الدرس في فتح الرحمن في شرح نظم السيوطي الناسخ والمنسوخ من القرآن 3، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
كان تحريم الأكل والشرب والجماع بعد النوم في ليالي رمضان مفروضا في بداية الإسلام، ثم نسخ الله تعالى هذا الحكم بآية الرفث. نزلت آية إباحة الأكل والشرب في ليالي رمضان لرفع المشقة عن المسلمين.
نزلت آية إباحة الأكل والشرب في ليالي رمضان بعد أن كان المسلمون يحرمون على أنفسهم الأكل والشرب بعد النوم، ففرحوا بها فرحا شديدا لأنها رفعت عنهم المشقة. الآية نزلت أيضا لرفع تحريم الجماع بعد النوم في ليالي رمضان.
يتناول تقييد المنع من الأكل والشرب والجماع في الصيام، حيث يبين أن المنع كان مقيدا بالنوم أو بصلاة العشاء، وأن التقييد الحقيقي هو بالنوم كما في حديث البراء. كما يشرح فرق بين صيام المسلمين وأهل الكتاب.
شرح حديث النبي حول السحور وفرق بين صيام المسلمين وأهل الكتاب، وتناول حكم الأكل والشرب بعد النوم في الإسلام وتطوره.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام السيوط رحمه الله في منظومته في الناسخ والمنسوخ من القرآن: قال «وحرمة الأكل بعد النوم من رفث، وفدية لمطيق الصوم مشتهر». قال الشارح، عفا الله عنه: قوله «وحرمة الأكل بعد النوم من رفث» قال: يريد نسخ ما كان من تحريم الأكل والشرب والوطء بعد النوم في ليالي رمضان، بقوله تعالى: ﴿أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم﴾ الآية، وهي ناسخة لهذا الحكم، لما ثبت في السنة من تحريم ذلك. فهنا الآن هذه النسخ، النسخ باعتبار الناسخ، أن الناسخ من القرآن، وهي هذه الآية «حل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم» الرفث عن الجماع، فهذه الآية ناسخة لما كان عليه الأمر قبل نزولها من تحريم الأكل والشرب والجماع بعد النوم، يعني كان الحكم الأول أن من صلى العشاء أو نام حرم عليه الأكل والشرب والجماع إلى الليلة التي بعدها، فنسخ الله عز وجل هذا الحكم بهذه الآية، وأحل جل وعلا الأكل والشرب والجماع في سائر ليالي رمضان. ﴿حل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾. قال الإمام البخاري رحمه الله: حدثنا عبيض الله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء رضي الله عنه قال: «كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان الرجل صائما فحضر الإفطار فنام قبل أن يفطر لم يأكل ليلته ولا يومه حتى يمسي»، يعني إذا نام قبل أن يفطر حرم عليه الأكل والشرب إلى الليلة التي بعدها، يعني يمسك من تلك الليلة إلى الليلة التي بعدها. قال: «وإن قيس بن صرم الأنصاري كان صائما، فلما حضر الإفطار أتى امرأته، فقال لها: أعندك طعام؟ قالت: لا، ولكن أنطلق فأطلب لك». وكان يومه يعمل، فغلبته عيناه -ومعلوم أن الإنسان إذا كان يعمل وهو صائم في النهار، ما سيأتي أول الليل إلا وهو متعب- فقيس بن صرم رضي الله عنه غلبته عيناه بسبب التعب والعمل الذي كان يعمله في النهار فنام. قال: «فجاءت امرأته، فلما رأته قالت: خيبة لك»، يعني أصبحت محروما، حرم عليك الأكل والشرب. قال: «فلما انتصف النهار غشي عليه»، يعني أغمي عليه من شدة التعب. قال: «فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية: ﴿أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم﴾ ففرحوا بها فرحا شديدا، ونزلت: ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود﴾ ثم نزل بعد ذلك: ﴿من الفجر﴾». فأحل الله عز وجل الأكل والشرب في ليالي رمضان، من غروب الشمس إلى طلوع الفجر الصادق، الخيط الأبيض من الخيط الأسود يعني بياض النهار من سواد الليل، ففرحوا بها فرحا شديدا، أن فيها رفع لهذه المشقة، الحكم الأول فيه شيء من المشقة، كون الإنسان إذا نام قبل أن يأكل حرم عليه الأكل والشرب، هذا الحكم فيه شدة، فنسخ هذا الحكم بإباحة الأكل والشرب في ليالي رمضان، فكان في ذلك تخفيفا وتفريجا ورحمة بهم. قال: «واخرجه من وجه آخر، فقال: حدثنا أحمد بن عثمان، قال: حدثنا شريح بن مسلمة، قال: حدثني إبراهيم بن يوسف، عن أبيه، عن أبي إسحاق، قال: سمعت البراء رضي الله عنه قال: لما نزل صوم رمضان، كانوا لا يقربون النساء رمضان كله، وكان رجال يخونون أنفسهم»، معنى يخونون أنفسهم أنهم يأتون النساء بعد أن يناموا، بعد أن تغلبهم عيناهم ويناموا، وقد حرم عليهم ذلك، فيأتي أهله، ومنهم عمر رضي الله عنه ممن وقع له ذلك، رضي الله عنه أنه غلبته عيناه ثم أتى امرأته، فجاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام يذكر له ذلك، فأنزل الله عز وجل هذه الآيات. وفي سياق الحديث في طرق أخرى خارج الصحيح، قال: «فأنزل الله: ﴿علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم﴾ تختانون أنفسكم يعني بإتيانكم إلى النساء بعد نومكم، وحرم ذلك عليكم، فتاب عليكم وعفا عنكم، أي مما حصل منكم من ذلك، ثم قال جل وعلا: ﴿فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم﴾ يعني في ليالي رمضان». قال: «ولا مانع أن الآية نزلت في الأمرين جميعا، عدم الأكل والشرب، عدم الأكل والشرب بعد النوم، والوطء بعد النوم»، يعني نزول الآيات: ﴿حل لكم ليلة الصيام﴾، ﴿وعلم الله أنكم تختانون أنفسكم﴾ تكون نزلت في كلا الأمرين، في رفع حكم تحريم الأكل والشرب بعد النوم، وهكذا أيضا تحريم الجماع بعد النوم. قال: «كما قال الحافظ رحمه الله في الفتح، وقال رحمه الله: ولأبي الشيخ من طريق زكريا، عن أبي زائد، عن أبي إسحاق، قال: كان المسلمون إذا أفطروا يأكلون ويشربون ويأتون النساء ما لم يناموا، فإذا ناموا لم يفعلوا ذلك، لم يفعلوا شيئا من ذلك إلى مثلها». فاتفقت الروايات في حديث البراء على أن المنع من ذلك كان مقيدا بالنوم، وهذا هو المشهور من حديث غيره. وقيد المنع من ذلك في حديث ابن عباس بصلاة العتمة، يعني أن المنع من الأكل والشرب والجماع قيد في حديث ابن عباس بصلاة العشاء، بمعنى إذا صلوا العتمة حرم عليهم الطعام والشراب والنساء، وصاموا إلى القابلة، يعني اليوم الذي بعده، ونحوه من حديث أبي هريرة، وهذا أخص من حديث البراء. ويحتمل أن يكون ذكر صلاة العشاء لكون ما بعدها مظنة النوم غالبا، وهذا هو الغالب أنهم في تلك الأزمان كانوا إذا صلوا العشاء ناموا بعد صلاة العشاء، وتجد مثل ذلك في كثير من القرى والبوادي التي ليس فيها كهرباء، تجد أهلها إذا صلوا العشاء مباشرة يلجأون إلى النوم، فذكر صلاة العشاء لأن ما بعدها مظنة النوم. قال: «والتقييد في الحقيقة إنما هو بالنوم كما في سائر الأحاديث»، يعني لا تعارض في حديث ابن عباس وأبي هريرة بذكر تحريم الأكل والشرب والجماع بعد صلاة العشاء، وما جاء في حديث البراء أنه بعد النوم، فذكر صلاة العشاء لأن ما بعدها مظنة النوم، والغالب أنه بعد صلاة العشاء ينامون، والمعتبر حقيقة في التحريم هو بعد النوم كما في حديث البراء. قال: «وبين السدي وغيره أن ذلك الحكم على وفق ما كتب على أهل الكتاب»، كما أخرجه جرير، من طريق السدي، ولفظه: «كتب على النصارى الصيام، وكتب عليهم ألا يأكلوا ولا يشربوا ولا ينكحوا بعد النوم، فكتب على المسلمين أولا مثل ذلك»، يعني في أول الإسلام، وفي أول فرض الصيام، قال: «حتى أقبل رجل من الأنصار فذكر القصة». ومن طريق إبراهيم التيمي: «كان المسلمون في أول الإسلام يفعلون كما يفعل أهل الكتاب، إذا نام أحدهم لم يطعم حتى القابلة». ويؤيد هذا ما أخرجه مسلم عن عمرو بن العاص مرفوعا: «فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر»، انتهى كلامه رحمه الله. يعني قول النبي عليه الصلاة والسلام: «فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب»، أي اليهود والنصارى «أكلة السحر»، معنى هذا أنهم لا يتسحرون؛ لأنهم يحرم عليهم الأكل والشرب بعد النوم، بخلاف أهل الإسلام، فإنه حل لهم ذلك، وإن كان قد حرم عليهم في أول الإسلام، ونسخ هذا الحكم. قال رحمه الله: قوله «وفدية لمطيق الصوم مشتهر» قال: يريد قوله تعالى: ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين﴾. أو نترك كلام على هذا الموضع إن شاء الله في الدرس القادم. إلى هنا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.