شرح الورقات للجويني 3

الدرس في شرح الورقات للجويني 3، ألقاها

مقدمة في تعريف العلم والجهل والفقه

يبدأ الدرس بتعريف العلم والجهل والفقه، حيث يُعرّف العلم بأنه معرفة المعلوم على ما هو به في الواقع، والجهل بأنه تصور الشيء على خلاف ما هو به في الواقع. يُبيّن أن الفقه أخص من العلم وأنه يندرج تحت العلوم الشرعية.

أقسام العلم: الضروري والمكتسب

يناقش الدرس مفهوم العلم الضروري والعلم المكتسب، حيث يُعرّف العلم الضروري بأنه المعرفة التي لا تتطلب نظرًا أو استدلالًا، بينما العلم المكتسب يتطلب النظر والاستدلال. يُوضح الفرق بينهما وأهمية كل قسم.

تفصيل العلم المكتسب والفرق بين العلم الضروري والنظري

يُفصّل الدرس في مفهوم العلم المكتسب الذي يكتسبه الإنسان عن طريق النظر والاستدلال، ويطلق عليه العلم النظري. يُبيّن الفرق بين العلم الضروري والعلم النظري من حيث إنكار كل منهما وأثر ذلك على الإيمان.

ختام الدرس والدعاء

يختتم الدرس برسالة الصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، مشيراً إلى أهمية الصلاة على النبي في الإسلام. جاء الختام مناسباً للسياق الديني للدرس.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله: تعريف العلم والجهل. قال: والفقه أخص من العلم، والعلم معرفة المعلوم على ما هو به في الواقع، والجهل تصور الشيء على خلاف ما هو به في الواقع. الفقه أخص من العلم، والعلم أعم؛ العلم قد يكون مثلا العلم بأحوال الناس وواقعهم، والعلم مثلا بأسماء الله وصفاته، كذلك العلم بالحوادث الكونية. فالعلم عام يشمل أنواعا متعددة، وأما الفقه فهو أخص؛ لأن الفقه كما مر معنا هو الفهم، الفهم للأحكام الشرعية. فالفقه أخص من العلم، وهكذا أيضا في باب العلوم الشرعية؛ فالعلوم الشرعية أعم من الفقه. طيب، يعني في مسائل العقيدة مثلا، مسائل التوحيد، وهكذا أيضا في بعض هذه العلوم الآلة كعلم المصطلح، وعلم الأصول، ونحوهما من العلوم، هذه تسمى علما، لكن ليست بالفقه. إذن الفقه خاص، الفقه جزء من العلم، أو نوع من أنواع العلم. قال: والعلم معرفة المعلوم على ما هو به في الواقع؛ معرفة المعلوم على ما هو به في الواقع، يعني أن تعرف الشيء، ويكون معرفتك به مطابقا للواقع، هذا هو العلم. طيب، فعلمك مثلا أن الشمس هذا الكوكب الذي يضيء في النهار ويحرق من شدة حرارته، هذا علم مطابق للواقع، يسمى علما لأنه مطابق للواقع. طيب، كذلك أيضا علمك مثلا بأن فلانا من الناس قد مات، وهو كذلك، هذا علم مطابق للواقع. فالعلم معرفة المعلوم على ما هو به في الواقع، فإن كان على خلاف ما هو به في الواقع، فهو الجهل. فهو الجهل. ومن أهل الوصول من قال: إن العلم ما يمكن تعريفه، ما يمكن ضبطه بتعريف ليعني ظهوره وبيانه. لكن الجمهور على أنه يمكن أن يعرف بما يميزه عن غيره، كما ذكر في هذا التعريف: معرفة المعلوم على ما هو به في الواقع. قال: والجهل تصور الشيء على خلاف ما هو به في الواقع؛ تصور الشيء على خلاف ما هو به في الواقع. نعم، إذا تصورت الشيء وهو على خلاف حقيقته وخلاف ما هو في الواقع، فهذا هو الجهل. نعم، لو قلت مثلا إن زيدا قد مات، وهو حي، فهذا جهل لأنه خلاف الواقع. أو معرفتك مثلا لمسألة من المسائل على خلاف حقيقتها، فيكون هذا من الجهل. لو قلت مثلا: يجوز للشخص أن يتزوج مثلا بأخت زوجته، أو يجمع بين أختين، هذا جهل؛ لأنه لا يجوز أن يجمع بين أختين. ثم هذا الجهل على مراتب؛ هناك جهل بسيط، وهناك جهل مركب. الجهل البسيط هو عدم معرفة الشيء بالكلية، والجهل المركب هو معرفة الشيء على خلاف ما هو به مع جهله بأنه يجهل الحقيقة؛ فهو مركب من أمرين: من الجهل بحقيقة الشيء، ومن الجهل بأنه جاهل. والجهل البسيط أخف من الجهل المركب. لو سئل إنسان: هل يجوز مثلا أن أجمع بين أختين؟ فقال: الله أعلم، لا أدري، هذا جهل بسيط؛ لأنه إذا درى وتعلم سيعرف الحكم. لكن لو سئل آخر فقال: يجوز أن تجمع بين أختين، هذا جهل مركب؛ لأنه أجاب على خلاف الصواب، وهو يظن أنه يعلم ويدري، ولا يدري بأنه جاهل، فهذا أشد. قال: والعلم الضروري ما لا يقع عن نظر واستدلال. أقسام العلم. قال: والعلم الضروري ما لا يقع عن نظر واستدلال؛ كالعلم الواقع بإحدى الحواس الخمس، وهي السمع والبصر والشم واللمس والذوق، أو بالتواتر. وأما العلم المكتسب فهو الموقوف على النظر والاستدلال. يقول: العلم الضروري ما لا يقع عن نظر واستدلال، ومعنى العلم الضروري أي الذي يضطر الإنسان إلى معرفته من غير نظر واستدلال؛ يعني ما يحتاج أن ينظر بالأدلة ويستدل حتى يصل إلى هذا المعلوم، بل هذا شيء يضطر الإنسان أن يعرفه. قال: كالعلم الواقع بإحدى الحواس الخمس، وهي السمع والبصر والشم واللمس والذوق. العلم الضروري بالسمع؛ لو سمع الإنسان صوت حيوان، لو سمع نهيق حمار، يعرف أن هذا الذي نهق حمار. لو سمع صوت سيارة مرت، يعرف أن هذا الصوت صوت سيارة. لو سمع صوت شيء سقط، وكان هذا الساقط كتابا، يعلم أنه سقط كتابا. طيب، يعرف ذلك بحاسة السمع. كذلك البصر؛ إذا بصر أو نظر إلى الشيء، يعرف أن هذا فلان من الناس، أو أن هذا حيوان، أو أن هذا جماد، هذا الشيء يدرى معرفته بالنظر. كذلك الشم؛ إذا شمنا رائحة كريهة، يعرف ما هذه الرائحة، وإذا شم رائحة طيبة، يعرف ما هذه الرائحة، ويميز بين الأشياء عن طريق حاسة الشم. أو كذلك اللمس؛ إذا لمس الشيء، يعرف أن هذا خشن، وهذا ناعم، طيب، عن طريق حاسة اللمس. أو كذلك الذوق؛ إذا تذوق الشيء من الطعام، يعرف أن هذا حلو، وهذا مالح. فالعلم بهذا علم ضروري يضطر الإنسان إلى معرفته بخلال هذه الحواس الخمس، لا يحتاج إلى استدلال ونظر، لا يحتاج إلى استدلال ونظر، هذا يسمى العلم الضروري. قال: أو بالتواتر؛ يعني يعلم الشيء بتواتره. وتواتره: هو إخبار طائفة بأمر، ويستحيل تواطؤهم على الكذب، ويكون استنادهم إلى أمر محسوس؛ هو إخبار جماعة كثيرة يستحيل تواطؤهم على الكذب، ويكون استنادهم إلى أمر محسوس. فما ثبت بهذا الطريق يسمى متواترا، ويحصل به العلم الضروري. مثلا أخبر الشخص بأن هناك بلدا تسمى الصين، العلم بهذا علم ضروري؛ لأن هذا خبر متواتر. أو أن هناك بلدا يسمى مثلا السعودية، وما قد رآها ولا ذهب إليها، لكن هذا شيء متواتر، العلم بها علم ضروري. طيب، فالآن حصل العلم بذلك عن طريق التواتر. مثلا جاء شخص وأخبر أن فلانا مات، ثم جاء الثالث، الرابع، عشرون، ثلاثون، أربعون، خمسون، مئة، يخبرون بهذا الخبر، فيكون عندك علم ضروري بصدق هذا الخبر، أو ما يمكن أن يستحيل تواطؤهم على الإخبار بهذا الخبر، وهو على خلاف الواقع، فيحصل بذلك العلم الضروري. قال: وَأَمَّا الْعِلْمُ الْمُكْتَسَبُ فَهُوَ الْمَوْقُوفُ عَلَى النَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ؛ العلم المكتسب يعني الذي يكتسبه الإنسان ويتحصل عليه. ولو كان الأولى أن يعبر بالعلم النظري؛ يعبر عن العلم الذي يقابل علم الضروري بالعلم النظري، أفضل من التعبير بالعلم المكتسب؛ لأنه قد يأخذ من رأي الأشاعرة في تسمية فعل المخلوق كسبا؛ من فعل تسمية فعل المخلوق مخلوقا كسبا. فالأولى أن يعبر بالعلم النظري؛ يعني الحاصل عن نظر واستدلال. الحاصل عن نظر واستدلال، مثلا معرفة أنه لا يجوز أن يجمع الرجل بين أختين، هذا علم نظري؛ يعني يعلم به عن طريق النظر والاستدلال في الأدلة، وبما يعلم كل إنسان، هذا يسمى علما نظريا، حصل عن طريق النظر والاستدلال، عن طريق النظر والاستدلال في الأدلة. طيب، كذلك مثلا العلم بأن الجد يحجب الأخوة، مثلا هذا علم نظري حصل عن طريق النظر والاستدلال. وما الفرق بين العلمين: العلم الضروري والعلم النظري؟ الفرق بينهما أن العلم الضروري منكره كافر؛ من أنكر علما ضروريا معلوما من الدين بالضرورة فإنه يكفر. لو أنكر إنسان وجوب الصلاة، قال: ليست واجبة، فهذا يكفر؛ لأن العلم بوجوبها علم ضروري. أو قال: بأن الزنا حلال، فإنه يكفر بذلك، إلا إذا كان شخصا حديث عهد بإسلام، ولم يكن قد علم حكم الإسلام في هذه الأمور والمسائل، قد يعذر بجهله. والعلم النظري إذا أنكره لا يكفر بذلك؛ لأنه قد يخفى عليه، فلابد من إقامة الحجة عليه، ثم بعد ذلك يحكم عليه بما يستحق. قال: والنظر هو الفكر في حال المنظور فيه، والاستدلال طلب الدليل. النظر هو الفكر في حال المنظور فيه؛ الفكر، الفكر يعني إعمال العقل، إعمال العقل في معرفة حقيقة الشيء، بمعنى أنك تحرك ذهنك حتى تقف على حقيقة هذا الشيء الذي تنظر فيه، هذا معنى الفكر في حال المنظور فيه، حتى تميزه وتعرف حقيقته، فتحرك فكرك وذهنك. والاستدلال طلب الدليل؛ هذا المعنى معنى عام من معاني الاستدلال. لأن غالبا أن الألف والسين والتاء تدل على الطلب؛ الاستدلال طلب الدليل، الاستسقاء طلب السقي. قال: والدليل هو المرشد إلى المطلوب؛ وهذا أحد معاني الدليل، أحد معاني الدليل هو المرشد إلى المطلوب. واللغة دلت على أن الدليل له عدة معان؛ منها المرشد، ومنها العلامة، ومنها واضع العلامة. فهذه من معاني الدليل. فالمرشد مثلا نقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم دليل إلى ربه؛ دليل إلى ربه بمعنى أنه حصل به الإرشاد. وكذلك أيضا يطلق الدليل على الآلة التي يحصل بها الإرشاد؛ الآلة التي يحصل بها الإرشاد، مثلا عندك علامة في الطريق تدلك على الطريق، وتقول: هذه العلامة تدلك على الطريق، طيب، تسمى الدليل. ويطلق أيضا الدليل على الله سبحانه وتعالى؛ لأنه هو المرشد والموفق للعبد لمعرفة الصواب، أو لحصول الهداية. ثم ذكر الكلام على الظن والشك والوهم، هذا إن شاء الله نتركها إلى الدرس القادم إن شاء الله. إلى هنا، صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.

شاركنا على