شرح رسالة لطيفة في أصول الفقه 17

الدرس في شرح رسالة لطيفة في أصول الفقه 17، ألقاها

مقدمة في قاعدة الضرورات تبيح المحظورات

يبدأ الشرح بقاعدة الضرورات تبيح المحظورات للإمام السعدي، حيث يبين أن المحظورات التي حرمها الشرع تبيح عند الضرورة. يفرق بين المحظورات الراتبة والعارضة مع تقديم أمثلة على كل نوع.

تقدير الضرورة وحدود إباحة المحرمات

الضرورة تبيح المحرمات ولكن تقدر بقدرها لتخفيف الشر. تشمل أمثلة على ذلك أكل الميتة عند الجوع الشديد، ولمس المرأة الأجنبية عند الضرورة القصوى، وشرب ما هو محرم عند العطش الشديد، ولبس الحرير للرجل عند وجود حاجة مرضية.

شروط وضوابط إباحة المحرمات عند الضرورة

يشرح كيف أن الضرورة تبيح المحرمات مع ذكر شروط إباحة المحرمات في حالات الضرورة، وهي أن يكون الضرر متحققًا، وأن يكون رفع الضرر ممكنًا بارتكاب المحظور، وألا يكون هناك بديل آخر، وأن يقتصر على قدر الضرورة.

ضابط الضرورة وارتكاب المحظور

ضابط الضرورة يبيح ارتكاب المحظور إذا كان هناك ضرر على أحد الضرورات الخمس للإنسان. يُشترط أن يكون الضرر على الدين أو النفس أو المال أو العقل أو العرض لارتكاب المحظور.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، وقفنا عند قول الإمام السعدي رحمه الله في ذكره لقاعدة الضرورات تبيح المحظورات، قال: «والخبائث التي حرمها إذا اضطر إليها العبد فلا إثم عليه»، فالضرورات تبيح المحظورات الراتبة والمحظورات العارضة. قوله: «والخبائث التي حرمها إذا اضطر إليها العبد فلا إثم عليه»، يعني الخبائث التي حرمها الشرع، كأكل الميتة وشرب الخمر وغيرها من الأمور الخبيثة، إذا اضطر إليها العبد، بلغ مبلغ الضرورة واضطر إلى استعمالها، فلا إثم عليه، ليس عليه شيء من الإثم والوزر، كما في قول الله جل وعلا: ﴿إلا ما اضطررتم إليه﴾، يعني فليس عليكم فيه إثم. قال: «فالضرورات تبيح المحظورات الراتبة والمحظورات العارضة»، والمحظورات العارضة، المحظورات الراتبة يعني ما حرم لأصله، ما حرم لأصله كالميتة والخمر، هذه محرمة في أصلها، ليس تحريمها لعارض، فهي محرمة من أصلها، لا يجوز استعمالها، فتباح عند الضرورة. والمحظورات العارضة كسفر المرأة بلا محرم، أصل السفر مباح، لكن لا يجوز للمرأة أن تسافر بلا محرم، لنهي النبي عليه الصلاة والسلام عن ذلك، «لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم»، فإذا اضطرت إلى السفر بلا محرم جاز لها ذلك، وأبيح لها السفر بلا محرم، مثلا سافرت امرأة مع زوجها في بلد من البلاد البعيدة، ثم مات زوجها، ولا يمكن أن يأتي أحد من أهلها أو أقاربها ليأخذها، فهنا ضرورة، يجوز لها أن تسافر بلا محرم. ومثل ذلك ما حصل للمهاجرات اللاتي هاجرن من مكة إلى المدينة، كانت المرأة تهاجر بلا محرم؛ لأنها مضطرة إلى ذلك، يكون زوجها كافرًا وهي لا تريد أن تبقى مع هذا الكافر أو في دولة الكفر، فأجاز لها الشرع أن تسافر وتهاجر بلا محرم، وأقر النبي صلى الله عليه وسلم أولئك المهاجرات اللاتي هاجرن بدون محرم؛ لأن هذا من باب الضرورة، هذا معنى قوله «المحظورات العارضة»، يعني التي لم تحرم لأصلها، وإنما حرمت لتحريم ذرائع، أو تحريم ما يؤدي إلى ذلك، سدًا للذريعة. كلا النوعين تبيح الضرورة، قال: «والضرورة تقدر بقدرها تخفيفًا للشر»، وهذه القاعدة هي من فروع القاعدة الكلية «الضرر يزال»، فإن من فروعها أن الضرورة تقدر بقدرها، الضرورة تقدر بقدرها، يعني إذا اضطر الإنسان إلى فعل المحظور، فإنه لا يرتكب منه إلا بقدر ما ترتفع به الضرورة، لا يرتكب منه إلا بقدر ما ترتفع به الضرورة. كحال من أصيب بالجوع المفرط وخشي على نفسه الهلاك، جاز له أن يأكل من الميتة ما يرتفع به هذا الجوع، وتدفع به هذه الضرورة. كذلك أيضًا مثلا لمس المرأة الأجنبية محرم، لا يجوز أن يلمس الرجل امرأة أجنبية، فإذا اضطر إلى ذلك، إمرأة مثلا في بيت احترق، وإن لم تنقذ لهلكت احترقت، ولا يجد مثلا أحد من محارمها، جاز لهذا الأجنبي أن ينقذها، وأن يمسها بقدر ما تندفع به هذه الضرورة، ويتقي الله سبحانه وتعالى ما استطاع. ومثله إذا غرقت واضطر إلى إنقاذها، فإنه سيمس منها ما تندفع به الضرورة. والموصل من ذلك هو تخفيف الشر؛ لأنه لو تركت ستموت، ولا شك أن هذه مفسدة أعظم، تركها حتى تهلك مفسدة أعظم من مسها أو مس شيء من جسدها لأجل إنقاذها. قال: «فالضرورة تبيح المحرمات من المآكل والمشارب والملابس وغيرها»، الضرورة تبيح المحرمات من المآكل كما سمعنا، أكل الميتة والخنزير وغيرها من المآكل المحرمة، تبيحها الضرورة، والمشارب كالخمر والنبيذ المسكر وغيرها مما من المشارب المحرمة، إذا اضطر إليها الإنسان، شرب البول إذا مثلا عطش عطشًا شديدًا وليس عنده ماء وخشي على نفسه الهلاك، فإنه يجوز له أن يشرب بوله للضرورة. وهكذا لبس الملابس المحرمة للضرورة، يعني يلبس الملابس المحرمة كلبس الحرير للرجل، الرجل يحرم عليه أن يلبس الحرير، لكن إذا اضطر إلى ذلك، عنده مرض في جسده وفي بشرته كالجرب ونحوه من الأمراض التي لا يصلح معها شيء من الثياب إلا الحرير، جاز له أن يستعمله لدفع هذا الضرر. كذلك أيضًا لبس الذهب إذا مثلا ذهب عضو من الإنسان، ولا يمكن إبداله إلا بذهب كالأنف مثلا إذا قطع وأريد أن يبدل، ولا ينتفع أو لا يمكن أن يقوم مقامه إلا الذهب؛ لأن الفضة هو ما يتنتن، ما ينفع، فهنا يجوز له استعمال الذهب للضرورة، مع أن استعمال الذهب محرم للرجال، لكن هذا لأجل الضرورة يجوز. مثله مثلا نبش قبر الميت، الأصل أنه محرم، ما يجوز، لكن إذا كانت هناك ضرورة، يعني مثلا مات الميت ثم علم أو غلب على الظن أن موته بسبب جريمة، وأريد التأكد من جثته، فإنه يجوز أن تنبش لأجل التحقق من هذا الأمر. وهكذا قل في غيرها من المحرمات، فإنها تباح لماذا؟ لأجل الضرورة. إذا عرفنا في هذه القاعدة أنه لا محرم مع الضرورة، فإذا وجدت الضرورة وتوفرت فيها الشروط التي تبيح استعمال المحظور التي ذكرت بالأمس، من يذكرها؟ عندك الذي خلفك، الضرورة تقدر بقدرها، ألا يزاد عليها، هذا نفسه الضرورة تقدر بقدرها، يأخذ من الضرورة بقدر ما يرتفع به المحظور، ها بقدر الحاجة، وهو نفسها. هات الشروط، الشروط الضرورة التي كتبتها بالأمس نسيتها، قلنا أولا: أن يكون الضرر متحققًا، أن يكون الضرر متحققًا، ما يكون ضرر وهمي، لا الضرر متحقق، إن لم يفعل ماذا يحصل له هذا الضرر؟ يعني إنسان مثلا يهدد شخص بالقتل إن لم يفعل هذا المحظور، كالتكلم بكلمة الكفر، أو مثلا أخذ مال، وهو قادر على ذلك، هو ضرر متحقق، يجوز له ارتكاب هذا المحظور. كذلك أيضًا أن يكون رفع هذا الضرر متحققًا بارتكاب هذا المحظور، أنه إذا فعله زال الضرر، والأمر الثالث: أن لا يكون عنده طريق لرفع هذا الضرر إلا بارتكاب هذا المحظور، ما عنده مخرج آخر، جاز له أن يرتكب هذا المحظور. والأمر الرابع الذي ذكره أخونا، وهو أن يرتكب من هذا المحظور بقدر ما ترتفع به هذه الضرورة. وكما ذكرنا بالأمس أن ضابط الضرورة ما كان فيه ضرر على الإنسان في أحد الضرورات الخمس، إن لم يرتكب هذا المحظور، ضرر في دينه أو في نفسه أو في ماله أو في عقله أو في عرضه، فهنا يجوز له أن يرتكب المحظور. أما أن يكون بمجرد الأوهام أو كذلك أيضًا بأمور وهمية لا حقيقة لها ولا أثر لها، فمثل هذه لا تبيح للإنسان ارتكاب المحظور. نكتفي بهذا، صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

شاركنا على