الدرس في شرح تطهير الاعتقاد 4، ألقاها
التوحيد ينقسم إلى قسمين رئيسيين هما توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، وقد ذكره العلماء في كتبهم واستنبطوه من القرآن الكريم. بعض العلماء يضيف أقسامًا أخرى مثل توحيد الأسماء والصفات وتوحيد المتابعة.
توحيد الربوبية يعني إفراد الله بأفعاله وصفاته، بينما توحيد الألوهية يعني إفراد الله بجميع أنواع العبادات. المشركون القدامى كانوا مقرين بربوبية الله لكنهم أشركوا في الألوهية.
الرسل دعوا الأمم إلى توحيد العبادة وإفراد الله بالعبادة، وليس إلى توحيد الربوبية الذي يقر به المشركون. المشركون يقرون بوجود الله وربوبيته، لكنهم يشركون في عبادته.
الآيات ذكرت لتقرير الناس بما يقرون به من توحيد الربوبية، مما يلزمهم بالتوحيد بالألوهية. إقرار المشركين بربوبية الله يستلزم توحيده في العبادة.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام الحرمين رحمه الله برسالته «تطهير الاعتقاد»: قال الأصل الثالث: أن التوحيد قسمان، القسم الأول توحيد الربوبية والخالقية والرازقية ونحوها، ومعناه أن الله وحده هو الخالق للعالم، وهو الرب لهم، والرازق لهم، وهذا لا ينكره المشركون، ولا يجعلون لله فيه شريكا، بل هم مقرون به، كما سيأتي في الأصل الرابع. والقسم الثاني توحيد العبادة، ومعناه إفراد الله وحده بجميع أنواع العبادات الآتي بيانها، فهذا هو الذي جعلوا لله فيه الشركاء. ولفظ الشريك يشعر بالإقرار بالله تعالى. هذا التقسيم الذي ذكره المؤلف رحمه الله، أن التوحيد ينقسم إلى توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، تقسيم درج عليه العلماء وذكروه في كتبهم، كالإمام ابن منده، والإمام الطبري، وهكذا شيخ الإسلام ابن القيم، والشنقيطي وغيرهم، بل وقبلهم ابن بطة، والطحاوي، والقرطبي، وابن حبان، وابن أبي زيد القيرواني، وأبو بكر الطرطوشي، فذكر هذا التقسيم كثير من العلماء، كما سمعنا، وهو مستنبط من كتاب الله جل وعلا. والله عز وجل ذكر هذا التقسيم في سورة الفاتحة التي هي أول سور القرآن، كذلك أيضا هو مذكور في آيات كثيرة في كتاب الله جل وعلا، وهكذا أيضا في آية بسورة مريم في قوله جل وعلا: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾، وهكذا أيضا آخر سورة في القرآن وهي سورة الناس، كذلك اجتمعت على هذه الأقسام، فهذا التقسيم مستنبط من كتاب الله جل وعلا، فليس هو بتقسيم محدث كما يدعي أهل الأهواء من المتصوفة وغيرهم، ربما شنعوا على أهل السنة بأن هذا تقسيم محدث. ويقال لهم: هذا التقسيم مستنبط من كتاب الله، وإنما جمعه العلماء وذكروه من باب تقريب العلم وتسهيله، وكذلك أيضا الرد على المبطلين والرد على أهل الضلال من أمثال المتصوفة ومن كان على شاكلتهم، فليس هو بتقسيم محدث. ومثل ذكر العلماء لأركان الصلاة وشروطها وواجباتها وغيرها من العبادات، هذا التقسيم من باب تقريب العلم وتسهيل العلم، وهو مستنبط من أدلة الكتاب والسنة. المؤلف هنا ذكر أن التوحيد قسمان، فذكر توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، ولم يذكر توحيد الأسماء والصفات؛ لأن توحيد الأسماء والصفات يندرج ضمن توحيد الربوبية، يندرج تحت توحيد الربوبية. وبعض أهل العلم يجعله قسما ثالثا، فيجعل القسمة ثلاثية: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات. وربما زيد قسما رابعا، وهو توحيد المتابعة، وهو إفراد الرسول عليه الصلاة والسلام بالمتابعة. وعلى كل، فجميع هذه التقسيمات صحيحة، كلها تقسيمات صحيحة. فالمؤلف رحمه الله هنا أدرج توحيد الأسماء والصفات ضمن توحيد الربوبية؛ لأن الذي تفرد بالخلق والملك والتدبير وغيرها من أفعال وصفات الربوبية، فهو الذي يستحق أن يتصف بصفات الكمال، أن يتصف بصفات الكمال، أدلة على ربوبيته. ولهذا أدرج -كما سمعنا- توحيد الأسماء والصفات في ضمن توحيد الربوبية. وتوحيد الأسماء والصفات هو أن يثبت لله جل وعلا ما أثبته لنفسه من الأسماء الحسنى والصفات العلا، من غير تكيف ولا تمثيل ولا تعطيل، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. فتوحيد الربوبية هو القسم الأول الذي ذكره المؤلف رحمه الله، قال: «توحيد الربوبية والخالقية والرازقية ونحوها»، يعني من أمور الربوبية كالإحياء والإماتة، فهذه تثبت لله جل وعلا. ربما عبر عنه بعض أهل العلم بقولهم: «توحيد الله في أفعاله»، توحيد الله في أفعاله، يعني أن يوحد الله عز وجل في أفعاله الخاصة به، التي لا يشارك فيها أحد، من خلق وملك وتدبير وإحياء وإماتة ورزق وغير ذلك من أمور الربوبية. قال: «ومعناه أن الله وحده هو الخالق للعالم، وهو الرب لهم، والرازق لهم، وهذا لا ينكره المشركون، ولا يجعلون لله فيه شريكا، بل هم مقرون به»، يعني مقرون بربوبية الله، وأن الله عز وجل متفرد بالخلق والملك والتدبير والإحياء والإماتة وغيرها من أمور الربوبية وصفات الربوبية. فهذا ما أنكره المشركون إلا قليلا، لكن في الجملة هم مقرون به. وربما وقع في شرك الربوبية بعض غلاة المتصوفة، ولهذا كان شرك المتأخرين أشد من شرك الأولين، حتى في الربوبية أشركوا، وجعلوا لله جل وعلا شركاء فيما يعتقد المتصوفة من وجود أقطاب وأوتاد ونجباء -يعني من كبار الأولياء- الذين يتصرفون في هذا الكون مع الله جل وعلا، وهذا من شرك الربوبية. لكن المشركون الأولون يقرون بربوبية الله جل وعلا، وأنه المتصرف والمتفرد بالخلق والملك والإحياء والإماتة وغيرها من صفات الربوبية. قال: «والقسم الثاني توحيد العبادة، ومعناه إفراد الله وحده بجميع أنواع العبادات الآتي بيانها»، وهو توحيد الألوهية. ويعبر عنه بعض أهل العلم بقولهم: «توحيد الله في أفعال العباد»، بمعنى أن تكون أفعال العباد كلها لله، أفعال العباد كلها لله، من صلاة وصيام وزكاة وحج ودعاء واستغاثة وذبح ونذر إلى آخر ذلك من أنواع العبادة، سواء كانت عبادة طلبية أو كانت لفظية أو كانت فعلية أو مالية أو غير ذلك من أنواع العبادات، فهو إفراد الله وحده بجميع أنواع العبادات. قال: «هذا الذي جعلوا لله فيه الشركاء»، يعني الذين أشركوا قديما وحديثا، شركهم في توحيد الألوهية، وفي صرف العبادة لغير الله جل وعلا. قال: «ولفظ الشريك يشعر بالإقرار بالله تعالى»، يعني الذين أشركوا، هذا اللفظ «الشريك» يشعر بالإقرار بالله، أنهم يقرون بوجود الله، ويقرون بربوبية الله، لكن أشركوا في عبادة الله جل وعلا، وفي صرفهم للعبادة لغير الله سبحانه وتعالى. قال رحمه الله: «فالرسل عليهم السلام بعثوا لتقرير الأول ودعاء المشركين إليه»، بمثل قولهم في خطاب المشركين: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ﴾، وقولهم: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾. ذكر المفسر رحمه الله عند هذه الآية أنها تحتمل معنيين: الأول: أفي الله شك، أي أفي وجود الله شك؟ والفطر شاهد بوجود الله جل وعلا. والثاني: أفي الله شك، أي أفي ألوهيته جل وعلا شك؟ أنه الذي يستحق أن يفرد بالعبادة، وأن تصرف له سائر العبادات، وهو الخالق لجميع المخلوقات والمستحق للعبادة وحده. وهكذا: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾، والجواب: لا، لا يوجد خالق غير الله جل وعلا. قال: «وتنهاهم عن شرك العبادة، ولذا قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ أي قائلين لأممهم: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾، فأفاد بقوله: «في كل أمة» أن جميع الأمم لم ترسل لهم الرسل وتبعث لهم إلا لطلب توحيد العبادة، لا للتعريف بأن الله هو الخالق للعالم. والمراد بالعالم: كل من سوى الله، كل ما سوى الله فهو عالم، هذا الكون كله عالم، بما فيه الإنس والجن والحيوانات والجبال والأنهار والأشجار إلى الشمس والقمر إلى آخره، كلها عالم. فالرسل أرسلوا لدعوة الخلق إلى عبادة الله وتوحيد الله جل وعلا، لا للتعريف بأن الله هو الخالق لهذا العالم وهذا الكون، هذا شيء يقرون به، هذا يقرون به، ولكن الذي أمر به وبعث لأجله هو الأمر بتوحيد الله وإفراد الله جل وعلا بالعبادة. قال: «وأنه رب السماوات والأرض، فإنهم مقرون بهذا»، يعني ما بعث الرسل للدعوة إلى توحيد الربوبية، لا هذا يقر به المشركون والكفار، لكن أمروا بدعوتهم إلى توحيد الله، ولهذا قالوا: ﴿لَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾. قالوا: لهذا لم ترد الآيات في الغالب إلا بصيغة استفهام التقرير، نحو: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾، ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ﴾، ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ﴾، ﴿فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا﴾، ﴿فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ﴾، استفهام تقرير لهم؛ لأنهم به مقرون، يعني مقرون بربوبية الله. فلهذا ذكرت هذه الآيات على سبيل التقرير لهم بما يقرون به، حتى يلزموا بتوحيد الألوهية؛ لأن من أقر بالربوبية لزمه أن يقر بتوحيد الألوهية، كما قال الله عز وجل في قوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، يعني كيف تقرون بربوبية الله، وأن الله عز وجل متفرد بالخلق والملك والتدبير، فكيف تصرفون العبادة لغيره وتدعون غيره وتتقربون إلى غيره؟ فإذا كنتم مقرين بربوبية الله، فيلزمكم أن توحدوا الله جل وعلا بالعبادة والألوهية. قالوا: بهذا يعرف أن المشركين لم يتخذوا الأصنام والأوثان... نكتفي إن شاء الله، نقرأ ما تبقى من هذا الأصل في الدرس القادم بإذن الله. إلى هنا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.