التعليقات على كتاب الأدب المفرد 83

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 83، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

فضل الزيارة وتفقد الإخوان

يُبين فضل زيارة المسلم لأخيه المسلم وتفقد أحواله، ويستدل بقصة سلمان الفارسي وأم الدرداء. يُظهر الأثر الإيجابي للزيارة على الزائر والمزور.

أحكام الزيارة ودعوة الطعام

يروي زيارة النبي لأهل بيت من الأنصار وتناوله طعاما لديهم، ويستدل على جواز إجابة دعوة الطعام واستحبابها، كما يبين أحكام الصلاة في بيت غيره.

تعريف الحديث المقطوع وأمثلته

يشرح مفهوم الحديث المقطوع عند أهل الحديث، ويضرب مثالا على ذلك قول أبي العالية التابعي، ويبين أن هذا النوع من الأحاديث صحيح إلى قائله لكنه مقطوع.

  • 23 جمادى الأولى 1430هـ - 17/05/2009مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم قال الإمام البخاري رحمه الله في كتابه الأذب المفرد: حدثنا بشر بن محمد، قال: حدثنا عبدالله بن المبارك، وهو إمام أهل خراسان، عن ابن شوذب، قال: سمعت مالك بن دينار يحدث عن أبي غالب، عن أم الدرداء، قالت: زارنا سلمان من المدائن إلى الشام ماشيا، وعليه كساء واندو أو واندرود -قال- يعني سراويل مشمرة، قال: وهي أطول من التبان، يغطي الركبة، وهي كلمة عجمية. قال: يروى أن سلمان عليه كساء مطموم الرأس، مطموم الرأس أي جزه واستأصله، أخذ رأسه، أخرجه ساقط الأذنين، يعني أنه كان أرفش، والأرفش -قال- في النهاية: أرفش الأذنين، أي عريضهما، تشبيها بالرفش الذي يجرف به الطعام، يعني معنى العريض. فقيل له: شوهت نفسك، قال: إن الخير خير الآخرة. والحديث حسنه العلامة الألباني رحمه الله. دون قول ابن شوذب، فإنه معضل، يعني من قوله: قال ابن شوذب، فهذا معضل. وقول سلمان: إن الخير خير الآخرة، قال: صح مرفوعا، أي للنبي عليه الصلاة والسلام. وأصل القصة في الصحيح، في زيارة سلمان لأبي الدرداء. وهذا الحديث ذكره الإمام البخاري رحمه الله في باب الزيارة، وأراد أن يسدل به على فضل الزيارة، وأن السلف كانوا يتزاورون، كان يزور بعضهم بعضا، فهذا سلمان يزور أبا الدرداء رضي الله تعالى عنه. ومر معنا في حديث ابن هريرة فضل الزيارة، وأن من عاد أو زار أخا له في الله، نداه مناد أن طبت وطاب ممشاك، وتبوأت من الجنة منزلا. وهذا يدل على استحباب الزيارة وتفقد الأخ لأخيه إذا رآه غائبا زاره، ربما يكون مريضا فيحتاج إلى معاونة، وربما يكون غيابه عن فتور فيحتاج إلى نصح وإلى من يعينه لطاعة الله سبحانه وتعالى. وهكذا تشد من أزره، مع كذلك ما تجد من الأجر والثواب، فالزيارة لها أثر عظيم، لها أثر عظيم في الزائر والمزور، فلهذا حث عليها الشرع. قال: باب من زار قوما فطعم عندهم. حدثنا محمد بن سلام، قال: حدثنا عبد الوهاب، عن خالد الحذاء، عن أنس بن سيرين، وهو من التابعين، وله إخوة كذلك محدثون، خمسة نساء ورجال من بيت آل سيرين، كلهم من أهل الحديث، قال: عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم زار أهل بيت من الأنصار، فطعم عندهم طعاما، فلما خرج أمر بمكان من البيت فنضح له على بساط، فصل عليه ودعا لهم. والحديث صحيح، وأصله في البخاري مطولا، وفيه أيضا بعض الزيادات. فهذا الحديث فيه إخبار أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام زار أهل بيت من الأنصار، وهذا يدل على تواضع النبي عليه الصلاة والسلام، فهو رسول الله وإمام المسلمين وهو الأمير، ومع ذلك كان عليه الصلاة والسلام يزور يزور أصحابه ويتفقدهم. وجاء في رواية الصحيحين أن التي دعته للطعام هي جدة أنس، مليكة، فأجابها النبي عليه الصلاة والسلام. وستدل به العلماء على جواز إجابة دعوة الطعام ولو كانت الداعية امرأة إذا أمنت الفتنة، إذا أمنت الفتنة كان يدعى إلى طعام مع حضور محارم هذه المرأة، فلا شيء في ذلك. وهكذا أيضا على استحباب إجابة دعوة الطعام ولو كانت غير الوليمة، فالوليمة إجابتها واجبة كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: إذا دعي أحدكم إلى وليمة فليجب، فإن لم يفعل فقد عصى الله ورسوله. وأما غير الوليمة فإجابتها مستحبة ولا تجب. فالنبي عليه الصلاة والسلام زارهم في بيتهم، قال: فطعم عندهم طعاما، أي قربوا للنبي صلى الله عليه وسلم طعاما فأكل عليه الصلاة والسلام. فلما خرج أمر بمكان من البيت فنضح له على بساط، فصلى عليه ودعا لهم، أي بعد أن طعم صلى النبي عليه الصلاة والسلام في مكان من البيت نضح له على بساط، يعني ما يبسط ويوضع على الأرض من حصير وغيره. وجاء في بعض الروايات أنه جاء له بحصير، والحصير هو ما كان يغطي أو كان على طول المصلي فما زاد، ما كان على طول الرجل وإن نقص عن ذلك فهو الخمرة، ما نقص عن ذلك فهو الخمرة. وأسدل العلماء بذلك على استحباب تنظيف المكان للصلاة، تنظيف المكان للصلاة، ولو كان المكان طاهرا فلا بأس أن يبسط شيئا أو يفرش ثوبا فيصلي عليه. وإذا صلى مباشرة على الأرض فهو جائز، والأصل في الأرض الطهارة كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا. فالأصل أن الأرض طاهرة حتى تتيقن النجاسة، حتى تتيقن النجاسة، فلك أن تصلي في الأرض مباشرة، ولك أن تفرش شيئا وتصلي عليه من فراش أو حصير أو غير ذلك مما هو طاهر. قال: فصلى عليه. وجاء في الرواية الأخرى أنه صلى عليه الصلاة والسلام بأنس واليتيم والعجوز، أنه صلى بهم جماعة، قال أنس: فقمت أنا واليتيم خلفه، والعجوز من ورائنا. وستدل العلماء به على جواز صلاة النافلة جماعة أحيانا، يجوز أن تصلى النافلة جماعة أحيانا لفعل النبي عليه الصلاة والسلام حين صلى مع أنس واليتيم والعجوز. وهكذا أيضا حين صلى معه ابن مسعود، حين صلى مع النبي عليه الصلاة والسلام، قال: فقام قياما طويلا. وهكذا أيضا حين صلى معه ابن عباس عندما بات عند خالتي ميمونة، وكل هذه الأحاديث في الصحيحين، فسدل العلماء على جواز ذلك أحيانا. وأما الاستمرار عليه فليس من السنة، الاستمرار على صلاة النافلة جماعة، وإنما أحيانا فلا بأس، وتستحب في رمضان، تستحب في رمضان لفعل النبي عليه الصلاة والسلام والصحابة. قال: ودعا لهم، أي بعد أن صلى عليه الصلاة والسلام دعا لهم. وهذا كذلك يدل على استحباب أن يدعو الإنسان لمن أطعمه، وكان هذا من هدي النبي صلى الله عليه وسلم، وأرشد عليه الصلاة والسلام أن يدعو أن يدعو الإنسان لمن أطعمه أن يقول كما قال عليه الصلاة والسلام: أطعم الله من أطعمنا وسق الله من سقانا. أو يقول: اللهم بارك لهم فيما رزقتهم واغفر لهم وارحمهم، يدعو لهم كما كان النبي عليه الصلاة والسلام يدعو. والشاهد من الحديث ظاهر، وهو زيارة النبي عليه الصلاة والسلام لهذا البيت من الأنصار، وطعامه عندهم، أي أنه طعم عندهم عليه الصلاة والسلام، فيدل على جواز ذلك أن يزور الإنسان قوما ويأكل عندهم. قال: حدثنا علي بن حجر، قال: حدثنا صالح بن عمر الواسطي، عن أبي خلدة، قال: جاء عبد الكريم أبو أمية إلى أبي العالية، وعليه ثياب صوف، فقال له أبو العالية: إنما هذه ثياب الرهبان، يعني العباد، إن كان المسلمون إذا تزاوروا تجملوا. والحديث صحيح إلى أبي العالية، وأبو العالية تابعي. وماذا يسمى هذا الحديث عند أهل الحديث؟ يقال له حديث مقطوع، ما قاله التابعي فمن دونه، موقوف على التابعي فمن دونه من قوله، فهو مقطوع، يقال له حديث مقطوع.