الدرس في شرح رسالة فضل علم السلف على علم الخلف 3، ألقاها
العلم النافع هو الذي يزيل الشكوك والشهوات ويوصل العبد إلى الله، بينما العلم غير النافع يشمل علوم السحر والنجوم والفلسفة. النبي صلى الله عليه وسلم استعاذ من علم لا ينفع.
التعوذ من علم لا ينفع ودعوة لا يستجاب لها مهم، وأسباب عدم الاستجابة تشمل الطمع وتناول الحرام. سؤال الله العلم النافع أمر ضروري.
العلم النافع يزيل الشكوك ويكشف الحق، والعمل به شرط للانتفاع. الأحاديث النبوية تبين أهمية العلم النافع والعمل به.
الصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه تعبر عن التقدير والاحترام للنبي وتعتبر سنة نبوية. هذه العبارة شائعة في بداية النصوص الإسلامية.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام رجب رحمه الله في رسالته «فضل علم السلف على علم الخلف»: قال وكذلك جاءت السنة بانقسام العلم إلى علم نافع وغير نافع، والاستعاذة من العلم الذي لا ينفع، وسؤال العلم النافع. بعد أن ذكر جملة من الآيات الدالة على هذا التقسيم، ذكر بعد ذلك بعض الأحاديث كذلك الواردة في السنة الدالة على هذا التقسيم. قال: ففي صحيح مسلم عن زيد بن أرقم رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعوة لا يستجاب لها». وخرجه أهل السنة من وجوه متعددة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وفي بعضها «ومن دعاء لا يسمع»، وفي بعضها «أعوذ بك من هؤلاء الأربع». وأشار المحقق والمخرج لهذه الأحاديث بأنها وردت عن عدة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم، كأبي هريرة، وابن مسعود، وجابر، وابن عباس، وغيرهم من الصحابة رضي الله تعالى عنهم. فهذا الحديث فيه دعاء النبي عليه الصلاة والسلام بهذا الدعاء: «اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع»، فهذا يبين أن هناك من العلوم ما لا ينفع، بل ربما يضر. بل ربما يضر، كما سيأتي في الكلام في آخر هذا الفصل. فمن العلوم الضارة وغير النافعة علم السحر والنجوم، وهكذا أيضا علم الفلسفة والكلام، أيضا من العلم الذي لا ينفع صاحبه الذي لا يعمل به. الذي لا يعمل به صاحبه، فهذا علم لا ينتفع به صاحبه، وإن كان يعني في ذاته هو علم نافع، ربما يتعلم علم الشريعة، لكنه لا يعمل بهذا العلم، فهذا لا ينتفع به صاحبه، وإن كان العلم في نفسه نافع. وقد يكون العلم من ذاته غير نافع، بل ضار، كما سمعنا علم السحر والنجوم والفلسفة إلى غير ذلك من العلوم الضارة. فالنبي عليه الصلاة والسلام كان يستعيذ بالله عز وجل من علم لا ينفع. «أعوذ بك» يعني ألتجئ وأعتصم بك يا الله أن تعيذني، وأن تعصمني من أن أقع في علم لا ينفع. ومن قلب لا يخشع، يعني لا يتأثر بكلام الله، ولا كذلك أيضا يتدبر لكلام الله جل وعلا، ويكون قلبا قاسيا غليظا. فكان النبي عليه الصلاة والسلام يستعيذ بالله عز وجل من ذلك أن يكون قلبه قاسيا وغير خاشع. والله عز وجل وصف أهل الإيمان بأنهم يتأثرون عند سماع كلام الله، كما قال جل وعلا: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾، ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾. وقال الله جل وعلا: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾. وكذلك أيضا قال الله عز وجل منكرا، وكذلك أيضا مؤنبا من لم يخشع قلبه لذكر الله: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنْ الْحَقِّ﴾. فلذلك كان النبي عليه الصلاة والسلام يستعيذ بالله جل وعلا من قلب لا يخشع. ومن نفس لا تشبع كذلك، أنه يستعيذ عليه الصلاة والسلام من نفس لا تشبع، يعني أن تكون النفس طماعة لا تقنع ولا تشبع بما آتاه الله سبحانه وتعالى. بل يسأل الله عز وجل نفسا قنوعا، ونفسا كذلك راضية بما آتاه الله جل وعلا. وهذا حال يعني الإنسان أنه طمع، كما قال نبينا عليه الصلاة والسلام: «لو أن لابن آدم واديا من ذهب أحب أن يكون له وديان، ولا يملأ فاه إلا التراب، ويتوب الله على من تاب». وكذا قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾. وقال جل وعلا: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ يعني حب المال والدنيا. فهذا قد يكون وصف الإنسان، لكن ينبغي للمسلم أن لا يجعل نفسه على هذا الوصف، وصف ماذا؟ الطمع وعدم القناعة، وأن يكون جشعا. بل يقنع بما آتاه الله سبحانه وتعالى، ويسأل الله عز وجل أن يقنعه، وأن يستعيذ به من نفس لا تشبع. لأن الإنسان إذا كانت نفسه طماعة، ربما تكون سببا في وقوعه في الحرام. فهو بسبب الطمع والجشع الذي في نفسه لا يقتنع بما آتاه الله، فيريد الزيادة ويريد التكثير، فيقع في المخالفات ويقع في المحرمات، يتعامل بالربا، وربما يغش ويخادع، وربما يخون ويكذب، وهكذا يتعامل بالرشوة إلى آخر ذلك من الوسائل والطرق المحرمة بسبب الجشع الذي في قلبه. قال: ومن دعوة لا يستجاب لها كذلك، أنه يستعيذ عليه الصلاة والسلام من دعوة لا يستجاب لها، يعني أن يدعو ولا يستجيب الله عز وجل. وفي الرواية الأخرى «ومن دعاء لا يسمع». ومن دعاء لا يسمع لماذا؟ لأن عدم استجابة الدعوة في الغالب يكون بسبب خلل وضعف ونقص في الداعي، يكون خلل ونقص في الداعي، ربما يدعو ويكون دعاؤه بإثم أو قطيعة رحم، وهذا من موانع إجابة الدعاء. أو يدعو بقلب غافل لاهن غير مقبل على الله، هذا مما كذلك يمنع إجابة الدعاء. أو كذلك أيضا يدعو وهو يستعجل الإجابة فيدع الدعاء. أو كذلك أيضا يدعو وهو مطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام، فأن يستجيب الله له، وهذه من موانع الدعاء. فلذلك النبي عليه الصلاة والسلام يستعيذ بالله عز وجل من دعوة لا يستجاب لها، وهذا فيه دعاء لله عز وجل أن يوفقه لأن يسلك الطرق والأسباب التي يستجيب الله عز وجل بها الدعاء. فأنت عندما تستعيذ بالله عز وجل من دعوة لا يستجاب لها، يتضمن ذلك أنك تسأل الله عز وجل أن يوفقك لسلوك الأسباب التي يستجيب الله عز وجل بها الدعاء، وذلك بوجود شروطه وانتفاء موانعه. قال: والشاهد من الحديث وقوله «اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع». قال: وخرج النسائي من حديث جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «اللهم إني أسألك علما نافعا وأعوذ بك من علم لا ينفع». وخرجه ابن ماجه ولفظه: «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: سَلُوا اللهَ عِلْمًا نَافِعًا وَتَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ». وخرجه الترمذي من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «اللهم انفعني بما علمتني وعلمني ما ينفعني وزدني علما». وارزقني علما تنفعني به. هذه الروايات لهذا الحديث، حديث جابر الأول الذي خرجه النسائي وهو حديث صحيح، وقد صححه شيخ الألباني رحمه الله في «الصحيحة». والرواية الأخرى التي عنده ابن ماجه كذلك أيضا صححها شيخ الألباني رحمه الله في «الصحيحة». وحديث أبي هريرة الذي عنده الترمذي كذلك حديث صحيح، وصححه شيخ الألباني رحمه الله في «الصحيحة»، إلا أنه ليس في رواية الترمذي في آخره «وارزقني علما تنفعني به»، هذه الزيادة ليست عند الترمذي. وورد بلفظ آخر بعد قوله «وزدني علما»: «الحمد لله على كل حال وأعوذ بالله من عذاب النار». بعد قوله «وزدني علما»: «الحمد لله على كل حال وأعوذ بالله من عذاب النار». وهذه الأحاديث فيها أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يسأل الله عز وجل علما نافعا، ويستعيذ بالله جل وعلا من علم لا ينفع. وفي الرواية الأخرى أمر النبي عليه الصلاة والسلام أن يسأل الإنسان ربه جل وعلا علما نافعا، وأن يتعوذ بالله من علم لا ينفع، يعني أن يسأل المسلم فيقول: «اللهم إني أسألك علما نافعا وأعوذ بك من علم لا ينفع». وفي حديث أبي هريرة: «اللهم انفعني بما علمتني وعلمني ما ينفعني وزدني علما». انفعني بما علمتني حتى يحصل لك العلم النافع. والمراد بالعلم كما مر معنا التنبيه على أن ما ورد في الشرع في الكتاب والسنة من الحث والترغيب في العلم، فالمراد به العلم الشرعي. المراد به العلم الشرعي. فقوله «اللهم انفعني بما علمتني» يعني ما علمه الإنسان من علم الشريعة، كيف ينتفع به؟ ينتفع به بالعمل به، هذا هو ثمرة العلم، هذا ثمرة العلم، هو أنك تعمل بهذا العلم. أما كونك تعلم ولا تعمل، هذا لا ينفع، علم بلا عمل كما قيل: كشجرة بلا ثمر. كشجرة بلا ثمر، هل ينتفع بالشجرة من غير ثمر لها؟ ما ينتفع. كذلك العلم لا يحصل به النفع إلا بالعمل، وهو المقصود من العلم أنك تعمل به. علمت أن هذا حرام تجتنبه، علمت أن هذا واجب تلتزم بفعله، علمت أن هذا مستحب تتقرب إلى الله بالعمل به، وهكذا في سائر العلم. فهذا العلم الذي تنتفع به. وما لم تعلمه تسأل الله عز وجل أن يعلمك إياه، فإن الإنسان مهما بلغ من العلم، فعنده قصور وعنده كذلك جهل لأشياء لم يعلمها، فإنه لا يستطيع أن يحيط بالعلم. فأنت تسأل الله عز وجل أن يعلمك ما ينفعك وما لم تعلمه، وأن يزيدك وأن يزيدك جل وعلا علما. قال: وخرج أبو نعيم حديث أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «اللهم إني أسألك إيمانا دائما، فرب إيمان غير دائم، وأسألك علما نافعا، فرب علم غير نافع». وهذا كما أشار، خرجه أبو نعيم في «الحلية». والله أعلم بصحته. لكن قوله «وأسألك علما نافعا فرب علم غير نافع» يشهد له الأحاديث التي سبقت ذكرها. فهذه الأحاديث فيها دلالة على أن من العلم ما هو نافع، ومن العلم ما ليس بنافع، فدلت على صحة هذا التقسيم. وهكذا أيضا حديث أبي هريرة في صحيح الإمام مسلم، وفي الصحيحين في قول النبي عليه الصلاة والسلام: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له». فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن مما يجري به عمل الإنسان بعد موته هذه الثلاثة الأعمال، ومنها علم ينتفع به. معنى قوله «علم ينتفع به» أن هناك علم ما ينتفع به، أن هناك علم لا ينتفع به. فالذي يجري عمله للإنسان ويستمر هو العلم النافع، علم ينتفع به، علم علمه، نشره، ألفه، دعا إليه، وكذلك عمل به، هذا يجري عليه عمله بعد موته. والعلم النافع كما قال العلامة السعدي رحمه الله في نظمه للقواعد الفقهية في تمييزه وبيانه للعلم النافع في قوله: اعلم هدانا الله أن أفضل المنن علم يزيل الشك عنك والدرن ويكشف الحق لذي القلوب ويوصل العبد إلى المطلوب. هذا أو هذه الصفات إذا وجدت في هذا العلم الذي تتعلمه فهذا هو العلم النافع. يقول: اعلم هدانا الله أن أفضل المنن يعني ما يمن الله عز وجل به على العبد، علم، يعني أن يمن عليه بالعلم. ما صفة هذا العلم؟ قال: «يزيل الشك عنك والدرن»، يزيل الشك يعني من قلبك الشكوك والريب والشبهات. والدرن أي الأمراض والشهوات. «ويكشف الحق لذي القلوب ويوصل العبد إلى المطلوب» إلى المطلوب، يكشف الحق، يبين لك الحق من الباطل، ويهديك إلى الصواب، ويبعدك عن الخطأ، ويوصلك إلى الله سبحانه وتعالى، هذا هو العلم النافع. فإذا كان العلم وجدت فيه هذه الصفات، فاعلم أن هذا علم نافع. وإن اختلت هذه الصفات، فلم يبعد الشبهات، ولم كذلك يبعد الشهوات، فهو من العلم الذي لم ينتفع به صاحبه. أسأل الله جل وعلا أن يرزقنا وإياكم علما نافعا وعملا صالحا، وأن يجعل ذلك خالصا لوجهه الكريم. صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.