التعليق على شرح الأربعين النووية للشيخ العصيمي 6

الدرس في التعليق على شرح الأربعين النووية للشيخ العصيمي 6، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

شرح حديث النعمان بن بشير وبيان الحلال والحرام

الدرس يبدأ بشرح حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي يميز بين الحلال والحرام والمشتبهات، ويبين أهمية اجتناب الشبهات. الحديث يشير إلى أن الأحكام الشرعية إما أن تكون واضحة أو مشتبهة.

خطورة الوقوع في الشبهات وأهمية اجتنابها

الدرس يشرح خطورة الوقوع في الشبهات وضرورة اجتنابها لحماية الدين والعرض، ويبين أن الواجب على العبد إذا لم يتبين حكم شيء ما هو الابتعاد عنه. اجتناب الشبهات يحمي من الوقوع في المحرمات.

أثر القلب على الجوارح وصلاح المجتمع

الدرس يبرز أهمية صلاح القلب في صلاح الجوارح، ويشير إلى أن القلب هو ملك البدن والأعضاء جنوده. إذا صلح القلب صلحت الجوارح، ويبين أن فساد القلب يؤدي إلى انتشار الفساد في المجتمع.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المصنف رحمه الله: الحديث السادس عن أبي عبد الله النعمان النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الحلال بيّن، وإن الحرام بيّن، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب». رواه البخاري ومسلم. قال الشارح - فقه الله -: هذا الحديث رواه البخاري ومسلم كما ذكر المصنف، فهو من المتفق عليه. وفيه الإخبار بأن الأحكام الشرعية الطلبية من جهة ظهورها نوعان. فالنوع الأول بيّن جلي، فالحلال بيّن والحرام بيّن، كحل بهيمة الأنعام وحرمة الزنا. يعني حل بهيمة الأنعام هذا بيّن حلال واضح جلي ليس فيه شيء من الإشكال، وحرمة الزنا كذلك واضح بيّن ليس فيه شيء من الإشكال أن الزنا حرام. قال: والنوع الثاني مشتبه متشابه. والمتشابه في الأحكام الشرعية الطلبية هو ما لم يتضح معناه ولا تبين دلالته، يعني فيه اشتباه ليس فيه وضوح وبيان جلي. قال: والناس فيما يشتبه عليهم منها قسمان. القسم الأول من يكون متبينا لها عالما بها، وأشير إليه بقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يعلمهن كثير من الناس». فإن نفي علم المتشابه عن كثير من الناس فيه إثبات علمه عند قليل من الناس، فإنه لا يخفى على الناس كلهم، وإلا لقال: «لا يعلمه الناس»، فيكون فيهم من يعلمه ومن لا يعلمه. معناه أن هذا الخفاء خفاء نسبي، خفاء نسبي بالنسبة لبعض الناس دون بعض، فقد يعلمه البعض وقد يخفى على الكثير. قال: القسم الثاني من لا يتبينها ولا يعلم حكم الله فيها. وهؤلاء الصنفان أحدهما المتقي للشبهات التارك لها، يعني الذي لم يتبين له حل هذا الأمر وأصبح مشتبها عليه، فإنه يجتنبه ويبتعد عنه، فيتقي الشبهات ويتركها. والآخر الواقع فيها الراتع في جنباتها، الذي ما يتقي الشبهات، الشبهة يقول: سهل ما دام أنه ليس بحرام جزما، إذن نفعله، فيقع في الشبهة ما يبالي. قال: والواجب على العبد إذا لم يتبين المتشابه من الأحكام الشرعية الطلبية أن يتقيه مجتنبا له، يعني يبتعد ويجتنب ولا يقع فيه. قال: فتناول المتشابه محرم على من لا يتبينه لأمرين: أحدهما الاستبراء لدينه وعرضه، أي طلب البراءة لهما، فيبرأ دينه عند الله ويبرأ عرضه عند الناس، يعني يجتنب المشتبه حتى يستبرئ لدينه وعرضه. أما إذا وقع في المشتبهات معنى هذا قد دنس دينه وعرضه وأصبح يعني جالبا للمذمة. قال: والثاني أن من وقع في الشبهات جرته إلى المحرمات، فالشبهات قنطرة المحرمات، أي الجسر الموصل إليها. إذا تساهل الإنسان في ارتكاب المشتبهات جره ذلك إلى الوقوع في المحرمات. فالشبهات جسر للوصول إلى المحرمات، إذا قطع هذا الجسر سقط في أوحال المحرمات. قال: وضرب النبي صلى الله عليه وسلم له مثلا بالراعي يرعى حول الحمى، وهو ما يمنعه الملوك من الأرض لمصلحة خاصة أو عامة، يعني يقول الملك والأمير: هذا المحل لا أحد يرعى فيه، ممنوع أن يرعى فيه أحد، فيجعله لمصلحة خاصة به أو لمصلحة عامة للمسلمين، كأن يكون مرعى لخيولهم وإبلهم ونحو ذلك. قال: فإنه إذا رعى حوله يوشك أن تدخل بهائمه الحمى، أي هذا المكان المحمي، إذا رعى حول هذا المكان المحمي فيوشك أن تدخل البهائم وترعى في داخل هذا الحمى، قال: فيوخذ بذلك ويعاقب عليه. فمن حام حول الشبهات ورتع فيها فإنها تبلغه الوقوع في المحرمات. وقوله: «حمى الله محارمه»، أي ما حماه الله الخلق هو ما حرمه عليهم، فهي حدود الله التي نهى عن قربانها، قال الله: ﴿تلك حدود الله فلا تقربوها﴾، أي المحرمات والمنهيات. فمن تجرع على الشبهات أو شك أن يتجرع على الحرام، فمن وقع في محارم الله فقد وقع وتجرع على حمى الله جل وعلا التي هي المحارم. قال: ومن مزلات الأقدام ومزلات الخلق اليوم التساهل بتعاطي الشبهات بدعوى عدم الحرام بكونها حراما، فيتخذ ذلك ذريعة إلى الدخول فيها، وهو مخالف لأمر الشريعة. فأمر الشريعة لمن لا يتبين حكم المشتبه أن يجتنبه ويتقيه، فيحرم عليه أن يتناوله. وهذا الذي ينبغي للمسلم ويجب أن يكون مجتنبا للشبهات. إذا هناك معاملة اشتبهت عليه هل هي حلال أو حرام فصارت موضع شبهة، إذن اتقي الشبهات. فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه. قال: وقوله: «وإن في الجسد مضغة إلى آخره»، الحديث فيه بيان عظيم أثر القلب صلاحا وفسادا، فإن من صلح قلبه صلحت جوارحه، ومن فسد قلبه فسدت جوارحه. فصلاح الإنسان كاملا بصلاح القلب، إذا صلح القلب صلحت الجوارح في القول وفي اللسان وفي الأعمال. وإذا فسد القلب فسدت هذه الجوارح، سواء كان في اللسان أو بقية أعضاء البدن. قال: ومن الجواهر التيمية - يعني نقول الشيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله قوله رحمه الله: «القلب ملك البدن والأعضاء جنوده، فإذا طاب الملك طابت جنوده، وإذا خبث الملك خبثت جنوده». انتهى كلامه رحمه الله. القلب ملك البدن إذا والأعضاء جنود لهذا الملك، إذا طاب الملك طابت الجنود، إذا كان الملك صالحا سيأمر بالصلاح بالعدل بين الرعية وينهى عن الظلم، فيكون جنوده أعوان له على صلاحه. وإذا كان الملك فاسدا صار الجنود كذلك أعوان له على الفساد، سيأمر بالظلم والبغي والاعتداء وعدم العدل، والجنود أعوان له على هذا الفساد. قال: ويروى قريبا منه من كلام أبي هريرة عند البيهقي في شعب الإيمان بإسناد فيه ضعف.