عشر قواعد في تزكية النفس 13

الدرس في عشر قواعد في تزكية النفس 13، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

أهمية محاسبة النفس ووصايا السلف

يتحدث الشيخ عبد الرزاق البدر عن أهمية محاسبة النفس مستشهداً بوصايا السلف الصالح. يشدد على ضرورة المسارعة في طاعة الله قبل فوات الأوان.

المسارعة إلى الطاعات واجتناب المعاصي

يوصي النبي صلى الله عليه وسلم بالمحافظة على طاعة الله واجتناب المعاصي والمحرمات. يحث على المسابقة في فعل الخيرات قبل انقضاء الأجل.

محاسبة النفس يوم القيامة وتقديم الأعمال الصالحة

يجب على الإنسان محاسبة نفسه في الدنيا قبل يوم القيامة حيث تعرض أعماله على الله. يوم القيامة، توزن أعمال العباد ويحاسبون على أفعالهم.

ختام المحاضرة والإشارة إلى المجالس القادمة

يتم الإعلان عن اختتام المحاضرة الحالية مع الإشارة إلى استكمال باقي النقاط في المجالس القادمة. يختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الشيخ عبد الرزاق البدر حفظه الله في رسالته «عشر قواعد في تزكية النفس»: خاتمة. قال: وبعدما تقدم من بيان هذه القواعد التي تعين العبد على تزكية نفسه وتطهيرها، ظهر بجلاء حاجة النفس إلى المحاسبة ما دامت في دار المهلة والعمل، قبل أن يقف الإنسان بين يدي الله عز وجل يوم القيامة، وقد أهمل إصلاح نفسه، وكانت سبب هلاكه. وقد كان السلف الصالح يذكرون الناس ويؤصونهم بضرورة محاسبة النفس وإصلاحها قبل فوات الأوان وحلول المنية. ويحسن في ختام هذه الرسالة نقل بعض الوصايا التي جاءت عنهم في هذا الباب، وعلى رأس هؤلاء الخلفاء الأربعة الراشدون. فختم المصنف رحمه الله هذه الرسالة بعد أن ذكر هذه العشر قواعد التي تعين المسلم على تزكية نفسه، ختمها بذكر شيء من آثار السلف في اعتنائهم بمحاسبة أنفسهم، لأن محاسبة الإنسان لنفسه مما يعين هذه النفس على صلاحها، وعلى كذلك كمالها، وبلوغها إلى أعلى المراتب وأعلى المنازل وأشرف الدرجات. فإذا حاسب الإنسان نفسه، ساق نفسه إلى لزوم طاعة الله جل وعلا، والمحافظة على الفرائض والواجبات، واجتناب المعاصي والمحرمات. فإذا كان حاله كذلك، فإنه بإذن الله جل وعلا يوفق إلى حصول هذه التزكية التي ينبغي للعبد أن يحرص عليها، وأن تكون نفسه نفسا زكية، حتى يحصل له الخير في الدنيا والآخرة. قال الخليفة الراشد أبو بكر الصديق رضي الله عنه: اعلموا عباد الله أنكم تغدون وتروحون في أجل قد غيب عنكم علمه، فإن استطعتم أن تنقضي الآجال وأنتم في عمل الله فافعلوا، ولن تستطيعوا ذلك إلا بالله، فسابقوا في مهل آجالكم قبل أن تنقضي آجالكم فيردكم إلى أسوأ أعمالكم. فإن أقواما جعلوا آجالهم لغيرهم ونسوا أنفسهم، فأنهاكم أن تكونوا أمثالهم، فالوحى الوحى، ثم النجاء النجاء. ومعنى الوحى الوحى، أي الإسراع الإسراع، يقال: وحيت توحيا إذا أسرعت، وهو منصوب على الإغراء، يعني على معنى الحث والترغيب. قال: ومعناه في الأثر: السرعة السرعة. قال: ثم النجاء النجاء، فإن وراءكم طالبا حثيثا مره سريع، يعني الموت. وهذا الأثر كما أشار المصنف حفظه الله أنه أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه. هذه وصية الصديق أبي بكر رضي الله تعالى عنه في محاسبة النفس. فيقول: اعلموا عباد الله أنكم تغدون وتروحون -تغدون أي في الصباح وتروحون أي في آخر النهار- في أجل قد غيب عنكم علمه، يعني أن الإنسان يصبح ويمسي في أجل قد كتب له، لكن هذا الأجل قد غيب عنه، ولا يعلم متى يأتيه أجله ومتى تأتيه منيته. فإن الله عز وجل من حكمته أن جعل أمر الآجال أمرا غيبيا لا يعلمه إلا هو سبحانه وتعالى، ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾، ويقول سبحانه: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾، ويقول عز وجل: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾، فأمر الآجال أمرا غيبيا لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى. فالإنسان يغدو ويروح ويصبح ويمسي في أجل قد غيب عنه، لا يدري متى ينتهي هذا الأجل، فيغدو ولا يروح أو يروح فلا يغدو، وتنتهي حياته في هذه الدنيا. قال: فإن استطعتم أن تنقضي الآجال وأنتم في عمل الله فافعلوا، يعني أنكم ملازمين ومحافظين لطاعة الله جل وعلا، مواظبين على فعل الطاعات، ومحافظين على فعل الفرائض، مجتنبين للمعاصي والمحرمات في سائر أحوالكم وفي كل أوقاتكم، فلا ينقضي أجل هذا الإنسان إلا وهو في طاعة وفي عبادة، أو في أمر مباح قد أدى ما أوجب الله سبحانه وتعالى عليه، واجتنب ما نهاه الله عز وجل عنه. قال: ولن تستطيعوا ذلك إلا بالله، يعني إلا بتوفيق الله سبحانه وتعالى لكم، إذا وفق الله عز وجل العبد للهداية والتوفيق ولزوم الطاعات واجتناب المعاصي والمحرمات، أعانه جل وعلا على لزوم فعل هذه الطاعات والمحافظة عليها والاستمرار في فعلها، وذلك إذا علم الرب جل وعلا صدق هذا العبد وحسن نيته، وكذلك أيضا سلامة سريرته، وفقه الله جل وعلا للهداية والتوفيق. قال: فسابقوا في مهل آجالكم قبل أن تنقضي آجالكم فيردكم إلى أسوأ أعمالكم. سابقوا في مهل آجالكم، أي ما دام أن لك مهلة في هذا الأجل الذي لم ينتهي بعد، أنت تعيش في أجل معلوم، فما دامت لك مهلة في هذا الأجل الذي لم ينتهي بعد، فسابق -سابق- في لزوم الطاعات والمحافظة على الفرائض، سابق في فعل النوافل، نوافل الطاعات، سابق في التوبة والإنابة والرجوع إلى الله سبحانه وتعالى. فإن معك مهلة ما دام الأجل لم ينقضي بعد، قبل أن تنقضي آجالكم، لأن الأجل إذا انقضى حيل بين الإنسان وبين الأعمال، وحيل بينهم وبين ما يشتهون، كما فعل بأشياء من قبل. نعم، إذا نزل الأجل، إن قضى أمر الأعمال، فلا يستطيع الإنسان أن يتقرب إلى الله جل وعلا بطاعة، لا بصلاة ولا بذكر ولا بتسبيح ولا بتكبير ولا بتحميد ولا بتهليل، إلى آخر ذلك من أعمال الطاعات والقربات. فلذلك يسابق الإنسان في مهل أجله قبل أن ينقضي الأجل. قال: فإن أقواما جعلوا آجالهم لغيرهم ونسوا أنفسهم. قال: فأنهاكم أن تكونوا أمثالهم، يعني أن أقواما جعلوا آجالهم لغيرهم، بمعنى ربما نفعوا غيرهم -نفعوا غيرهم- إما نفعا حسيا وإما نفعا معنويا، النفع الحسي بالبذل والعطاء والإنفاق من الأموال أو نحو ذلك، والنفع المعنوي بربما تعليم العلم ونحو ذلك مما ينتفع منه الناس، وفي نفس الوقت أهملوا أنفسهم في إصلاحها وفي محاسبتها، وفي كذلك الأخذ بها إلى ما فيه فلاحها ونجاتها. قال: فأنهاكم أن تكونوا أمثالهم، أي أمثال هؤلاء الذين نفعوا غيرهم وأهملوا أنفسهم، فكان حالهم كحال الشمعة التي تضيء لغيرها وتحرق نفسها. قال: فالوحى الوحى، ثم النجاء النجاء، أي المسارعة المسارعة والمسابقة في فعل الخيرات ولزوم الطاعات واجتناب المحرمات والتوبة والإنابة إلى الله جل وعلا، حتى ينجو العبد من عذاب الله ويفوز بنعيم الله جل وعلا. قال: فإن وراءكم طالبا حثيثا مره سريع، يعني الموت. أنت بهذه الدنيا في هذا الأجل الذي تغدو وتروح فيه، الموت وراءك، الموت وراءك يطلبك، حتى إذا جاء الأجل أدركك الموت، وحينئذ تنقضي هذه المهلة التي كانت معك في هذه الحياة الدنيا. ويقول الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا، وتزينوا للعرض الأكبر يوم تعرضون لا تخفى منكم خافية. وهذا الأثر كذلك أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه. يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه الخليفة الثاني: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا. حاسب نفسك: ما الذي عملت؟ وما الذي فعلت؟ هل حافظت على الفرائض والواجبات؟ هل أدت الصلوات الخمس في أوقاتها في بيوت الله؟ هل اجتنبت المعاصي والمحرمات؟ هكذا تحاسب نفسك. هل ظلمت أحدا؟ هل بقيت على أحد؟ تحاسب هذه النفس في الدنيا قبل أن تحاسب في الآخرة، قبل أن تحاسب في الآخرة. فإنك إذا حاسبت نفسك في الدنيا أصلحت نفسك وهيأت نفسك لحساب الآخرة، ويخف عليك حساب الآخرة بمحاسبة هذه النفس في الدنيا. حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وَزِنُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُوزَنُوا، أي زن هذه النفس: هل هي بميزان الشرع؟ هل هي ملازمة للكتاب والسنة؟ موافقة لأمر الله وأمر رسوله؟ أم أنها مخالفة لأمر الله ورسوله؟ فتصلح هذه النفس حتى تتهيأ يوم أن توزن -يوم القيامة- يزن الإنسان، توزن أعماله وتوزن جوارحه، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾. قال: وتزينوا للعرض الأكبر يوم تعرضون لا تخفى منكم خافية. تزينوا للعرض الأكبر، أي بالأعمال الصالحة، بلزوم الطاعات وترك المحرمات، أن يكون العبد على أكمل حال من الصلاح والاستقامة والهداية، فهذا هو زينة الإنسان التي ينبغي أن يتزين بها ويتهيأ بها ويجهز نفسه يوم أن يعرض على ربه سبحانه وتعالى، فيحاسبه جل وعلا أعماله التي عملها في هذه الحياة الدنيا. يوم تعرضون لا تخفى منكم خافية، كما أخبر الله سبحانه وتعالى بذلك في كتابه: يوم تعرضون لا تخفى منكم خافية، أي يعرض العبد على ربه جل وعلا، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ كُلَّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾. وهكذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه المتفق عليه: «ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه، ليس بينه وبينه ترجمان ولا حجاب يحجبه». الحديث. إذن تعرض على الله جل وعلا، لا تخفى منكم خافية، أي لا يخفى شيء من أعمال العباد، كل صغيرة وكبيرة تعرض على العبد يوم القيامة، كما قال الله عز وجل: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾. وهكذا يقول الله جل وعلا: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾. إذن لا تخفى على العبد خافية مما عمله وأخفاه لربما في هذه الدنيا عمله في السر وأخفى هذا العمل عن أعين الناس، فيكشف ويفضح يوم القيامة، يوم تبلو السرائر، فما له من قوة ولا ناصر. والله جل وعلا يقول مخبرا بعلمه جل وعلا بما عمله العباد: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾. وقال عز وجل: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾. فلا شيء يخفى يوم القيامة مما عمله العبد في هذه الدنيا. فإذا كان الأمر كذلك، فإن ذلك يسوق العبد إلى أن يصلح أعماله وإلى أن يصلح نفسه، وكذلك يتوب وينوب إلى ربه سبحانه وتعالى حتى يسهل عليه الحساب يوم القيامة، ويقف عليه حسابه في ذلك اليوم العظيم، يوم العرض على الله جل وعلا. نسأل الله عز وجل أن يوفقنا وإياكم لطاعته، وأن يعيننا سبحانه وتعالى على محاسبة أنفسنا وإلى الأخذ بزمامها إلى ما فيه فلاحنا ونجاتنا في الدنيا والآخرة. ونكمل إن شاء الله ما تبقى من ذكر هذه الآثار التي ذكرها المصنف رحمه الله في محاسبة النفس في المجالس القادمة بإذن الله. إلى هنا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.