الدرس في شرح كتاب الزكاة 2، ألقاها
منع الزكاة بخلا مع اعتقاد وجوبها يعتبر إثما عند الجمهور، ويجب أخذها قهرا مع التعزير. وقد يصل الأمر إلى القتال إذا لزم.
تجب الزكاة في خمسة أجناس وهي بهيمة الأنعام والنقدان. تشمل بهيمة الأنعام الإبل والبقر والغنم، والنقدان هما الذهب والفضة.
تحدث عن الأصناف الخاضعة للزكاة مثل الأوراق النقدية وعروض التجارة والحبوب والثمار والمعادن والركاز. كل ما أعد للبيع يعتبر من عروض التجارة.
يتضمن الدعاء للنبي محمد صلى الله عليه وسلم بالصلاة والسلام. هذه العبارة تعبر عن التقدير والاحترام للنبي وتُعد من الأفعال المُثاب عليها.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المؤلف -فقه الله-: المسألة الرابعة: حكم مانعها بخلا. قال: من منع أداء الزكاة بخلا بها مع اعتقاده بوجوبها، فهو آثم بامتناعه، ولا يخرجه ذلك عن الإسلام، هذا في قول الجمهور من أهل العلم. وفي رواية عند الإمام أحمد أنه يكفر، والصحيح أنه لا يكفر؛ لأن الزكاة فرع من فروع الدين، فلم يكفر تاركه بمجرد تركه، لقوله صلى الله عليه وسلم: «من منع الزكاة ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار». ولو كان كافرا لما كان له سبيل إلى الجنة، والحديث في صحيح مسلم. في ذكر النبي عليه الصلاة والسلام لعقوبة مانع الزكاة، قال: «ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي زكاتها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار، فكويت بها جبينه وجنبه وظهره، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار». ثم ذكر مانع زكاة الإبل، ثم البقر، ثم الغنم، وذكر فيها: «ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار». وإذا كان كافرا فليس له سبيل إلى الجنة؛ فلما قال: «يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار»، دل على أنه ليس بكافر، وإنما مرتكب لكبيرة من كبائر الذنوب. قال: وهذا تأخذ منه الزكاة قهرا، مع التعزير. التعزير يعني التأديب بالضرب وبالحبس، وتأخذ منه الزكاة قهرا يعني تأخذ بالقوة. وجاء في حديث بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال فيمن منعها: «إن أخذوها وشطر ماله عزم من عزمات ربنا». والحديث رواه أبو داود وأحمد، وهذا من باب التعزير. يأخذ شطر ماله. قال: فإن قاتل دونها قاتل حتى يخضع لأمر الله تعالى ويؤدي الزكاة، لقوله تعالى: ﴿فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾. إن قاتل دونها قاتل يعني: إذا قاتل من أراد أخذ الزكاة منه، إذا أرسل ولي الأمر إلى من منع الزكاة لأخذها، وقاتل دون دفعها، فإنه يقاتل. لقول الله: ﴿فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾. منطوق الآية أنهم إن دفعوا الزكاة وأقاموا الصلاة، فيكف عنهم. ومفهوم المخالفة أنهم إن لم يدفعوا الزكاة ويقيموا الصلاة، فإنه لا يخلى سبيلهم، بل يقاتلون. قال: وقوله صلى الله عليه وسلم: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله». والحديث في الصحيحين، والشاهد منه قوله عليه الصلاة والسلام: «إلا بحق الإسلام». والزكاة من حق الإسلام؛ فإذا امتنع عن أدائها فإنه يقاتل. قال: ولقول أبي بكر الصديق: «لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله لقاتلتهم عليها». والحديث في الصحيحين. قال: والعناق الأنثى من ولد المعز ما لم تستكمل سنة. وذلك قاله أبو بكر رضي الله عنه لما ناقشه عمر في قتاله لمانع الزكاة. قال: وعمر رضي الله عنه لما سمع هذا من أبي بكر، قال: «والله ما هو إلا أن شرح الله صدري لقول أبي بكر، فعلمت أنه الحق». اتفق الصحابة رضوان الله عليهم على قتال مانع الزكاة. قال: وكان معه في رأيه الخلفاء الثلاثة وسائر الصحابة، فكان ذلك إجماعا منهم على قتال مانع الزكاة. ومانعها بخلا يدخل تحت هذه النصوص؛ يعني سواء كان المنع جحودا أو كان بخلا فإنه يقاتل على منعها. إذن عرفنا أن حكم مانعها بخلا أنه تأخذ منه قهرا، ويعزر، ويقاتل إن قاتل دونها. وأما بالنسبة لحكمه إن كان مقرا بوجوبها ولم يجحدها، فإنه يعتبر واقعا في كبيرة من كبائر الذنوب. قال: المسألة الخامسة: في الأموال التي تجب فيها الزكاة. قال: تجب الزكاة في خمسة أجناس من الأموال، وهي: أولا بهيمة الأنعام، وهي الإبل والبقر والغنم، لقوله صلى الله عليه وسلم: «ما من صاحب إبل ولا بقر ولا غنم لا يؤدي زكاتها إلا جاءت يوم القيامة أعظم ما كانت وأسمنه، تنطحه بقرونها وتطأه بأظلافها، كلما نفذت أخراها عادت عليه أولاها حتى يقضى بين الناس». والحديث في صحيح الإمام مسلم، من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. فقوله عليه الصلاة والسلام: «ما من صاحب إبل ولا بقر ولا غنم لا يؤدي زكاتها»، ثم ذكره الوعيد في مانع الزكاة في بهيمة الأنعام، دل هذا على أن بهيمة الأنعام من الإبل والبقر والغنم فيها الزكاة، وهذا بإجماع أهل العلم أنه يجب فيها الزكاة. وبهيمة الأنعام يبتدئ العلماء في ذكر ما يجب فيه الزكاة بذكر بهيمة الأنعام. قال: أهل العلم استئناسا بحديث أنس في الصدقات الذي كتبه أبو بكر رضي الله تعالى عنه، فبدأ بذكر بهيمة الأنعام. وأيضا في قوله جل وعلا: ﴿أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾. وسميت بهيمة الأنعام بهذا الاسم؛ سميت بهيمة لأنها لا تتكلم، لأنها لا تتكلم، وإنما أخذت من الإيهام أو الإبهام، وهو الخفاء وعدم الإيضاح. قال: والإبل تجب فيها الزكاة بجميع أصنافها، سواء كانت عربي أو عرابي أو بختي. العرابي الذي له سنام، والبختي الذي له سنامان، وتكثر في القارة الآسيوية وجود مثل هذا النوع. وكذلك البقر تشمل البقر العادية والمعتادة، وتشمل كذلك الجاموس؛ فإنه كذلك تجب فيه الزكاة. وهكذا الغنم تشمل المعز وتشمل الضأن؛ فكلها تجب فيها الزكاة. قال: ثانيا النقدان، وهما الذهب والفضة، الذهب والفضة، وكذلك ما يقوم مقامهما من العملات الورقية المتداولة اليوم، لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. وقوله صلى الله عليه وسلم: «ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار، فأحمي عليها في نار جهنم، فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره، كلما بردت ردت له، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة». قوله: النقدان وهما الذهب والفضة، سمي بالنقدين لأنها كانت النقود في الزمن الماضي ذهبا وفضة؛ الدنانير كانت من ذهب، والورق والدراهم كانت من فضة، وكانت الأثمان التي بها يباع ويشترى. والزكاة فيها بإجماع أهل العلم. وألحق بهما الأوراق النقدية؛ ألحق بالذهب والفضة الأوراق النقدية لأنها تقوم مقامهما، فهي الأثمان التي بها يباع ويشترى. قال: وجعل أهل العلم العلة في وجوب الزكاة في الذهب والفضة الثمنية؛ كونها ثمنا للأشياء. وهكذا الأوراق النقدية ثمنا للأشياء؛ فإنه كذلك تجب فيها الزكاة. وهي عوض عن النقدين؛ الأوراق النقدية الآن عوض عن النقدين الذهب والفضة؛ فتأخذ حكمهما. هذا هو القول الصحيح. قال: ثالثا عروض التجارة. عروض التجارة قال: هي كل ما أعد للبيع والشراء لأجل الربح، لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾. فقد ذكر عامة أهل العلم أن المراد بهذه الآية زكاة عروض التجارة. قال: عروض التجارة كل ما أعد للبيع والشراء لأجل الربح؛ كل ما أعد للبيع والشراء لأجل الربح، فهذا يسمى عروض تجارة؛ يعني كل ما عرض للبيع والشراء؛ فتجب فيه الزكاة؛ كالعقار، الأراضي مثلا التي تعرض للبيع والشراء، أو بهيمة الأنعام إذا كانت دون النصاب -كما سيأتي معنا أن بهيمة الأنعام لها نصاب معين- إذا كانت دون النصاب وهي عروض تجارة معروضة للبيع والشراء؛ فتجب فيها الزكاة. وهكذا أيضا ثياب، والمواد الغذائية، أو معدات البناء، أو غير ذلك مما هو معروض للبيع والشراء؛ فهذا يسمى عروض تجارة. قال: رابعا الحبوب والثمار. قال: الحبوب هي كل حب مدخر مقتات؛ من شعير وقمح وغيرهما. والثمار هي التمر والزبيب، لقوله تعالى: ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الْأَرْضِ﴾؛ مما يخرج من الأرض الحبوب والثمار. وقوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾. وقوله صلى الله عليه وسلم: «فيما سقت السماء والعيون أو كان عثريا العشر، وفيما سقي بالنضح نصف العشر». والحديث رواه البخاري من حديث ابن عمر. الحبوب والثمار هذه أيضا من الأصناف التي تجب فيها الزكاة. هنا خلاف بين أهل العلم -سيأتي في موضعه- هل يجب في كل حب وفي كل ثمر، أو أن هذا خاص بما دل عليه الدليل من الحبوب في الشعير والبر، وفي الثمار في التمر والزبيب؟ سيأتي الكلام في ذلك في موضعه. قال: خامسا المعادن والركاز. المعادن كل ما خرج من الأرض مما يخلق فيها من غير وضع واضع، مما له قيمة؛ كالذهب والفضة والنحاس وغير ذلك. سمي معدن. والركاز هو ما يوجد في الأرض من دفائن الجاهلية. ودليل وجوب الزكاة في المعادن والركاز عموم قوله تعالى: ﴿أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الْأَرْضِ﴾. قال الإمام القرطبي في تفسيره: يعني النبات والمعادن والركاز. ولقوله صلى الله عليه وسلم: «وفي الركاز الخمس». والحديث في الصحيحين، متفق عليه من حديث أبي هريرة. قال: وأجمعت الأمة على وجوب الزكاة في المعادن. وسيأتي تفاصيل هذه الأنواع من الأموال، وذكر أنصبتها وشروط الزكاة فيها. هذا سائل يقول: ما حكم من يسجد في الصلاة والعمامة في رأسه أو في جبهته معتمما؟ يجوز أن يسجد والعمامة تغطي جبهته. وإن كان الأفضل أن تكون الجبهة مكشوفة؛ إلا إذا احتاج -مثلا أن يسجد عليها بكون مثلا يصلي في مكان فيه حرارة- كموضع فيه الشمس ونحو ذلك؛ لا بأس. سواء كان الثوب منفصلا أو كان متصلا؛ يعني إذا كان منفصلا كعمامة يضعه أمامه ويسجد عليها؛ هذا ليس فيه شيء. وأما إن كان متصلا كالعمامة التي على رأسه فيسجد عليها؛ فهذا الأولى أنه لا يسجد عليها إلا إذا كان هناك حاجة. وأما من غير حاجة؛ فالأولى أن يسجد على جبهته. مع كون إن سجد عليها فليس عليه شيء؛ ليس عليه شيء. والله تعالى أعلم. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.