الدرس في شرح تطهير الاعتقاد 12، ألقاها
المقطع الأول يتناول دعاء غير الله تعالى من الأولياء والصالحين، ويذكر أمثلة على ذلك. كما يشير إلى انتشار الغلو في تعظيم هؤلاء وتعدد قبورهم.
يناقش المقطع الثاني ظاهرة الغلو في الأضرحة والقبور، ويشير إلى آراء العلماء حول عدم وجود حقيقة لبعض الأشخاص الذين يعظمهم المتصوفة. كما يقارن بين ممارساتهم وفعل المشركين مع الأصنام.
المقطع الثالث يتناول القصيدة النجدية للإمام الصنعاني في مدح الشيخ محمد بن عبد الوهاب ودعوته إلى التوحيد. كما يشير إلى الردود على القصيدة المكذوبة التي نُسبت إليه خطأً.
المقطع الأخير يبدأ بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، ويبين أن هذه الصلاة من الأفعال المحببة إلى الله ورسوله، وأنها سبب لنيل الرحمة والمغفرة.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام محمد الأمير الصنعاني رحمه الله في كتابه "تطهير الاعتقاد": "قال: وكل قوم لهم رجل ينادونه، يعني يستغيثون به ويدعونه من دون الله جل وعلا". قال: "فأهل العراق والهند يدعون عبد القادر، وهو عبد القادر بن أبي صالح الجيلي، ويقال: الجيلاني، وأيضا يقال له: الكيلاني، وهو متوفى في سنة 561 للهجرة". ترجمه الإمام الذهبي رحمه الله في "السير"، وقال مما قال فيه: "ليس في كبار المشايخ من له أحوال وكرامات أكثر من الشيخ عبد القادر، لكن كثيرا منها لا يصح، وفي بعض ذلك أشياء مستحيلة"، يعني مما نسب إليه من الأقوال أو الأفعال التي من خوارق العادات. وختم ترجمته بقوله: "وفي الجملة، الشيخ عبد القادر كبير الشأن، وعليه مآخذ في بعض أقواله ودعاويه، والله الموعد". وبعض ذلك مكذوب عليه، وهو ممن تعظمه الصوفية ويغلون فيه. وله قبر في الهند، وفي باكستان، وفي مصر، وفي العراق، وفي الصومال، وفي جيبوتي، وهذا يدل على أن هذه القبور مجرد دعوة لا حقيقة لها. ومعلوم أن الشاص لا يمكن أن يكون له أكثر من قبر، إنما يقبر في مكان واحد، لكن بسبب غلو هؤلاء الجهال والمتصوفة في أمثال هؤلاء وتعظيمهم لهم، جعلهم يجعلون لهم قبورا متعددة، كل أهل بلد يجعلون قبرا للولي الفلاني أو العالم الفلاني، فيغلون فيه ويتخذونه ندا مع الله جل وعلا. قالوا: "أهل التهائم لهم في كل بلد ميت يهتفون باسمه". ويريد بأهل التهائم من كان أسفل مكة، يقال: اتهامه لما كان أسفل مكة، وما كان أعلاها يقال له: نجد، وما كان حولها يقال له: حجاز. قالوا: "يا زيلعي، زيلعي، يا بن العجيل"، يعني ممن يدعون، يدعون الزيلعي، وهو أحمد بن عمر الزيلعي الجبرتي الصوفي، متوفى سنة سبعمائة وأربعة للهجرة، كما ذكر المحقق. وذكر أن وفاته في اللحية، أو اللحية منطقة في تهامية تقع شمال الحديدة على ساحل وادي مور، ولا يزال يدعى من دون الله جل وعلا. وابن العجيل هو أحمد بن موسى بن علي بن عجيل اليمني، متوفى سنة ستمائة وتسعين للهجرة، وقيل: ستمائة وتسعين. وله قبر في قرية تسمى قرية ابن عجيل في بيت الفقيه، وهي قرية من الحديدة تبعد قدر خمسمائة وثلاثين كيلو متر. والمقصود بالفقيه نسبة إليه لابن عجيل، فسميت هذه القرية باسمه. قالوا: "أهل مكة والطائف يبن العباس"، يعني الإمام الحبر عبد الله بن عباس رحمه الله، رضي الله تعالى عنه، الصحابي الجليل وإمام التفسير، حبر هذه الأمة وعالمها. قالوا: "أهل مصر يا رفاعي ويا بدوي"، يعني ممن يدعون الرفاعي والبدوي. الرفاعي هو أحمد بن أبي الحسن علي بن أحمد الرفاعي المغربي، متوفى سنة خمسمائة وثمانية وسبعين للهجرة. وذكر المحقق ناقلا عن العلامة أحمد شاكر رحمه الله في "حكم الجاهلية" كلاما مضمونه هو هل يوجد حقيقة رجل يسمى بهذا الاسم باسم البدوي أحمد بن علي أم أنه مجرد اسم لا حقيقة له؟ وذكر رحمه الله أنه لم يذكر أحد من أهل التاريخ من المتقدمين هذا الرجل، ولم يترجم له إلا المتأخرون، كأنه يشير رحمه الله إلى أنه لا يوجد في الحقيقة رجل يسمى بهذا الاسم. لكن هكذا المتصوفة وعباد القبور يغلون في الأشخاص وإن لم يكن لهم حقيقة، وإن لم يكن لهم حقيقة ربما بني له قبر ومشهد، وقيل: هو مشهد البدوي وأنه كذا وكذا، ويذكر له شيء من ما يسمونه بالكرامات، ثم يتعلقون به ويدعونه من دون الله جل وعلا. قال: "والسادة البكرية"، يعني أن أهل مصر العون الرفاعي والبدوي والسادة البكرية، وهم نسبة إلى طائفة من طوائف الصوفية يزعمون أنهم ينتسبون إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه. قال: "وأهل الجبال يا أبا طير". وأبو طير أحمد بن الحسين بن أحمد بن القاسم اليمني، ملقب بأبي طير، قتل سنة ستمائة وخمسة وستين للهجرة، كما ذكر المحقق. قال: "وقبره الآن في ذي بين في عزلة بن جبر من خارف أحد بطون حاشد الكبرى". ونقل على الإمام الشوكاني رحمه الله أنه ذكر في "الدر النظير" قال: أي الشوكاني: "ورؤي لنا أن بعض أهل جهات القبلة وصل إلى القبة الموضوعة على قبر الإمام أحمد بن الحسين صاحب ذي بين رحمه الله، فرآها وهي مسرجة بالشمع والبخور ينفح في جوانبها، وعلى القبور السطور الفائقة". فقال عند وصوله إلى الباب: "أمسينا بالخير يا أرحم الراحمين". انظر إلى اقتراف الجهال بمثل هذه المظاهر التي يرونها على هذه القبور من غلو أهلها فيها وتزينها وإيقاد الشموع عليها والأضواء والسرج وتغطيتها بالفرش الفاخرة إلى آخر ذلك، يغتر الجاهل حتى يظن أنه إله. قالوا: "أهل اليمن يبنى علوان"، أن يدعو كذلك أهل اليمن ابن علوان، وهو أحمد بن علوان الصوفي اليمني، متوفى سنة ستمائة وخمسة وستين للهجرة، نظم قصيدة ادعى لنفسه فيها أمورا خارقة للعادة. وقبر في قرية يقال لها يفرس، على وزن يفرق، من ناحية جبل حبشي من المعافر الحجرية، تبعد عن تعز قدر ثلاثين كيلو متر. قال: "وفي كل قرية أموات يهتفون بهم وينادونهم ويرجونهم لجلب الخير ودفع الضر"، وهو بعينه فعل المشركين في الأصنام، أي أن المشركين كانوا يدعون تلك الأصنام ويستغيثون بها ويطلبون منها كشف الكربات وقضاء الحاجات. وهذا بعينه ما فعله عباد القبور مع هذه القبور وهذه الأضرحة، فهم يذبحون لها وينذرون لها ويستغيثون بها ويدعونها من دون الله جل وعلا، ففعلهم هو عين فعل المشركين الأوائل سواء بسواء. قال: "كما قلنا في الأبيات النجدية أعادوا بها معنى سواع ومثله يغوث وود، بئس ذلك من ودي". وقد هتفوا عند الشدائد باسمها كما يهتف المضطر بالصمد الفردي، وكم نحروا في سوحها من نحيرة أهلت لغير الله جهلا على عمدي، وكم طائف حول القبور مقبلا يلتمس الأركان منهن بالأيدي. هذه القصيدة ألفها الإمام الصنعاني رحمه الله المؤلف، وسماها "بالأبيات النجدية" لأنه مدح فيها الشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله، لما بلغه من دعوته إلى التوحيد ونبذ الشرك. كتب هذه الأبيات مؤيدا لما يدعو إليه، ومبينا ما وصل إليه حال الناس من وقوعهم في الشرك وصرفهم العبادات لغير الله جل وعلا. وأن ما يدعو إليه الشيخ محمد بن عبد الوهاب هو ما يدعو إليه الصنعاني رحمه الله من الدعوة إلى التوحيد وإخلاص العبادة لله جل وعلا وحده. وهذه القصيدة ثابتة عن إمام الصنعاني رحمه الله، كما أثبتها في هذا الكتاب، وأخبر أنه كتبها. وهناك أبيات أخرى تنسب إلى المؤلف رحمه الله، وفيها أنه نسخ ما ذكره في هذه الأبيات، وأنه تكلم على الشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب واتهمه بأنه مكفر للمسلمين، ونقض ما ذكره في هذه القصيدة، وهي قصيدة موضوعة مكذوبة على الإمام الصنعاني رحمه الله. وقد رد عليها بعض أهل العلم، وألف رسالة أسماها "بتبرئة الشيخين الإمامين مما نسب إليه أهل الزور والمين"، بين فيها كذب هذه القصيدة الثانية التي تنسب إلى الإمام الصنعاني رحمه الله، وأنها مكذوبة ولا تصح نسبتها إليه. وذكر بعض الأوجه التي تدل على كذبها، ومنها أن ما في القصيدة الثانية تنافي ما كان عليه الإمام الصنعاني رحمه الله من دعوة إلى التوحيد ونبذ الشرك والتحذير منه. كذلك أيضا أن فيها من الجهل الشيء الكثير والخروج على الحق، مما يدل على أن الإمام الصنعاني رحمه الله لم يكتبها. كذلك أيضا فيها ما يناقض ما ذكره الإمام الصنعاني في هذه الأبيات التي أثبتها لنفسه في مدحه لما عليه الشيخ محمد بن عبد الوهاب من الدعوة إلى التوحيد ونبذ الشرك، فكانت القصيدة الثانية مناقضة لذلك. وإذا كان الأمر كذلك، وهذا الأمر ليس في أمور الأخبار وإنما في أمور علمية ومسائل علمية، فحينئذ لابد من الترجيح بين القصيدتين. والقصيدة الثانية هذه لم تذكر في شيء من كتب المؤلف رحمه الله، فيعلم أنها ليست له، ولم يكن هو الذي ألفها وكتبها. كذلك أيضا في القصيدة الثانية شيء من الضعف والركاكة في ألفاظها، مما يدل أن المؤلف لم يكتبها. وكذلك ذكر مؤلف هذه الرسالة "تبرئة الشيخين" أن الذي أخبره بهذه القصيدة رجل يقال له مربد بن أحمد التميمي، وبيّن رحمه الله أنه ليس ممن عرف بالعلم. ولو قدر أنه قال ذلك وهو كذاب، فهو كذاب فيما يدعيه من نسبة هذه القصيدة للمؤلف رحمه الله. فالمؤلف بريء منها براءة يوسف من دم الذئب. والقصيدة الثابتة عنه، وما أثبتها لنفسه رحمه الله في هذا الموضع. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.