التعليق على كتاب مكائد الشيطان لابن القيم 12

الدرس في التعليق على كتاب مكائد الشيطان لابن القيم 12، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

تطهير النعل أو الخف من النجاسة

يكفي دلك النعل أو الخف بالأرض لتطهيره من النجاسة، وقد استدل بحديث أبي هريرة وأبي سعيد الخدري على صحة ذلك. النبي صلى الله عليه وسلم أقر بجواز الصلاة بالنعل أو الخف بعد التطهير.

حكم مسح النعلين وذيل المرأة عند وجود النجاسة

الحديث النبوي يبين خلع النعلين ومسحهما عند وجود النجاسة، والمراد بالقذر هو النجاسة. كما يشمل حكم مسح ذيل المرأة عند وجود النجاسة، ويستدل على ذلك بأدلة شرعية وفقهية.

مشروعية الصلاة بالنعال وطهارة الأرض للثوب

سنة النبي صلى الله عليه وسلم تشمل الصلاة بالنعال وطهارة الأرض للثوب إذا أصابه قذر، ويستدل بالأحاديث النبوية على مشروعية الصلاة بالنعال واستحبابها، ويخالف هذا ما يفعله الموسوسون.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمامنا ابن القيم رحمه الله في كتابه «مكائد الشيطان»: فصلٌ من ذلك أن الخف والحذاء إذا أصابت النجاسة أسفله أجزأ دلكه بالأرض، مُطلقًا، وجازت الصلاة فيه، بسنة الثابتة، نص عليه أحمد، واختاره المحققون من أصحابه. يعني إذا أصاب النعل أو الخف وما يلبس على القدم من الجلد فوق الكعبين نجاسة في أسفله، فإنه يُدلك بالأرض، وحينئذ يطهر، ويجزئ ذلك أن يصلي فيه. قال: وقال أبو البركات: ورواية «أجزأ الدلك مُطلقًا» هي الصحيحة عندي؛ لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ﴿إذا وطِئ أحدكم بنعله الأذى فإن التراب له طهور﴾، وفي لفظ: ﴿إذا وطِئ أحدكم الأذى بخفيه فطهورهما التراب﴾، رواهما أبو داود، وهو حديث صحيح، وقد صححه شيخنا الوادعي رحمه الله في «الصحيح المسند»، وهكذا أيضًا صححه الشيخ الألباني رحمه الله. فأخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن من وطِئه الأذى بخفه -وفي حكمه كذلك النعل- فطهورهما التراب؛ يعني إذا دلكهما بالتراب فإنهما يطهران بذلك. قال: وروى أبو سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صلى، فخلع نعليه، أي اقتداءً بالنبي عليه الصلاة والسلام، فلما انصرف، قال: «لما خلعتم؟» قالوا: يا رسول الله، رأيناك خلعت فخلعنا، فقال: «إن جبريل أتاني فأخبرني أن بهما خبثًا» فإذا جاء أحدكم المسجد فلينظر، فإن رأى خبثًا فليمسحه بالأرض، ثم ليصلِ فيهما. رواه الإمام أحمد، وأيضًا رواه الإمام أبو داود، وهو حديث صحيح. فشاهد النبي عليه الصلاة والسلام صلى وفي نعليه أذى، وسيأتي أن الأذى يحمل على النجاسة؛ في بعض الروايات: قذرًا. فأمره بخلعهما، ولو كان هذا الأذى غير النجاسة -كالمخاط أو نحوه من أشياء طاهرة- لما أمر بخلعهما؛ لأن حمل الطاهر لا يبطل الصلاة ولا يؤثر في الصلاة، فكونه أمر عليه الصلاة والسلام بخلعهما دل هذا أن فيهما نجاسة. ثم استمر النبي صلى الله عليه وسلم في صلاته بعد أن خلع النعلين، ثم أمر من جاء إلى المسجد وعليه النعلان ويريد أن يصلي فيهما أن ينظر فيهما، فإن وجد فيهما قذرًا -يعني شيئًا من الوسخ أو النجاسة- فليمسحهما وليصلِ فيهما، فجعل طهارة النعلين بمسحهما على الأرض. قال: وتأويل ذلك على ما يستقذر من مخاط أو نحوه من الطاهرات لا يصح؛ يعني لو قال قائل: أن المراد بهذا القذر الذي في النعلين هو المخاط ونحوه من الأشياء التي تستقذر وهي طاهرة، قال: لا يصح؛ لوجهٍ أحدها: أن ذلك لا يسمى خبثًا؛ يعني الطاهرات ما تسمى خبثًا، وإنما قد تسمى شيئًا مستقذرًا لكن ليس بخبيث. قال: الثاني: أن ذلك لا يؤمر بمسحه عند الصلاة؛ فإنه لا يبطلها؛ يعني لو كان هذا القذر الذي كان في النعلين عليه المخاط، ما أمر بإزالته؛ لأنه طاهر ولا يؤثر حينئذ في الصلاة. الثالث: أنه لا يخلع النعل لذلك في الصلاة؛ فإنه عمل لغير حاجة، فأقل أحواله الكراهة. الرابع: أن الدار قطني روى في سننه في حديث الخلع -يعني في خلع النبي صلى الله عليه وسلم نعليه- قال: من رواية ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن جبريل أتاني فأخبرني أن فيهما دم حلمة»، والحلم: كبار القراد، والقراد: حشرة -يعني أكبر من القملة- تكون في الإبل تمص الدم. قال: ولأنه محل يتكرر ملاقاته للنجاسة غالبًا، فأجزأ مسحه بالجامد؛ كمحل الاستجمار، بل أولى؛ فإن محل الاستجمار يلاقي النجاسة في اليوم مرتين أو ثلاثًا؛ يعني أن الاستجمار اكتفي به في إزالة النجاسة من البول والغائط؛ مع أنها مسح الإنسان يمسح بالحجر في موضع النجاسة ويزيل النجاسة بها، فإذا كان ذلك مُجزئًا، فكذلك أيضًا يجزئ مسح النعل إذا أصابته النجاسة في الأرض، وذلك -يعني مسح النعل- هو دون الاستجمار في التكرر، وكذلك أيضًا في حصول النجاسة في هذا الموضع. قال: فصلٌ: وكذلك ذيل المرأة على الصحيح. وقالت امرأة لأم سلمة: إني أطيل ذيلي وأمشي في المكان القذر، فقالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يطهره ما بعده». رواه أحمد وأبو داود، والحديث صحيح. قال: قد رخص النبي صلى الله عليه وسلم للمرأة أن ترخي ذيلها ذراعًا؛ يعني تجعل ثوبها يطول على ما يلبسه المسلم من الثياب قدر نصف الساق؛ فإن المرأة تطيل ذراعًا حتى يكون تحت الكعبين، وإذا كان كذلك، فربما تمر على شيء من الأقذار فيصيب الثوب، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «يطهره ما بعده»؛ يعني إذا مرت على هذا المكان القذر ستمر على أماكن طاهرة. قال: ومعلوم أنه يصيب القذر، ولم يأمرها بغسل ذلك، بل أفتاها بأنه تطهره الأرض، وهذا خلاف ما يفعله الموسوسون؛ فإن الموسوس ما يرضى بذلك؛ لو ربما قطرات أصابته لربما ذهب يزيل الثوب ويخرجه ويبدله بثوب آخر، وهذا خلاف هدي النبي عليه الصلاة والسلام. قال: فصلٌ مما لا تطيب به قلوب الموسوسين: الصلاة في النعال، وهي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلًا منه وأمرًا. فروى أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم «كان يصلي في نعليه»، متفق عليه. سئل أنس: أكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في نعليه؟ قال: نعم، والحديث في الصحيحين. وعن شداد بن أوس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خالفوا اليهود؛ فإنهم لا يصلون في خفافهم ولا نعالهم»، رواه أبو داود، وهذا الحديث صحيح. وهذا فيه الأمر بالصلاة في النعال والخفاف، وهو محمول على الاستحباب، لكن يدل على أنه سنة مؤكدة. قيل للإمام أحمد: أن يصلي الرجل في نعليه؟ فقال: إي والله. وترى أهل الوسواس إذا بلي أحدهم بصلاة الجنازة وفي نعليه قام على عقبي نعليه كأنه واقف على الجمر؛ حتى لا يصلي فيهما؛ يعني ربما يقف على أطراف أصابعه متحرجًا من الصلاة في النعال، وهو -يعني- في المصلى أو في موضع صلاة الجنازة، ويجد في نفسه حرجًا ومشقة من ذلك. قالوا: في حديث أبي سعيد الخدري: «إذا جاء أحدكم المسجد فلينظر، فإن رأى على نعليه قذرًا فليمسحه وليصلِ فيهما». قد مر معنا الحديث أنه حديث صحيح. فهذه الأحاديث كلها تدل على مشروعية الصلاة في النعال وأنها سنة مستحبة، بل سنة مؤكدة. ومع ذلك فترى الموسوس لا يطيب له بال، ولا تطمئن نفسه للصلاة في النعال؛ مع أمر النبي عليه الصلاة والسلام بذلك، وفعله عليه الصلاة والسلام لها بنفسه. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.