التعليق على شرح الأربعين النووية للشيخ العصيمي 8

الدرس في التعليق على شرح الأربعين النووية للشيخ العصيمي 8، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

شرح حديث نبوي حول شروط الإسلام وأهمية الشهادتين

الحديث النبوي يبين شروط الإسلام وأهمية الشهادتين في إثبات الإسلام، مع توضيح دور الصلاة والزكاة في استمرار العصمة. النبي صلى الله عليه وسلم يوضح أن النطق بالشهادتين يكفي لعصمة الدم والمال حالًا.

عصمة المسلم بنطق الشهادتين والالتزام بمقتضياتهما

النطق بالشهادتين يعصم الدم والمال، واستمرار العصمة يعتمد على الالتزام بمقتضيات الشهادتين من أداء الفرائض. الإسلام يحكم بالظاهر دون الالتفات إلى الباطن، وترك الفرائض أو ارتكاب المحرمات يبطل العصمة.

شروط استمرار عصمة المسلم وانتفاؤها بحق الإسلام

عصمة المسلم تتحقق بالشهادتين والالتزام بحقوقهما، وتنتفي إذا ترك فريضة أو وقع في محرم يبيح دمه أو ماله. من يمتنع عن أداء الفرائض يُعد مستباح الدم والمال، وقد استدل أبو بكر الصديق بهذا الحديث في قتال مانعي الزكاة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال رحمه الله: الحديث الثامن عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله تعالى». رواه البخاري ومسلم. قال الشارح وفقه الله: هذا الحديث رواه البخاري ومسلم، فهو من المتفق عليه، واللفظ للبخاري، أي لفظ هذا الحديث أخرجه الإمام البخاري رحمه الله بصحيحه، وأخرجه الإمام مسلم بنحوه. وذكر النبي صلى الله عليه وسلم فيه جملة من شرائع الإسلام ترجع إلى نوعين: النوع الأول ما يثبت به الإسلام، وهو الشهادتان، فمن جاء بهما ثبت له عقد الإسلام، وصار مسلما معصوم الدم والمال. فالكافر إذا شهد أنه لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله حكم له بالإسلام ابتداء، حكم له بالإسلام ابتداء، وعصم دمه وماله. قال: والنوع الثاني ما يبقى به الإسلام، وأعظمه إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، ولهذا ذكر في الحديث. وليس معنى الحديث أن الكافر يقاتل حتى يأتي بالشهادتين ويقيم الصلاة ويؤتي الزكاة، فلا تثبت له العصمة إلا باجتماعهما، لأن دلائل الوحي متكاثرة في الكف عن من قال لا إله إلا الله، فإنه إذا قالها ثبتت له العصمة في الحال. ولهذا عاتب النبي عليه الصلاة والسلام أسامة بن زيد رضي الله عنه لما قتل ذلك الكافر الذي قال لا إله إلا الله. قال: «أقتلته بعد أن قال لا إله إلا الله؟» قال: يا رسول الله، إنما قالها خوفا من السيف. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أشققت عن قلبه حتى تعلم قالها أم لا؟» ثم قال: «كيف تفعل بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟» عاتب أسامة عتابا شديدا حتى قال أسامة: وددت أني لم أكن أسلمت إلا يومئذ، رضي الله عنه. فدل هذا على أنه إذا نطق بالشهادة عصم دمه ابتداء. قال: ولا تبقى له تلك العصمة مستمرة، يعني هذه العصمة عصمة في الحال ابتدائية، إذا نطق بالشهادتين كف عنه، ثم ينظر: هل يأتي ببقية الشرائع والفرائض؟ قال: إلا إذا أتى بما تقتضيه الشهادتان، فإذا التزم مقتضى الشهادتين ثبتت له عصمة المآل. لو أنه نطق بالشهادتين فكف عنه، ثم قيل له: يجب عليك أن تصلي خمس صلوات بكل يوم وليلة، وأن تصوم شهر رمضان، وأن تزكي المال، فقال: لأقر بالصلاة، وأبى أن يقر بوجوب الصلاة، هنا ما نفعته حينئذ نطق بالشهادتين. نعم، نفعته ابتداء، لكنه في المآل وفي الاستمرار لم تنفعه؛ لأنه أنكر بقية الشرائع وبقية الفرائض. قال: وقوله: «فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماؤهم وأموالهم»، أي صارت دماؤهم وأموالهم محفوظة، أي صارت دماؤهم وأموالهم محفوظة، حراما غير حلال؛ لما علم من ظاهرهم، دون اعتداد بباطنهم؛ لأن الإسلام يحكم بالظاهر. فمن أظهر الإسلام حكم له به، وإن كان في الباطن كافرا، كحال المنافقين الذين يظهرون الإسلام وينطقون بالشهادتين، ويلتزمون في الظاهر بشرائع الإسلام كالصلاة والزكاة والصيام وغيرها، وهم في الحقيقة كفار. لكن الإسلام يحكم بالظاهر، وبواطنهم أمرها إلى الله جل وعلا. قالوا: هذه العصمة نوعان: الأول عصمة الحال، ويكتفى فيها بالشهادتين، فمن شهد بهما ثبتت له العصمة في دمه وماله حالا، يعني في هذا الوقت الذي نطق فيه بالشهادتين، فحينئذ يكون معصوما معصوم الدم والمال، هذه عصمة الحال عند النطق بالشهادتين. قال: والثاني عصمة المآل، يعني العاقبة، ولا يكتفى فيها بالشهادتين، بل لا بد من الإتيان بحقوقهما، وعندئذ يحكم ببقاء إسلامه، وتستمر له العصمة التي ثبتت ابتداء. قال: وقوله: «إلا بحق الإسلام»، أي لا تنتفي عنه تلك العصمة إلا بحق الإسلام، وهو نوعان: أحدهما ترك ما يبيح دم المسلم وما له من الفرائض، أي إذا ترك ما يبيح دمه وما له من الفرائض كان معصوم الدم والمال. أما إذا لم يترك ما يبيح دمه وما له من الفرائض، فحينئذ لا يكون معصوما، مثل عدم الالتزام بأداء الصلاة، هو نطق بالشهادتين، ثم أمر بالصلاة فقال: لا أصلي. لو أنه أقر بوجوبها يقول: أنا أعتقد أنها واجبة، لكن ما سأصلي؛ لأنه كسول عن أداء الصلاة، فهنا يستتاب، فإن تاب وإلا قتل. هنا الآن قتل لأجل ماذا؟ استبيح دمه لأجل تركه فريضة من الفرائض. وهكذا أيضا إذا امتنع من أداء الزكاة، فإنه يقاتل على منعها حتى يؤديها، ويأخذ منه زكاة بالقوة، وهذا لتركه الفريضة. قال: والآخر انتهاك ما يبيح دم المسلم وما له من المحرمات، فحينئذ لا يكون معصوما، كمن زنى وهو محصن، فهنا يرجم، يقام عليه حد الرجم حتى الموت. فهنا استبيح دمه لأنه وقع في محرم من المحرمات، فحينئذ لا يكون معصوم الدم. وهكذا أيضا إذا قتل نفسا معصومة، فإنه يقتل قصاصا إذا كان المقتول مسلما، يقتل قصاصا، فيستباح دمه لأجل وقوعه في محرم وهو قتل النفس المحرم بغير حق. وهكذا إذا سرق، أخذ منه المال الذي سرقه، وقطعت يده لأجل وقوعه في هذا المحرم. قال: فإذا وجد أحدهما أبيح المحرم من ماله ودمه بحق الإسلام، يعني وإن كان نطق بالشهادتين وأقر بالصلاة وصلى وصام وزكى، لكن وقع في شيء من هذه المحرمات والكبائر التي توجب الحد استباحة الدم أو المال، وحينئذ لا يكون معصوما. وكذلك إذا ترك شيئا من الفرائض وأبى أن يأتي بها، فإنه كذلك استباح دمه وماله. هذا معنى قوله عليه الصلاة والسلام: «إلا بحق الإسلام». ولهذا أبو بكر رضي الله عنه قاتل مانع الزكاة لما امتنعوا من أدائها بعد موت النبي عليه الصلاة والسلام، واستدل بهذا الحديث، فذكر هذا الحديث إلى قوله: «إلا بحق الإسلام»، قال: والزكاة من حق الإسلام.