الدرس في الأمثال في القرآن الكريم 6، ألقاها
القرآن الكريم يضرب مثلاً للحياة الدنيا بإنبات الأرض ونزول المطر ثم يبسها وزوالها، ليبين للناس حقيقتها الفانية. هذا المثل يوضح سرعة زوال الدنيا وانتهائها.
الله تعالى يبين في القرآن حقيقة الدنيا الفانية ويحذر من الاغترار بها، ويضرب أمثالًا لتوضيح زوالها مثل الزرع الذي ينمو ثم ييبس. الإنسان يجب أن يعمل للآخرة ويتزود بالتقوى.
الله جل وعلا وصف الدنيا بأنها لعب ولهوز وزينة وتفاخر، وأنها مثل غيث نباته يعجب الكفار ثم يهيج ويصفر ثم يكون حطامًا. الحياة الدنيا هي متاع الغرور الذي يغتر به الإنسان.
المسلم يجب أن يحرص على طاعة الله والعمل للآخرة لأنها الحياة الباقية، والدنيا فانية ولا قيمة لها مقارنة بالآخرة. نسأل الله التوفيق لطاعته وفعل الأعمال الصالحات.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الله جل وعلا: ﴿إنما مثل الحياة الدنيا كما إن أنزلنا من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وزينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون﴾. في هذه الآية ضرب الله جل وعلا مثل الحياة الدنيا، وبين جل وعلا حقارتها وحال الإنسان معها في الاغترار بها والركون إليها، وسرعان ما تذهب وتزول وتنتهي. إنما مثل الحياة الدنيا، أي في اغترار الإنسان بها وتعلقه بها وسرعة زوالها وانتهائها، كما إن أنزلناه من السماء -المطر والغيث الذي ينزله الله جل وعلا من السماء- فاختلط به نبات الأرض، أي اختلط هذا المطر بالأرض فأنبت النبات والزروع، فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام، يعني فأنبتت هذه الأرض من النبات والزروع والحبوب والثمار مما يأكله الناس من أنواع الحبوب والثمار، وما تأكله الأنعام كالقضب والقصب ونحوها. حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وزينت، يعني ظهر جمالها وبانت خضرتها وزينت بما فيها من زروع وزهور وبدت ثمارها، وظن أهلها أنهم قادرون عليها، أي على حصادها وعلى نيل ما أثمرته من الثمار، أتاها أمرنا ليلا أو نهارا، فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس، أتاها أمرنا من رياح باردة أو غير ذلك من الآفات التي يبعثها الله جل وعلا ليلة أو نهارا، فجعلناها حصيدا، أي يابسة بعد أن كانت خضرة يانعة، إذ بها يابسة قد انتهت وضمحلت، كأن لم تغن بالأمس، كأن لم تكن شيئا بالأمس، كأن لم تكن خضرة رطبة بالأمس، إذ بها يابسة لا ينتفع منها. كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون، أن يتفكرون في آيات الله جل وعلا ويتعظون ويعتبرون في زوال هذه الدنيا وانتهائها. وكذلك أيضا في حال الإنسان، فحاله كذلك كحال هذا الزرع والنبات الذي يظهر وينبت وهو في غاية من القوة، ثم يضعف ثم يزول وينتهي. وكذا حال الدنيا وحال الإنسان فيها، فإنه يكون في أول أمره ضعيفا، ثم يشب ويقوى، ثم يضعف ويكبر، ثم بعد ذلك يكون الموت والانتهاء، كما قال الله جل وعلا: ﴿والله خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة يخلق ما يشاء وهو العليم القدير﴾. هكذا حال الإنسان كحال هذه الدنيا التي سرعان ما تزول وتنتهي. وكذا الإنسان يعني يغتر بشبابه كاغترار الإنسان بالزرع في قوته وفي نضوجه، ثم يبدأ بالضعف فيكبر وتضعف جوارحه، ثم يصير شيخا، ثم بعد ذلك الموت. فبين الله جل وعلا في هذا المثل حقيقة هذه الدنيا وسرعان زوالها وانتهائها، وأن الإنسان يغتر بها ويظن أنها هي داره التي يسكنها وأنه لا دار له غيرها، فيعمل لها ويحب لأجلها ويبغض لأجلها وينسى الدار الآخرة والدار الحقيقية التي يجب أن يعمل لها وأن يعمرها في هذه الدنيا بطاعة الله جل وعلا وعبادته وذكر الله جل وعلا. نحو هذه الآية في موضعين آخرين في سورة الزمر وفي سورة الحديد في بيان حقارة هذه الدنيا وسرعان زوالها كزوال الزرع والنبات. قال الله جل وعلا في سورة الحديد: ﴿ألم تر أن الله أنزل من السماء ماءا فسلكه ينابيع في الأرض ثم يخرج به زرعا مختلفا ألوانه ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يجعله حطاما إن في ذلك لذكرى لأولي الألباب﴾. ألم تر أن الله أنزل من السماء ماءا فسلكه ينابيع، ينزل الله جل وعلا المطر فيبقى في الأرض ينبع، يعني العيون تنبع من الماء الذي أنزله الله جل وعلا، وأيضا تسيل الأودية من هذا الماء، فتخرج الأرض زروعها ونباتها وثمارها، ثم يهيج فتراه مصفرا، أي يابسا، ثم يجعله حطاما قد تحطم وانتهى فلا ينتفع منه. إن في ذلك لذكرى لأولي الألباب، أي لذوي العقول، العقول الحية والعقول الصحيحة، العقول الناضجة التي تنتفع بآيات الله جل وعلا، والتي تتعظ وتعتبر بزوال هذه الزروع والنبات وسرعان ما يذهب. وهكذا الدنيا في سرعان زوالها وانتهائها واغترار الإنسان بها، فإذا بها يعني في لحظة قد حال أو حيل بين الإنسان وبينها. فلذلك فالعاقل لا يغتر بهذه الدنيا ويعمل لآخرته، ويجعل هذه الدنيا دار عمل ودار زاد يتزود فيها من طاعة الله جل وعلا، كما قال سبحانه: ﴿وتزودوا فإن خير الزاد التقوى﴾. وهكذا قال الله جل وعلا في سورة الحديد: ﴿اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب وله وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور﴾. هكذا يقول الله سبحانه وتعالى أيضا بحقيقة هذه الدنيا، وأن هذه الحياة لعب وله وزينة ومناظر واغترار بظواهرها وبزينتها، كمثل غيث أعجب الكفار نباته، الغيث المطر الذي ينزله الله جل وعلا بعد قنوط العباد، وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته وهو الولي الحميد، كمثل غيث أعجب الكفار نباته، الكفار أي الزرع، وسمي الزارع كافر لأنه يغطي ويكفر النبات أو الحب في الأرض يغطيه حتى ينبت، أعجب الكفار نباته، يعني زرعه وخضرته، ثم يهيج فتراه مصفرا، أي يابسا، هاجت عليه الرياح فأيبسته وذهبت خضرته وجماله، ثم يكون حطاما. وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان، أي أن حال الإنسان يوم القيامة على أحد أمرين، إما عذاب شديد وإما مغفرة من الله ورضوان، إما أن يكون من أهل العذاب وأهل الشقاوة وأهل النكال، وإما أن يكون من أهل السعادة وأهل النعيم الذين لهم المغفرة والرحمة ولهم رضوان الله سبحانه وتعالى. ثم قال الله جل وعلا: ﴿وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور﴾، أي ما هذه الحياة إلا متاع في الأموال ومتاع في الأهل والأولاد، وهذا المتاع يغتر به الإنسان، إلا متاع الغرور يغتر به فيغره ويظن أنه باق وأنه يعني لا يزول ولا ينتهي، فيتعلق به ويترك الآخرة والعمل لها. فلهذا الله جل وعلا ذم الدنيا وذكر حقيقتها، وبين جل وعلا مثلها بمثل هذا الزرع في هذه المواضع، وبين أن الحياة الدنيا متاع الغرور الذي يغتر به الإنسان، وهي لا تستحق هذا الغرور ولا تستحق هذا التعلق الذي يتعلق بها الإنسان، هو يعلم أنها ستزول وتنتهي وتضمحل، ولا يبقى للإنسان فيها إلا عمله الذي ينتفع به والذي يجده يوم القيامة. فلذلك يحرص المسلم على التزود في هذه الدنيا من طاعة الله جل وعلا والعمل للآخرة التي هي الحياة الباقية والحياة المستمرة والحياة الدائمة، كما قال جل وعلا: ﴿وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون﴾، أي الحياة الحقيقية لو أن الناس يعلمون ذلك فيعملون لها ويسعون في بنائها وإعمارها بطاعة الله جل وعلا. فنسأل الله جل وعلا يوفقنا وإياكم لطاعته، ويعيننا جل وعلا على فعل الأعمال الصالحات التي تكون لنا زادا يوم القيامة. صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.