذكر الاستغفار هنا بعد ذكر الدعاء من عطف الخاص على العام، وإلا فهو - أي الاستغفار - يدخل ضمن الدعاء. وهكذا أيضا إنفاذ عهدهما يعني إمضاء وصيتهما إذا أوصى بشيء، فينفذ هذه الوصية إذا كانت وصية مشروعة. أما إذا كانت وصية جائرة فيها ظلم أو فيها مخالفة للشرع، فإنها لا تنفذ، بل يبدلها بما هو موافق للشرع. يبدلها بما هو موافق للشرع. فإذا أوصى مثلاً بوقف على القبور أو الزيارات الشركية ونحو ذلك من الأمور التي تخالف الشرع، فإنه لا ينفذ هذه الوصية، بل يبدلها بما هو أفضل منها. يوقف هذه الأموال مثلاً على المساكين الفقراء، أو كذلك مثلاً على مسجد أو نحو ذلك مما ينتفع به الميت. وهكذا إكرام صديقهما، وقد يأتي ذلك في حديث من عمر. وأيضاً صلة الرحم التي لا ترحم لك إلا من قبلهما. قال: حدثنا أحمد بن يونس، قال: حدثنا أبو بكر، عن عاصم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: ترفع للميت بعد موته درجته، فيقول: أي ربي، أي شيء هذا؟ فيقال: ولدك استغفر لك. والحديث حسن، حسنه الألباني رحمه الله. وفيه انتفاع الميت بدعاء ولده، فيرتفع في الجنة الدرجة، فيقول: أي ربي، أي شيء هذا؟ يعني: لماذا نلت هذه الدرجة؟ فيقال: ولدك استغفر لك، أي: بسبب استغفار ولدك لك، فانتفعت بذلك وارتفعت درجة في الجنة. ففي هذا دليل على انتفاع الميت بدعاء ولده، وهو مما أجمع عليه، كما سيأتي. أيضاً في حديث أبي هريرة، قال: وحدثنا موسى، قال: حدثنا سلام بن أبي مطيع، عن غالب، قال: قال محمد بن سيرين: كنا عند أبي هريرة ليلة، فقال: اللهم، اللهم، اغفر لأبي هريرة، ولأمي، ولمن استغفر لهما. قال لي محمد: فنحن نستغفر لهما حتى ندخل في دعوة أبي هريرة. والأثر صحيح. فأخبر محمد بن سيرين رحمه الله، وهو من التابعين، ومن كان ملازماً لأبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وله أخوة محدثون: أنس بن سيرين، وأيضاً كريمة بن سيرين، وآخرون عرفوا بالرواية. فذكر أنه كان عند أبي هريرة ليلة، وهذا يدل على حرص السلف على مجالسة أهل العلم. فكان التابعون يلازمون الصحابة رضوان الله تعالى عليهم حتى يأخذوا منهم العلم. وهكذا ينبغي لطالب العلم والحريص على العلم أن يلازم أهل العلم؛ فإنه يستفيد منهم الأخلاق والأدب. قد كان كثير من السلف يحضرون عند الأئمة من أجل أن يتعلموا منهم الأخلاق. الإمام أحمد رحمه الله كان يحضر مجلسه آلاف، وكان القليل الذين يأخذون منه الحديث، والأكثر يتعلمون منه الأدب. فإن طالب العلم بحاجة عظيمة إلى الأدب قبل أن يحمل العلم. فإن العلم بلا أدب كما قيل: كالنار بلا حطب، يذهب ما ينتفع به صاحبه. ولا يمكن أن تأخذ وتتخلق بآداب أهل العلم إلا إذا جلست في مجالس العلم، إذا تواضعت وأذلت نفسك للعلم، فإنك تتأدب بآداب العلماء. ثم سمع أبا هريرة رضي الله تعالى عنه يقول: اللهم اغفر لأبي هريرة، ولأمي، ولمن استغفر لهما. دعا رضي الله تعالى عنه لنفسه ولأمه ولمن استغفر له ولأمه بالمغفرة والرحمة. فقال محمد بن سيرين: فنحن نستغفر لهما حتى ندخل في دعوة أبي هريرة؛ حتى يستجيب الله جل وعلا لدعوة أبي هريرة، فيدخل في هذه الدعوة ويكون ممن يغفر الله جل وعلا لهما. والشاهد منه هو دعاء أبي هريرة رضي الله تعالى عنه لأمه بالمغفرة. قال: حدثنا أبو الربيع، قال: حدثنا إسماعيل بن جعفر، قال: أخبرني العلاء عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا مات العبد انقطع عنه عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له». وجاء وهذا الحديث صحيح، وهو في مسلم. وجاء أيضا عند ابن ماجة وابن خزيمة. ومما يلحق الميت من عمله وحسناته بعد موته: علماً علمه ونشره، وولداً صالحاً تركه، ومصحفاً وقفه، أو مسجداً بناه، أو بيتاً لابن السبيل بناه، أو نهراً أجراه، أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته، فيلحقه من بعد موته. وصححه العلامة الألباني رحمه الله. وهذا الحديث فيه أن الإنسان إذا مات انقطع عمله، أي: ليس له عمل بعد الموت. فإنما الأعمال تكون في حال الحياة، في حال الصحة والعافية. ففي حال الحياة ينبغي للإنسان أن يكثر من الأعمال قبل أن يحول بينه وبينها الموت. والله جل وعلا خلق الإنسان في هذه الدنيا من أجل عمل؛ الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً. خلق الله جل وعلا للابتلاء والامتحان، فينبغي أن تستغل هذه الحياة وهذا العمر بالأعمال الصالحة. فإذا نزل بك الموت حال بينك وبين ما كنت تريد أن تعمله في الدنيا. فإذا مات العبد انقطع عنه عمله إلا من ثلاث، أي: من ثلاثة أمور، فإنه ينتفع بها بعد موته. منها: صدقة جارية - صدقة جارية - وهي معنى الوقف. إذا أوقفت شيئاً لله سبحانه وتعالى، أوقفت مثلاً أرضاً أو بيتاً لابن السبيل أو الفقراء أو المساكين أو طلبة علم، أو أوقفت مثلاً ساقية يستقى منها الناس ويشربون منها، فلك أجرها بعد الموت. أو كذلك أوقفت مثلاً آلات تستخدم في الجهاد في سبيل الله جل وعلا. ومن ذلك أيضا كتب العلم توقف مكتبة أو كتباً يستفيد منها طلبة العلم، فلك أجرها بعد الموت. أو غيرها من الصدقات الجارية، أي: صدقة توقفها، فلك أجرها. والصدقة ينتفع بها الميت بإجماع أهل العلم. ينتفع بها الميت بإجماع أهل العلم. وهل يجب على الوارث أو الابن أن يتصدق على أبيه؟ لا، ليس بواجب. ليس بواجب، بل يستحب. فإن كان له مال فتصدق عليه من ماله، وإن لم يكن فلا بأس أن يتصدق عليه من مال نفسه. قال: «أو علم ينتفع به». كذلك أيضا مما ينتفع به الميت بعد موته العلم النافع. علم ينتفع به، قول «علم ينتفع به» يدل على أن هناك من العلم ما لا ينتفع به، وهي علوم الدنيا. فعلم الدنيا لا ينفع الإنسان بعد موته، وإنما العلم الذي ينتفع به بعد موته هو علم الكتاب والسنة، العلم الشرعي. وكل الأدلة التي وردت في فضل العلم والحث على العلم المراد بها العلم الشرعي. المراد بها العلم الشرعي. فالعلم كذلك مما ينتفع به الميت بعد موته إذا نشره أو علم أو صنف وألف، فذلك مما ينتفع به بعد الموت. وهذا دل على استحباب الإكثار من العلم، الإكثار من طلب العلم والحرص على العلم الذي ينتفع به. وهكذا أيضا الحرص على الصدقة والإنفاق؛ فإنه كذلك مما ينتفع به الميت. قال: «ولد صالح يدعو له». كذلك أيضا مما ينتفع به الميت الولد الصالح؛ فإن الولد الصالح هو من كسب الميت، هو من كسب الأب. فإذا خلف ولداً صالحاً، فإنه ينتفع بهذا الولد بالدعاء له والاستغفار له، كما مر معنا في حديث أبي هريرة: يرتفع العبد الدرجة، فيقول: أي رب، من أين هذه؟ فيقال: ولدك استغفر لك. وهكذا يتصدق عليك، فتنتفع بذلك. أو كذلك أيضا مما يفعله هذا الولد من الخير، وكذلك أيضا من فعل الطاعات؛ فإنه كذلك لك أجر في ذلك. كما قال نبي عليه الصلاة والسلام: «من دل على هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص من أجورهم شيئاً، لا ينقص من أجورهم شيئاً». فأنت إذا ربيت ولدك على الخير والطاعة والاستقامة وعلى العلم، فكان بعد ذلك ينتفع به الناس، فإنك تجد من ذلك الأجر؛ لأنك السبب في ذلك. الحاصل: هذه الأشياء مما ينتفع بها الميت بعد موته. وهكذا أيضا كذلك الصيام. إذا مات الإنسان عليه صيام واجب لم يقم بصيامه، فإنه يصوم عنه وليه، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من مات وعليه صيام صام عنه وليه». وهو مستحب، يعني أن يصوم عنه الولي، وليس بواجب على الصحيح بقول الله جل وعلا: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾. فإنما يستحب له أن يصوم عنه؛ لأنه دين في ذمته. يصوم عنه كذلك، ويحج عنه. وأنه يقبل تقسيم المال، وكذلك قبل الوصية ما يكفي للحج، فيحج عنه. بحيث ابن عباس في البخاري أن امرأة قالت: يا رسول الله، إن أمي ماتت ولم تحج، أفحج عنها؟ قال: نعم. وهل ينتفع الميت بقراءة القرآن؟ يقرأ القرآن ثم يهديه للميت. في إخلاف بين أهل العلم، وجماهير أهل العلم على أنه لا ينتفع به. أنه لا ينتفع بإهداء القرآن وثواب القراءة. وهذا هو مذهب الإمام الشافعي رحمه الله. واستدل بقول الله جل وعلا: ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾، ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾. وهذا هو الصحيح. ولأنه فذلك لم يكن من هدي السلف، كما أشار إليه الشيخ الإسلام رحمه الله: أنهم كانوا يهدون ثواب القراءة للأموات. ما كان من هذا من هدي السلف. فلهذا فإن الميت على الصحيح لا ينتفع بإهداء ثواب القراءة. والعجب ممن يدعي أنه من من ينتصر بمذهب الشافعي، ثم تجده يخالف الشافعي في هذه المسألة، وهي من مسائل كثيرة يخالف فيها الإمام الشافعي رحمه الله. فالإمام الشافعي يقول بعدم انتفاع الميت بثواب القراءة. وهكذا أيضا أئمة المذهب الشافعي يصرحون بذلك. ثم تجد من ينتسب إلى مذهب الشافعي زوراً وبهتاناً، وتجدهم يخالفون الشافعي في هذه المسألة، ويصرون ويتشددون وتتعصبون في هذه المسألة. ومسألة القراءة للأموات أو إهداء ثواب القراءة للأموات؛ فإنه على الصحيح لا يشرع القراءة على الميت لعدم ورود ذلك في حديث صحيح. وحديث: «اقرأوا على موتاكم يس». حديث ضعيف لا يصح. وهكذا أيضا إهداء الثواب، كما قلنا: ليس عليه دليل، ولم يكن من هدي السلف رحمهم الله أنهم يهدون ثواب القراءة. لكن إذا أردت أن تنفع الميت بشيء، فعليك بالصدقة عليه أو الدعاء له؛ فذلك ينتفع به بإجماع أهل العلم. والله تعالى أعلم.