الدرس في شرح لمعة الإعتقاد 1، ألقاها
تعريف بمؤلف كتاب لمعة الاعتقاد وهو الإمام ابن قدامة المقدسي، وشرح لبراعة الاستهلال كأسلوب بلاغي يستخدم في مقدمات الكتب.
شرح معنى البسملة وتحليل ألفاظها مثل "بسم الله" و"الحمد لله"، مع توضيح معانيها اللغوية والشرعية.
مناقشة صفات الله تعالى وأسماءه الحسنى وإثباتها كما وردت في القرآن والسنة دون تمثيل أو تعطيل.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، في هذا اليوم إن شاء الله نبتدئ في قراءة وفي القراءة في كتاب "لمعة الاعتقاد" للإمام ابن قدامة المقدسي رحمه الله. وسنكتفي بالتعليق على المتن. وقبل ذلك نذكر ترجمة مختصرة عن مؤلف هذا الكتاب. مؤلفه هو موفق الدين أبو محمد عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة بن مقدام بن نصر بن عبد الله المقدسي، ثم الدمشقي الصالحي. ولد في شعبان سنة إحدى وأربعين وخمسمائة للهجرة، بقرية جماعيل من جبل نابلس، أي في بلاد الشام. قال: قدم دمشق مع أهله وله عشر سنين، فقرأ القرآن وحفظ مختصر الخرقي. ثم رحل إلى بغداد، وهو وابن خالته الحافظ عبد الغني المقدسي، سنة إحدى وستين وخمسمائة للهجرة. وسمع الكثير من مشايخ كثيرين فيها. تفقّه رحمه الله حتى فاق أقرانه، وحاز قصب السبق، وانتهى إليه معرفة المذهب وأصوله، أي مذهب الإمام أحمد. كان ورعًا، زاهدًا، تقيًا، عليه هيبة ووقار، وفيه حلم وتؤدة. وأوقاته مستغرقة للعلم والعمل. وكان يفحم الخصوم بالحجج والبراهين، ولا يتحرج، وخصمه يصيح ويحترق. تلقى ابن قدامة رحمه الله العلم على عدد وافر من الشيوخ. ومن أشهرهم تقي الدين أبو محمد عبد الغني المقدسي، وفقيه العراق ناصح الإسلام أبو الفتح نصر بن فتيان، الشهير بابن المنى. أما تلاميذه فكثر، ومن أشهرهم شهاب الدين أبو شامة المقدسي، المتوفى سنة خمس وستين وستمائة للهجرة، والحافظ زكي الدين أبو محمد المنذري، المتوفى سنة ست وخمسين وستمائة للهجرة. وأثنى عليه العلماء. قال أبو عمر بن الصلاح: "ما رأيت مثل الشيخ الموفق". وقال ابن تيمية: "ما دخل الشام بعد الأوزاعي أفقه من الشيخ الموفق". وقال المنذري: "الفقيه الإمام، حدث بدمشق، أفتى ودرس، وصنف في الفقه وغيره مصنفات مختصرة ومطولة". وقال الذهبي: "أحد الأئمة الأعلام، صاحب التصانيف". وقال ابن كثير: "شيخ الإسلام، إمام، عالم، بارع، لم يكن في عصره ولا قبل دهره بمدة أفقه منه". وهذا الثناء من هؤلاء العلماء يدل على عظيم منزلته في العلم وكبر شأنه. أما تصانيفه فكثيرة. قال المرجى رحمه الله: "صنف الشيخ الموفق رحمه الله التصانيف الكثيرة الحسان في المذهب، فروعًا وأصولًا، وفي الحديث واللغة والزهد والرقائق". وتصانيفه في أصول الدين في غاية الحسن، أكثرها على طريقة المحدثين، مشحونة بالأحاديث والآثار، وبالأسانيد، كما هي طريقة الإمام أحمد وأئمة الحديث. ومن هذه التصانيف في الفقه: "المغني" و"الكافي" و"العدة" و"العمدة" و"المقنع" وغيرها. وفي العقيدة: "لمعة الاعتقاد" و"القدر" و"ذم التأويل" و"العلو" وغيرها من الكتب. وهكذا في أصول الفقه: "روضة الناظر". وفي الرقائق والزهد: "الرقة والبكاء" و"التوابين". وفي الحديث: "مختصر علل الحديث" للخلال وغيرها من التصانيف الكثيرة التي تدل على سعة علمه وقوته ودقة فهمه، حتى برع في كثير من العلوم. وهذه الرسالة التي بين أيدينا هي إحدى هذه الرسائل التي ألفها هذا الإمام فيما يتعلق بمسائل الاعتقاد، وسماها بـ"لمعة الاعتقاد". واللمعة ذكر أهل اللغة لها عدة معاني، ومنها: البلوغ من الشيء. وهذا أنسب المعاني لمعنى اللمعة في هذا الموضع. والاعتقاد من أفعال القلوب، وهو افتعال من عقد القلب على الشيء. إذا لم يزل عنه، فالاعتقاد ارتباط القلب بما طوى عليه ولزمه. وقال بعضهم: "الاعتقاد في الاصطلاح الحكم الذهني الجازم". فإن طابق الواقع فصحيح، وإلا ففاسد، كما ذكر الشيخ ابن عثيمين رحمه الله. قال رحمه الله: "بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله المحمود بكل لسان، المعبود في كل زمان، الذي لا يخلو من علمه مكان، ولا يشغله شأن عن شأن، جل عن الأشباه والأنداد، وتنزه عن الصاحبة والأولاد، ونفذ حكمه في جميع العباد، لا تمثله العقول بالتفكير، ولا تتوهمه القلوب بالتصوير، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، له الأسماء الحسنى والصفات العلا، الرحمن على العرش استوى، له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى، وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى، أحاط بكل شيء علما وقهر كل مخلوق عزة وحكما، ووسع كل شيء رحمة وعلما، يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما، موصوف بما وصف به نفسه في كتابه العظيم، وعلى لسان نبيه الكريم". فابتدأ رحمه الله هذه الرسالة بذكر البسملة، اقتداء بكتاب الله جل وعلا وبسنة رسوله عليه الصلاة والسلام. وقوله "بسم الله" للاستعانة، أي أبدأ مستعينًا ومتبركًا بسم الله جل وعلا الموصوف بالرحمة الواسعة. وقوله "الحمد لله" الحمد هو وصف المحمود بأوصاف الكمال مع المحبة والتعظيم. فإن خلت الوصف والثناء عن المحبة فهو المدح. وقوله "الحمد لله" لفظ الجلالة أو اللام في لفظ الجلالة للاستحقاق، يعني الحمد كله لله جل وعلا والمستحق له. والله جل وعلا ولفظ الجلالة "الله" مشتق من الألوهية، من أله يأله إلهة، بمعنى عبد. فالمألوه هو المعبود. وقوله "الحمد لله" ألف الحمد للاستغراق، أي كل المحامد لله. كل المحامد لله جل وعلا. والله جل وعلا يحمد لكماله سبحانه، ويحمد جل وعلا لعظيم فضله وإنعامه. قال: "المحمود بكل لسان" يعني أن كل مخلوق فهو يحمد الله جل وعلا. وكما قال سبحانه: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾. فقوله "المحمود بكل لسان" سواء كان بلسان المقال أو بلسان الحال، فيشمل ذلك ما كان له لسان وما لم يكن له لسان، كالأشجار والأحجار والبحار والأنهار وغيرها من المخلوقات. فالكل يحمد الله جل وعلا، كل قد علم صلاته وتسبيحه. وقوله "المعبود في كل زمان" يعني الله جل وعلا هو الذي يستحق العبادة جل وعلا، الذي يعبده العابدون بكل زمان من الأزمان. الذي لا يخلو من علمه مكان، فالله جل وعلا معنا بعلمه وإحاطته. وهو معكم أينما كنتم، يعني بعلمه وإحاطته. وكذلك قال الله جل وعلا: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، ﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾، أحاط بكل شيء علما. ولا يشغله شأن عن شأن، يعني لا يشغله أمر من الأمور عن غيره. وكما أخبر جل وعلا عن نفسه: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾، يعني في عمل من الأعمال وحال من الأحوال، من خلق وإحياء وإماتة ورزق وهداية وإضلال إلى آخر ذلك من الأمور. "جل عن الأشباه والأنداد" جل بمعنى تنزه عن الأشباه والأنداد، يعني وقول الأشباه والأنداد بمعنى واحد. فهذا من عطف اللفظ على معناه. يعني جل وتنزه جل وعلا أن يشابهه شيء وأن يماثله شيء وأن يكون له ندًا، وأن يكون له مثيلًا. كما قال الله جل وعلا: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾. وقال جل وعلا: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾، وقال جل وعلا: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. ولو قال "جل عن الأمثال والأنداد" لكان أفضل، لموافقة لفظ الكتاب والسنة. "تنزه عن الصاحبة والأولاد" كما قال الصاحبة المراد بها الزوجة. كما قال جل وعلا: ﴿مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا﴾. وهكذا قوله جل وعلا: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾. وهكذا قوله جل وعلا: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾. فهو المتفرد جل وعلا بالخلق والملك والتجبر والألوهية والربوبية، وبالأسماء والصفات. "نفذ حكمه في جميع العباد" فحكم الله جل وعلا ينقسم إلى قسمين: حكم شرعي وحكم قدري. فقوله "نفذ حكمه في جميع العباد" أي الحكم الشرعي والقدري، بما أمر الله جل وعلا من الأوامر والنواهي. فحكمه نافذ، ويجب طاعته في ذلك. وإن يعني ترك بعض العباد فعله، فهم مخاطبون به وموجه الخطاب إليهم. والحكم القدري ما أراده جل وعلا قدرًا. وهذا الذي لا بد من وقوعه، سواء كان مما يحبه الله جل وعلا ويرضاه أو كان مما لا يحبه ويرضاه. "لا تمثله العقول بالتفكير ولا تتوهمه القلوب بالتصوير" ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. لا تمثله العقول بالتفكير، مهما فكر العبد في ذات الله وفي صفات الله، فلن يستطيع أن يعرف كنه جل وعلا وحقيقته وكيفيته. بل هو ممنوع من أن يتفكر في صفات الله جل وعلا، وأن يكيفها أو يتخيلها في ذهنه. فهذا مما لا تحيط به العقول ولا تدركه. "ليس كمثله شيء وهو السميع البصير" فمهما مثل أو كيف العبد ربه وتخيله في ذهنه، فليس له في ذلك مثيل، ولا يمكن أن يكون كذلك. فقوله جل وعلا "ليس كمثله شيء" رد على الممثلة الذين مثلوا صفات الله جل وعلا بصفات المخلوقين. وقوله "وهو السميع البصير" رد على المعطلة الذين عطلوا صفات الله جل وعلا. وطريق الصواب وطريق أهل السنة والجماعة، الذين نفوا عن الله جل وعلا التمثيل، وأثبتوا صفات الله جل وعلا كما أثبتها جل وعلا نفسه، من غير تمثيل ولا تعطيل. "له الأسماء الحسنى والصفات العلا" فالله عز وجل سمى نفسه بأسماء عديدة، وكل أسماء حسنى، دال على الكمال والحسن والجمال. كما قال جل وعلا: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾. والصفات العلى، فكل اسم من أسماء الله جل وعلا دال على صفة، دال على الصفة التي اجتمعت عليها هذا الاسم، وغيرها من الصفات التي هي منفصلة ليست من أسماء الله جل وعلا. وكل صفات الله جل وعلا صفات عليا، تدل على كمال الخالق سبحانه وتعالى وعظمته وجلاله. "الرحمن على العرش استوى" استوى بمعنى علا وارتفع واستقر. وهذه أيضًا من صفاته جل وعلا. والرحمن من أسمائه الدال على صفة الرحمة. "له ما في السماوات وما في الأرض" أي الذي في السماوات والذي في الأرض، كله ملك لله جل وعلا. "وما بينهما وما تحت الثرى" أي ما تحت الأرض، فهو ملك لله سبحانه وتعالى. "وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى" وهذا من عظيم سعة علم الله جل وعلا. أن العبد إذا جهر بالقول، فهذا واضح يعلمه ولا يخفى عليه. كما أنه لا يخفى على بعض الخلق. وكذلك أيضًا ما يسره ويخفيه، ما يسره يعني ما يتكلم به في السر. فالله جل وعلا يعلمه. وأخفى ما في صدره مما لم يظهره ويبديه. فالله جل وعلا يعلمه. يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. بل قال أهل العلم: إن الله جل وعلا يعلم ما في ما لم يتكلم به العبد قبل أن يتكلم به، قبل أن يخطر بباله أن يتكلم به. قد علمه الله جل وعلا. "أحاط بكل شيء علما وقهر كل مخلوق عزة وحكما" فكل المخلوقات تحت قهر الله جل وعلا وقدرته وقوته وحكمه سبحانه وتعالى. "ووسع كل شيء رحمة وعلما" كما أخبره جل وعلا بذلك عن نفسه. ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾. "يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما" وهذا أيضًا دال على كمال علم الله جل وعلا وإحاطته. فيعلم ما بين أيدي الخلق وما خلفهم. ولا يحيطون به، الضمير قيل يرجع إلى الله جل وعلا، أي لا يحيطون بالله جل وعلا علما. وقيل يرجع إلى العلم، أي لا يحيطون بعلم الله. والأول أظهر، أن المراد به عود الضمير إلى الله جل وعلا. فلا يحسب العباد بالله جل وعلا علما. فلا يعلمون حقيقته وذاته سبحانه وتعالى. وإن أخبر الله جل وعلا ببعض صفاته، فإنهم لا يحيطون به علما. "موصوف بما وصف به نفسه في كتابه العظيم، وعلى لسان نبيه الكريم" أي أن الله جل وعلا وصف نفسه بأوصاف في القرآن، ووصفه النبي عليه الصلاة والسلام في سنته، بصفات دالة على كماله جل وعلا وعظمته وجلاله وعظيم قدرته. يجب على المسلم كما سيأتي إثباتها كما أثبتها الله جل وعلا لنفسه، وكما أثبتها له رسوله عليه الصلاة والسلام. وهذه المقدمة من المؤلف في ابتداء هذه الرسالة تدل على حسن تقديمه وحسن استهلاله. وهذا يسميه أهل البلاغة ببراعة الاستهلال، أن يذكر المتكلم أو المؤلف في مقدمة كلامه مضمون ما سيتكلم به. نكتفي بهذا القدر إلى هنا، صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.