التعليق على مقدمة سنن الدارمي 48

الدرس في التعليق على مقدمة سنن الدارمي 48، ألقاها

التحذير من الابتداع في الدين واتباع السنة

يروي عبد الله بن مسعود عن النبي قوله: «اتبعوا ولا تبتدعوا، فقد كفيتم»، ويحذر من ابتداع أشياء لم يفعلها النبي ولا صحابته. الشريعة كافية لمن أراد الخير.

فضل الاقتصاد في السنة وتجنب البدعة

يُناقش أهمية الاقتصاد في السنة والابتعاد عن الاجتهاد في البدعة، حيث يعتبر الاقتصاد في العبادات على سنة النبي خيرًا عظيمًا. الاجتهاد غير المقيد بالسنة قد يؤدي إلى البدعة.

أهمية الاقتداء بالسلف وتجنب الفتن

يُنبه إلى خطورة الابتداع وضرورة الاقتداء بالسلف الصالح، حيث يحث على اتباع من ماتوا من الصحابة لأن الأحياء قد يفتنون. يشدد على أن الصحابة كانوا أبر الأمة قلوبا.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، أبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام الدارمي رحمه الله في مقدمة سننه، في باب في كراهية أخذ الرأي: قال أخبرنا يعلى وابن عبيد، من أبي أمية، قال حدثنا الأعمش سليمان المهران، عن حبيب، عن أبي عبد الرحمن، وهو السلمي، عبد الله بن حبيب، ثقة، قال شعبة: لم يسمع من ابن مسعود ولا من عثمان، ولكن سمع من علي. وهنا يروي عن عبد الله بن مسعود، لكن أثبت الإمام البخاري رحمه الله سماعه من ابن مسعود، كما في كتاب التاريخ، في كتاب التاريخ الكبير، ونقل ذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله في التهذيب، فحينئذ يكون سماعه ثابتا من عبد الله بن مسعود. قال: قال عبد الله، يعني ابن مسعود: «اتبعوا ولا تبتدعوا، فقد كفيتم». هذا الأثر عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه، صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، القارئ الفقيه، رضي الله تعالى عنه، يقول: «اتبعوا ولا تبتدعوا، فقد كفيتم»، يعني يكفيكم ما نقله لكم الصحابة رضوان الله عليهم مما أخذوه عن النبي عليه الصلاة والسلام من سنته، سواء كان في باب العقيدة، وفي باب العبادة، وفي باب المعاملات. فما عليكم إلا أن تتبعوا ما جاءكم عن النبي عليه الصلاة والسلام، وما نقله لكم الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، ولا تبتدعوا فتحدثوا أشياء وعبادات لم يفعلها النبي عليه الصلاة والسلام، ولا فعلها الصحابة رضوان الله تعالى. فما في شريعة النبي عليه الصلاة والسلام كافية لمن أراد الخير، ومن أراد الهداية، ومن أراد الاستقامة، ومن أراد الطاعة، ومن أراد العبادة، ومن أراد الأجر، ومن أراد الثواب، فيكفيه ما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام، وما جاء عن صحابته رضوان الله تعالى عليهم، فلا يحتاج أن يبتدع في دين الله جل وعلا ما ليس منه. فكونه يتبع ولا يبتدع هذا هو الذي ينبغي ويجب، هذا الذي يجب أن تكون متبعا ولا تكون مبتدعا، «اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء». فإذا ما تذكرون، الواحد منا ربما لو يعني رأى في نفسه وفي أفعاله وأقواله وعباداته لو وجد أنه مقصر في جانب أو جوانب كثيرة في باب العبادة وغيرها مما هو ثابت في الشريعة، ومما هو من دين الله جل وعلا، ومما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام، فكيف يدع ذلك الثابت والمشروع ويذهب ويبتدع في دين الله ما ليس منه، ويحدث عبادات وطاعات قولية أو فعلية أو اعتقادية أو غير ذلك مما هو ليس من دين الله جل وعلا في شيء؟ ونحو ذلك قوله رضي الله عنه: «اقتصاد في سنة خير من اجتهاد في بدعة»، كونك تقتصد في فعل العبادة والطاعة وأنت على سنة هذا خير، هذا خير عظيم، خير من أن تجتهد في بدعة. تريد الخير فتجتهد، لكن هذا الاجتهاد يوصلك إلى الوقوع في البدعة، هذا لا شك أنه خلاف الصواب، وانحراف عن الصراط المستقيم، وهذا الذي أوقع كثيرا من أهل البدعة في البدعة، أرادوا أن يجتهدوا، لكن لم يقتصروا على ما ثبت في السنة، فاجتهدوا فوقعوا في البدعة، أدى بهم اجتهادهم إلى خلاف هدي النبي عليه الصلاة والسلام، فوقعوا في البدعة. فهذا من فقهه رضي الله عنه أن يقول: «اقتصاد في سنة»، يعني كونك تفعل الشيء من العبادة والطاعة وأنت على سنة، وإن كان شيئا يسيرا وقليلا، هذا خير عظيم، سواء كان مثلا في باب الصلاة، في باب قيام الليل، تقتصر مثلا على الوتر أو ركعتين مع الوتر، هذا اقتصاد في سنة؛ لأن قيام الليل سنة. في الصيام تصوم مثلا في كل شهر ثلاثة أيام، أو تصوم الاثنين والخميس، تستمر على هذا، هذا اقتصاد في سنة، هذا خير عظيم. في تلاوة القرآن تقرأ شيئا وردا معينا، نصف جزء، جزء، أقل من ذلك، مع استمرار، هذا خير عظيم. أما أنك تجتهد حتى تقع في البدعة هذا شر، وإن كان هذا العمل كثيرا، فهذا إذا كان هذا العمل خلاف السنة فهو شر وليس بخير. فالخير هو في متابعة النبي عليه الصلاة والسلام، والأخذ بسنته، والسير على هديه وطريقته عليه الصلاة والسلام، وإن كان عملا قليلا. «اقتصاد في سنة خير من اجتهاد في بدعة»، نظرا إلى أولئك الذين أرادوا أن يجتهدوا وظنوا أن هذا العمل من الأعمال يقربهم إلى الله، ومن محبتهم للنبي عليه الصلاة والسلام، فأحدثوا الموالد، ويتعب الواحد نفسه، يجل الساعة وهو يعني ينشد المولد ويطبل ويقرع في بيوت الله، ويظن أنه على عبادة وعلى خير، وهو على بدعة وعلى ضلالة، اجتهد في بدعة وترك السنة. وهؤلاء الخوارج يظن أنهم على عبادة وعلى خير، فيذهبون فيقاتلون المسلمين، ويسبكون دماءهم، ويستحلون أموالهم، باعتقاد أن هؤلاء كفار، أصحاب الذنوب، أصحاب الكبائر، فوقعوا في البدعة، وما هو أعظم من ذلك. وهكذا «اقتصاد في سنة خير من اجتهاد في بدعة». ونحو ذلك أيضا قوله رضي الله تعالى عنه: «من كان مستنن فليستن بمن قد مات؛ فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة». هؤلاء أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام أبر هذه الأمة قلوبا، وأعمقهم علما، وأقلهم تكلفا، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوا آثارهم، واقتدوا ما استطعتم بأخلاقهم وسيرهم؛ فإنهم كانوا على الهدى المستقيم. يقول رحمه الله رضي الله عنه: «من كان مستنن»، يعني مقتديا ومتبعا، فليستن بمن قد مات، فليقتدي ممن قد مات وهو على خير والصلاح واستقامة؛ لماذا؟ لأن الحي كما قال: «لا تؤمن عليه الفتنة»، يعني أن يفتن في دينه ويزيغ عن الهدى والصراط المستقيم. فكونك تتعلق بشخص حي تتأسى به وتتبعه وتقتدي به، فربما يزيغ فتزيغ معه، وينحرف فتنحرف معه، وهذا حاصل في كثير من الأتباع الذين يقتدون بالأحياء ويتعلقون بهم، وربما يغلون فيهم، حتى إذا انحرفوا انحرفوا معهم، وإذا زاغوا زاغوا معهم. فيقول رضي الله عنه: «من كان مستنن فليستن بمن قد مات؛ فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة». هؤلاء أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام أبر هذه الأمة قلوبا، يعني أعظم هذه الأمة قلوبا في طاعتها واستجابتها وانقيادها لأمر الله وأمر رسوله عليه الصلاة والسلام، وأعمقها علما، فهم أعلم هذه الأمة بعد النبي عليه الصلاة والسلام، هم صحابة رضوان الله تعالى عليهم الذين صحبوا النبي عليه الصلاة والسلام، وشاهدوا التنزيل، وحفظوا هذا العلم من فيه عليه الصلاة والسلام. وأقلهم تكلفا، أقلهم تكلفا لا يتكلفون، فيقولون بما يعلمون، ويقفون عند حدود ما ثبت في الشرع في كتاب الله، وما سمعوه من رسول الله عليه الصلاة والسلام. قال: «وأقلهم تكلفا»، قوم صفاهم الله لصحبة نبيه، يعني اختارهم الله، اختار الله عز وجل الصحابة رضوان الله عليهم لأن يكونوا صحابة نبيه عليه الصلاة والسلام. وكما جاء في الأثر: أن الله عز وجل اطلع على قلوب العباد، فرأى قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فاصطفاهم لصحبته. قال: «فاعرفوا لهم فضلهم»، اعرفوا لهم قدرهم، منزلتهم، فيكون لهم النصيب الكبير من المحبة والتوقير والإجلال. قال: «واتبعوا آثارهم»، يعني واتبعوهم، وساروا على ما كانوا عليه في باب العقيدة، في باب العبادة، في باب المعاملة، فاتبعوهم على أثرهم، واقتدوا بأخلاقهم وسيرهم، انظروا كيف كانت أخلاقهم، وكيف كانت سيرتهم في سائر الأبواب والأحوال. قال: «فإنهم كانوا على الهدى المستقيم»، كانوا على هداية واستقامة وسداد. رضي الله تعالى عنه، قال بهذا الأثر: «اتبعوا ولا تبتدعوا، فقد كفيتم». صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد، آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على