الدرس في شرح الأصول من علم الأصول 12، الدرس الثاني عشر:من( من يدخل في الخطاب بالأمر والنهي ... إذا لم يرض صاحب الحق بسقوطه والله أعلم ). ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يُعرَّف المكلف بأنه البالغ العاقل، ولا يُكلف الصغير والمجنون تكليفًا مساويًا للبالغ العاقل. يشمل التكليف المسلمين والكفار، لكن الكافر لا تصح منه العبادة حتى يسلم.
تتناول موانع التكليف في الإسلام، وهي الجهل والنسيان والإكراه، وكيف تمنع المؤاخذة على الأفعال المحرمة أو ترك الواجبات. يُستدل على ذلك بأدلة من القرآن والسنة النبوية.
الإكراه يبيح الفعل المحرم أو ترك الواجب بشروط، والخطأ والنسيان يعفى عنهما ولا يترتب عليهما إثم. يُفهم من ذلك تأثير هذه الأعذار على المسؤولية أو الواجبات المفروضة.
بسم الله الرحمن الرحيم قال العلامة ابن القيم رحمه الله في كتاب الأصول في علم الأصول: قال: من يدخل في الخطاب بالأمر والنهي؟ قال: الذي يدخل في الخطاب بالأمر والنهي المكلف، وهو البالغ العاقل. ومرة معنى أن لفظ المكلف لم يرد في الشرع إلا على وجه النفي، فلهذا كان الأولى أن يترك مثل هذا اللفظ، نبه شيخ الإسلام رحمه الله. ومع ذلك قد يستعمل له أهل العلم، كثرة استعماله وصار هذا اللفظ يطلق ويراد به البالغ العاقل، ولهذا قال: المكلف وهو البالغ العاقل. فالذي يدخل في الخطاب ويوجه إليه الخطاب البالغ العاقل. قال: فخرج بقولنا البالغ الصغير، فلا يكلف بالأمر والنهي تكليفًا مساويًا لتكليف البالغ، ولكنه يؤمر بالعبادات بعد التمييز تمرينًا له على الطاعة، ويمنع من المعاصي ليعتاد الكف عنها. فالصغير لا يكلف بالأمر والنهي تكليفًا مساويًا لتكليف البالغ، يعني من حيث الإلزام والإتيان به على وجهه الأكمل وعدم تقصير فيه وعدم تركه، لا لأنه غير مخاطب بالأمر والنهي، الكوني صغير. ودليل ذلك حديث علي رضي الله تعالى عنه في السنن: رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يحتلم، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق. فالقلم مرفوع عنه، ومع ذلك فإنه يؤمر بالعبادات بعد التمييز؛ تمرينًا له على الطاعة. وغالبًا أن سن التمييز هو السن السابع. ولهذا جاء في حديث «مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرقوا بينهم في المضاجع». وهذا الأمر موجه لأولياء الأمور، فيجب عليهم أن يأمروا أولادهم بهذه الطاعة والعبادة حتى يتمرنوا عليها. وهكذا أيضًا كذلك يمنعونهم من المعاصي؛ ليعتادوا على ذلك. إذا فعل شيء محرم فإنه ينهى حتى يتعود على ترك الحرام. هذا جاء في الصحيحين حين أخذ الحسن بن علي تمرة من تمر الصدقة، أخذها النبي صلى الله عليه وسلم فألقى بها وقال: «كخ كخ، ألا تعلمون أن آل محمد لا تحل لهم الصدقة؟» هذا من باب التمرين، مع أنه غير مكلف صغير، لكن من باب التعود على ترك الحرام والابتعاد منه. قال: وخرج بقولنا العاقل المجنون، فلا يكلف بالأمر والنهي؛ لحديث علي كما سمعنا: «المجنون حتى يفيق». المجنون ليس له عقل، ما يدرك الأوامر والنواهي، ولا يعقلها ولا يحسنها، فلهذا لا يوجه له الخطاب. قال: ولكنه يمنع مما يكون فيه تعد على غيره أو إفساد، إذا كان هذا المجنون عنده تعدي يتعدى على الآخرين، إما بضرب أو بإتلاف مال أو بغير ذلك، فإنه يمنع كما تمنع البهيمة، يمنع كما تمنع البهيمة من التعدي على الآخرين. قال: ولو فعل المأمور به لم يصح منه الفعل؛ لعدم قصد الامتثال منه. يعني لو أن مجنونًا توضأ ودخل المسجد وصلى، لا تقبل منه الصلاة؛ لأنه ليس له عقل وليس له قصد ولا يفهم معنى هذه العبادة، فوجوده وعبادته عبارة عن عبث، عبارة عن عبث لا تقبل منه. قال: ولا يلزم على هذا إيجاب الزكاة والحقوق المالية في مال الصغير والمجنون. يعني قد يقول قائل: إذا كان الصبي والمجنون لا تقبل منهم العبادة ولا يؤمرون بالواجبات وينهون عن المحرمات، فكيف تجب الزكاة في أموالهم؟ كيف تجب الزكاة في أموالهم؟ قال: لا يلزم على هذا إيجاب الزكاة والحقوق المالية في مال الصغير والمجنون؛ لأن إيجاب هذه مربوط بأسباب معينة، متى وجدت ثبت الحكم، فهي منظورة فيها إلى السبب لا إلى الفاعل. يعني أن إيجاب الزكاة في مال الصبي والمجنون ليس معلقًا بصاحب المال، وإنما ينظر فيها إلى الأسباب التي عينها الشرع، فمتى وجدت هذه الأسباب وجد حكمها، دون النظر إلى مالكها. ومعنى أخص أو أظهر أن إيجاب الزكاة في الأموال هذا من خطاب الوضع، ليس من خطاب التكليف. وخطاب الوضع لا يشترط فيه التكليف، هي عبارة عن أسباب وشروط وضعها الشرع، متى ما وجدت ترتبت عليها آثارها. فالمال متى ما بلغ النصاب وحال عليه الحول وجب فيه الزكاة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «تأخذون من أغنيائهم وتردون على فقرائهم». هذا حكم يتعلق بالمال، فالذي يملك النصاب فهو غني، وإن كان مجنونًا أو صبيًا يجب إخراج الزكاة من هذا المال، يخرجها وليه عنه. فهذا منظور فيه إلى السبب لا إلى الفاعل، يعني إلى السبب الموجب لهذا الحكم، وهو بلوغ النصاب وحولان الحول. قال: والتكليف بالأمر والنهي شامل للمسلمين والكفار. يعني أن الأوامر والنواهي تعم المسلم وتعم الكافر، فالكافر كذلك مأمور بفعل الواجبات وترك المحرمات، ولذلك كما سيأتي أنه يعاقب على ترك الواجبات وفعل المحرمات، فدل ذلك على أنه مخاطب بها، لكن لا تصح منه حتى يسلم. قال: لكن الكافر لا يصح منه فعل المأمور به حال كفره؛ بقوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ يعني إذا أراد أن يصلي الكافر، نقول له: أسلم أولًا، أتي بالشهادتين ثم بعد ذلك صلِّ. أما إن صليت وأنت كافر، ما تقبل منك الصلاة، أو تصدقت وأنت كافر، ما تقبل منك الصدقة، لا بد أولًا من الإسلام. قال: ولا يمر بقضائه إذا أسلم؛ لقوله تعالى: ﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ وَإِن يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ﴾ وقوله صلى الله عليه وسلم لعمر بن العاص: «أما علمت يا عمر أن الإسلام يهدم ما كان قبله؟» والحديث في الصحيحين حين أراد أن يسلم فأتى النبي صلى الله عليه وسلم ليبايعه فمد يده، فلما مد النبي صلى الله عليه وسلم يده قبض يده، قال: «ما لك يا عمر؟» قال: «يا رسول الله، أشترط». قال: «ماذا؟» قال: «أن يغفر لي». فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله؟» فإذا أسلم الكافر فإن هذا الإسلام يهدم كل ما كان قبل الإسلام، فلا يؤمر بقضاء الواجبات التي تركها من صلاة وصيام وغير ذلك. وهذا من رحمة الشرع والترغيب في الإسلام؛ لأن الكافر إذا علم أنه إذا أسلم لا يؤمر بشيء مما قد فاته، هذا يرغبه في الإسلام، بخلاف لو كان يؤمر بقضاء كل ما فاته، هذا ربما يجعله يحجم عن الإسلام ويترك الإسلام، إذا كان مثلًا عمره خمسين سنة أو أربعين سنة وهو ما يصلي، فإذا أسلم أمر مثلًا بأن يصلي صلوات كثيرة، هذا في مشقة عظيمة. فلذلك كان من حكمة إسقاط القضاء على الكافر إذا أسلم. قال: وإنما يعاقب على تركه إذا مات على الكفر. يعني على ترك الواجبات وفعل المحرمات إذا مات على الكفر؛ بقوله تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُن مِّنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُن نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ حَتَّىٰ أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ فدلت هذه الآية على أن الكافر يعذب ويعاقب على فعل المحرمات وترك الواجبات. ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُن مِّنَ الْمُصَلِّينَ﴾ هذا ترك واجب، ما كانوا من المصلين. ﴿وَلَمْ نَكُن نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ ما كانوا يطعمون المساكين والصدقات. ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾ الذين يخوضون في آيات الله ويخوضون في دين الله سبحانه وتعالى، إلى آخر ذلك من الأمور المحرمة. وهكذا أيضًا يكذبون بيوم الدين، أي يوم القيامة. ﴿حَتَّىٰ أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ عن الموت. فإذا قال قائل: هم دخلوا النار بسبب كفرهم وإنكارهم للمعاد، و﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ فالجواب: أنه لو لم يكن من عقابهم تركهم لهذه الواجبات من الصلاة والإطعام وغير ذلك لكان ذكرها في هذه الآية عبث، لكان ذكرها في الآية عبثًا. فلما ذكرت علم أنهم عوقبوا على تركها، فأعلم بذلك أن الكافر مخاطب بأوامر الشرع ونواهيه، لكن لا تقبل منه حتى يسلم. قال: موانع التكليف. قال: للتكليف موانع منها: الجهل، والنسيان، والإكراه. هذه موانع تمنع من التكليف، يعني من المؤاخذة. قال: لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه». رواه النعمان بن بشير والبيهقي، وله شواهد من الكتاب والسنة تدل على صحته. وهذا الحديث حسنه بعض أهل العلم، وبعض الأئمة منتقدوه، كأبي حاتم والإمام محمد بن الحسن انتقده. ومع ذلك فمعناه صحيح، له شواهد كثيرة في الكتاب والسنة تدل على صحته أو صحة معناه. فالخطأ مثلًا: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ وهكذا أيضًا النسيان: الآية التي سمعنا. والإكراه: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ أو يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ فدلت هذه الأدلة وغيرها على أن الخطأ والنسيان والإكراه من الموانع التي تمنع التكليف. قال: فالجهل عدم العلم. الجهل عدم العلم، يعني عدم العلم بأن هذا الشيء واجب أو أنه محرم. قال: فمتى فعل المكلف محرمًا جاهلًا بتحريمه فلا شيء عليه. إنسان شرب الخمر بعد أن أسلم وهو يجهل أنه حرام، فلا شيء عليه. وهكذا سائر المحرمات. قال: كمن تكلم في الصلاة جاهلًا بتحريم الكلام. كمن تكلم في الصلاة جاهلًا بتحريم الكلام، يجهل أن الكلام في الصلاة حرام فتكلم، فصلاته صحيحة. ودليل ذلك حديث معاوية رضي الله تعالى عنه في صحيح الإمام مسلم حين تكلم في الصلاة، عطس الرجل من القوم فقال: «ويرحمك الله». قال: «فرماني القوم بأبصارهم». يعني الصحابة رضي الله تعالى عنهم. قال: «فقلت: واثكل أمياه». وفي الصلاة. قال: «فجعلوا يضربون بأفخاذهم؛ ليسكتوني، لكني سكت». قال: «فلما فرغت من صلاتي». بأبي وأمي. «ما رأيتُ علما قبله ولا بعده، مثله قط». ما كذبني ولا استمني. قال: «إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هي ذكر وتلاوة قرآن». والشاهد أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمره بإعادة الصلاة، لم يأمره بإعادة الصلاة. فدل ذلك على أن الجهل عذر من الأعذار. ولو كان قد أمره أن يسلم بالإعادة لنقل، لو قال: «ربما أمره». قلنا: لو أمره لنقل؛ لأن هذا شرع ودين، فلا بد أن ينقل. فعدم النقل علم بذلك أنه لم يأمره بالإعادة. قال: ومتى ترك واجبًا جاهلًا بوجوبه لم يلزمه قضاؤه إذا كان قد فات وقته. إذا ترك واجبًا جاهلًا بوجوبه وذهب، خرج وقته هذا الواجب، فلا يلزمه قضاؤه. قال: إذا كان قد فات. قال: بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر المسيء في صلاته، وكان لا يطمئن فيها، لم يأمره بقضاء ما فات من الصلوات، وإنما أمره بفعل الصلاة الحاضرة على الوجه المشروع. أي في حديث المسيء في صلاته، وهو حديث مشهور معروف في الصحيحين. فإن سلم، ما أمره بقضاء الصلوات التي صلاها على هذه الحال بعدم اطمئنان، والإطمئنان ركن، وكان يصلي بغير اطمئنان. إنما أمره بفعل الصلاة الحاضرة. فدل ذلك على أن فعل أو ترك الواجب جهلًا وخرج وقته، فإنه لا إعادة، فإنه لا إعادة. بخلاف إذا كان الوقت موجودًا، فيعيد. قال: والنسيان ذهول القلب عن شيء معلوم. فمتى فعل محرمًا ناسيًا فلا شيء عليه. كمن أكل في الصيام ناسيًا. يعني نسي أنه صائم فأكل، هذا لأنه يشفع المحرم الأكل في نهار رمضان، حرام على الصائم. لكن إذا كان ناسيًا فلا شيء عليه، صومه صحيح، ولا إثم عليه فيه. في الصحيحين: «من نسي وهو صائم فأكل أو شرب، فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه». فالنسيان عذر، فإذا فعل المحرم ناسيًا فلا شيء عليه. ومثل من جامع وهو ناسي أنه صائم، هذا على الصحيح قد يقع، وحكمه حكم الأكل والشرب. فإذا كان ناسيًا فصومه صحيح. قال: ومتى ترك واجبًا ناسيًا فلا شيء عليه حال نسيانه، ولكن عليه فعله إذا ذكره؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها». إذا ترك الواجب ناسيًا فلا شيء عليه، يعني لا إثم عليه. ما عليه إثم. إنسان نسي أن يصلي صلاة الظهر حتى خرج وقتها، هل عليه إثم؟ ما عليه إثم. لكن عليه متى ما ذكر أن يصليها. متى ما ذكر أن يصليها. «من نام عن صلاة ونسيها فوقتها حين يذكرها». ففعل المحظور ناسيًا يسقط الإثم والحكم. وترك المأمور ناسيًا يسقط الإثم، ولا يسقط الحكم. وبهذا نعلم هذه القاعدة التي ذكرها العلماء: أن فعل المحظور جاهلًا أو ناسيًا يسقط الإثم والحكم. فعل المحظور جاهلًا أو ناسيًا يسقط الإثم والحكم. كمن أكل أو شرب في نهار رمضان وهو صائم، يسقط الإثم، يعني لا يأثم، ويسقط الحكم، فصومه صحيح. وترك المأمور جاهلًا أو ناسيًا يسقط الإثم، ولا يسقط الحكم. يسقط الإثم، ولا يسقط الحكم. هذا في ترك المأمور، يعني ترك الواجبات؛ لحديث المسيء بصلاته، أمر بإعادة الصلاة. هذا إذا كان الوقت باقيًا. وإذا كان الوقت قد ذهب فلا يعيد في المأمور. وأما في النسيان فإنه متى ما ذكر يأتي بهذا المأمور. إذا ترك هذا المأمور نسيانًا، يسقط عنه الإثم، ولا يسقط عنه الحكم. يسقط عنه الإثم، ولا يسقط عنه الحكم. إنسان مثلًا نسي أن يغسل عضوًا من أعضائه في الوضوء، ثم ذكر بعد أن صلى. هنا نقول: عليه إعادة الوضوء، يعيد الوضوء، يعيد الصلاة. يدخل في عموم الحديث: «من نام عن صلاة ونسيها فوقتها حين يذكرها». متى ما ذكر يتوضأ ويعيد الصلاة؛ لأن هذا نسيان. بخلاف إذا كان جهلًا، وحصل عن جهل وخرج الوقت، فإن لم يكن عليه قضاء؛ لأنه جاهل، يفترض في رمضان، وفي المسلم جديد يفترض، يجهل، جهلًا ما يمكن إعادته. لكن لا إذا أخطأ جهلًا وما زال الوقت، مثلًا يمسك، يمسك بعد ذلك ويستمر في الصيام، ويكون حكمه حكم الجاهل بالناس، فهو يعذر بجهله. مثل من تكلم في الصلاة، الصلاة صحيحة بسبب جهله. قال: والإكراه إلزام الشخص بما لا يريد، إلزام الشخص بما لا يريد. يعني يكره ويرغم على فعل هذا الشيء من غير إرادة ومن غير قصد ورغبة. قال: فمن أكره على شيء محرم فلا شيء عليه. أن من أكره على شيء محرم فلا شيء عليه. لكن لا بد أن يكون هذا الإكراه صورة صحيحة، يعني يكون المكره له ممن عنده قدرة على الإضرار به، إما لكونه سلطانًا أو لكونه مثلًا يحمل سلاحًا، يستطيع ويقدر أن يبطش به أو يقتله أو يحبسه، إلى آخر ذلك من صور الإكراه. فحينئذ يجوز له فعل هذا الشيء الذي أكره عليه. قال: كمن أكره على الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان، يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ يعني من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان فلا شيء عليه، إذا تكلم بكلمة الكفر أو فعل الكفر. هذه رخصة من الله سبحانه وتعالى، لكن بشرط أن يكون قلبه مطمئنًا بالإيمان. أما إذا شرح صدره للكفر فيكفر، فيكفر حينئذ ولا يعذر بالإكراه. وهذا يرجع فيه طبعًا إلى الأصلح، فإن كان الأصلح أنه يكفر ولا يترتب على ذلك مفسدة عظيمة، هذا جائز. وإن كان الأصلح عدم ذلك والصبر ولو قتل، فهذا الذي ينبغي؛ كما فعل الإمام أحمد رحمه الله لما كان في امتحانه، محنة عظيمة للمسلمين. ولو تابعهم على ذلك لحصلت مفسدة عظيمة من متابعة كثير من الناس له في تلك المقالة، والقول بخلق القرآن. صبر رحمه الله، حتى فرج الله سبحانه وتعالى عنه. فذلك ينظر في الأصلح في ذلك. ما في شيء، له ذلك. قتل، قتل إذا صبر، هذا أمر طيب. إن شاء الله يكون شهيدًا. لكن هذه رخصة فقط إذا أراد مثلًا أن يفك نفسه من هذا الشر. فرق الله سبحانه وتعالى الشر أن يتكلم بكلمة الكفر. مثل بلال رضي الله تعالى عنه لما ابتلي الصحابة، ما من أحد منهم إلا أجابهم إلى ما أراد إلا بلال، صبر. أخذ بحر الرمضاء وضغط عليه بالحجارة، ويقول: «أحد أحد». ما تابعهم أبدًا. قال: ومن أكره على ترك واجب فلا شيء عليه حال الإكراه، وعليه قضاؤه إذا زال. كمن أكره على ترك الصلاة حتى خرج وقتها، فإنه يلزمه قضاؤها إذا زال الإكراه. إذا أكره على ترك واجب فلا شيء عليه. كمن أكره على ترك الصلاة، يجب أن يصلي فأكره ومنع من ذلك، حبس أو ربط أو آخر ذلك، مثل هذه الأفعال التي فيها الإكراه، فلا شيء عليه. فهو بين أمرين: إما أنه يقضيها بعد ذلك إذا كان مثلًا يعلم أن هذا الإكراه مؤقت ويمكن قضاؤه بعد ذلك، فعل. وإذا كان يعلم أن هذا الإكراه مستمر، فيصلي على حاله. لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها. ويمكن أن نعلم أنه يفرق بين الإكراه فيما يتعلق بحق الله سبحانه وتعالى، وفيما يتعلق بحق المخلوقين. فما يتعلق بحق الله عز وجل فإنه مبني على المسامحة. ما يتعلق بحق الله مبني على المسامحة. أكره الإنسان على قول الكفر، فله ذلك، يجوز له أن يتكلم بكلمة الكفر. أكره على السجود لغير الله، فله أن يفعل ذلك. أو الذبح لغير الله، أو غير ذلك من الأفعال التي تتعلق بحق الله سبحانه وتعالى، فله أن يفعله؛ لأن ذلك مبني على المسامحة والمجاوزة. أما ما يتعلق بالمخلوقين فإن كان يتعلق بالأقوال، فهذا قد يتسامح فيه. إذا كان يتعلق بالأقوال، فيتسامح فيه. أكره مثلًا على اتهام شخص مثلًا بأنه أخذ شيء، أو بالكلام في شخص، أو مع ذلك مما لا ترتب عليه سفك دم، أن هذا لا يجوز، كما سيأتي. وأما ما يتعلق بالأفعال، فإذا كان فيه اعتداء على عرض أو دم فلا يجوز. أكره إنسان على قتل شخص: «اقتل فلانًا وإلا قتلناك». هنا ما يجوز له أن يقتله، لا يجوز له أن يقتله؛ لماذا؟ قال العلماء: لأن نفس هذا القاتل بأولى من نفس المقتول، فلا يهدي نفسه بنفس غيره، لا يهدي نفسه بنفس غيره. والضرورات تقدر بقدرها، الضرورات تبيح المحظورات بشرط عدم نقصانها عنها. فإذا لم تكن الضرورة أعظم مما وقع فيه، وهنا لا يجوز ارتكابها. ومثل لو اعتدى أو أكره على اعتداء بعرض، كان يزني بامرأة عفيفة، وهنا لا يجوز. أما إذا كان الإكراه على فعل ليس فيه اعتداء على دم أو عرض، فهنا يجوز مع الضمان. يعني مثلًا أكره على سرقة شاة، أو على ذبح شاة، أو على أخذ سيارة، أو نحو ذلك. هذا يجوز، لكنه يضمن ما أتلفه، يضمن ما أتلفه؛ لأن هذا يمكن استدراكه. بخلاف القتل والزنا ونحو ذلك، هذه أمور لا يمكن استدراكها، فلا يجوز فعلها في وقت الإكراه. قالوا: تلك الموانع إنما هي في حق الله؛ لأنه مبني على العفو والرحمة. أما في حقوق المخلوقين فلا تمنع من ضمان ما يجب ضمانه، إذا لم يرض صاحب الحق بسقوطه. وهذا يدل على أن هذا الكلام في غير الأعراض والدماء، إنما في الأموال. إذا أكره على أخذ مال أو إتلاف مال، فهنا يأخذه مع الضمان، إذا لم يرض صاحب الحق. إذا لم يرض صاحب الحق. أخذ شاة إكراهًا، فجاء صاحب الشاة يطالب، فإذا قال: «أنا أكرهت على ذلك، وفعله بغير إرادتي». فعفا عنه وتنازل، الحمد لله. والذي ما تنازل، فإنه يعطيه حقه، ثم يرجع على من أكرهه على ذلك. وأما من حيث الإثم فليس عليه إثم؛ لأنه مكره، فلا يأثم. فيكون في ذلك قد عفي عنه بوجود مانع من موانع التكليف. ومثل ذلك أيضًا الخطأ من الموانع. كذلك الخطأ: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ وفي حديث الصحيحين في قصة ذاك الرجل الذي ضلت راحلته عليه، طعامه وشرابه. لما وجدها قال: «اللهم أنت عبدي وأنا ربك». أخطأ من شدة الفرح، هذا القول كفر، لكن لما صدر عن خطأ عذر. فالخطأ كذلك من الأعذار والموانع للتكليف.