عشر قواعد في تزكية النفس 11

الدرس في عشر قواعد في تزكية النفس 11، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

صفات النفس الثلاث في القرآن الكريم وتقلب أحوالها

النفس لها ثلاث صفات: المطمئنة واللوامة والأمارة بالسوء، وتتقلب بين هذه الصفات بحسب الواردات عليها وتتغير أحوالها.

رياضة النفس وتأديبها بلزوم الطاعات

النفس تحتاج إلى رياضة وتأديب بلزوم الطاعات وترك المعاصي لتكمل حالها وتصل إلى أعلى المراتب، وترويضها على الطاعات يمنع من عواقب عدم الترويض.

أهمية ترويض النفس وتحذير من عواقب إهمالها

يشرح الإمام الآجري أهمية ترويض النفس على الطاعات وترك المعاصي، ويحذر من عواقب عدم ترويض النفس، ويضرب مثلًا للمهر الذي يحتاج إلى رياضة.

ختام المجلس والإشارة للمجلس القادم

تم اختتام المجلس بذكر ما وصل إليه أهل الإيمان، مع الإشارة إلى استكمال الموضوع في المجلس القادم، والصلاة على النبي محمد.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الشيخ عبد الرزاق البدر حفظه الله في رسالته "عشر قواعد في تزكية النفس": قال القاعدة العاشرة "معرفة النفس". قالوا: مما يتحتم في باب تزكية النفس معرفة حقيقة هذه النفس ومعرفة صفاتها؛ ليسهل الاعتناء بها ورعايتها ومداواتها من الآفات التي تطرأ عليها. وقد وصف الله النفس في كتابه الكريم بثلاث صفات مشهورة معلومة. وهذه الصفات قد تكون النفس متصفة بهذه الصفة، وقد تتصف بالصفة الأخرى، وقد تمر هذه الصفات على نفس واحدة، فمرة تكون مطمئنة، ومرة قد تكون أمارة، ومرة قد تكون لوامة، كما سيأتي. قال: النفس المطمئنة وهي التي اطمئنت بالإيمان وذكر الله تعالى وعبادته، وحسن الإقبال على الطاعة والعبادة. كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾، أي: قلوب أهل الإيمان، وقلوب أهل الأنفس المطمئنة التي اطمئنت بطاعة الله وبعبادة الله وبالقرب من الله جل وعلا. وقال تعالى: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾، هكذا يخاطب الله عز وجل هذه النفس المطمئنة التي تكون في جسد المؤمن الذي اطمأن قلبه، واطمأن فؤاده، واطمأنت الجوارح لطاعة الله ولعبادة الله، فكانت نفسًا ثابتة على الحق، متبعة لشرع الله، منقادة لأوامر الله جل وعلا. يقال لها: ارجعي إلى ربك، أي: إلى جواره وإلى ثوابه وما عده الله جل وعلا لأهل هذه النفس من النعيم في جنته، راضية بما قدره الله عز وجل لها من الثواب والأجر، مرضية أي في ثوابها وأجرها. فادخلي في عبادي، أي: في عباد المؤمنين، فهذه النفس لا تكون إلا في عباد الله المؤمنين الطائعين. فادخلي في عبادي وادخلي جنتي. فهذه أول صفات النفس، وهي النفس المطمئنة. قال: والنفس اللوامة، هذه النفس الثانية. قال: وهي التي تلوم صاحبها على فعله الخطأ أو تقصيره في الواجب أو تفريطه في الطاعة. كما قال تعالى في سورة القيامة: ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾، أي: لتلوم صاحبها على فعله للذنب والخطيئة إذا وقع في الذنب أو وقع في الخطأ، إما بترك واجب أو بفعل معصية، لامته نفسه على هذا الذنب: لماذا فعل ذلك؟ لماذا ترك هذا الواجب؟ لماذا فعل هذا المحرم؟ تلومه وتؤنبه، هذه هي النفس اللوامة. قال: والنفس الأمارة بالسوء، وهذه هي صفة النفس الثالثة، النفس التي تأمر صاحبها بالسوء والشر. قال: وهي التي تحث صاحبها على فعل المحرمات وارتكاب الآثام، وتقوده إلى مواطن المنكرات ومواضع الرذيلة، وتدفعه إلى فعل القبائح والرذائل. كما جاء في سورة يوسف عليه السلام: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾، أي: أن النفس تأمر صاحبها بالسوء وبالشر وفي فعل الذنب والمعصية والسعي إلى نيل لذاتها وشهواتها ورغباتها، إلا من رحم ربي، إذا عصم الله عز وجل هذه النفس عن الوقوع في المعاصي والذنوب، فذلك بتوفيق الله سبحانه وتعالى ومن رحمة الله جل وعلا بالعبد. فهذه الأوصاف الثلاثة للنفس هي في الحقيقة أحوال متعلقة بالنفس، ولذلك فإن هذه الأحوال تتقلب وتتغير بحسب الواردات التي ترد على النفس. قد تجتمع هذه الصفات عند الإنسان في يوم واحد، بحسب حال النفس، قد تجتمع هذه الصفات على الإنسان في يوم واحد، فيكون في يوم واحد نفسه أمارة، ثم تكون لوامة، ثم تكون مطمئنة. كأن تأمر نفسه على فعل المعصية، فإذا فعلها لام نفسه، لام نفسه، فعادت نفسه لوامة تلومه على فعل هذا الذنب وعلى فعل هذه الخطيئة. فإذا لامته حسن حاله وأقبل على الطاعة وعلى العبادة وندم وتاب وأناب إلى الله جل وعلا، فصارت نفسه مطمئنة. إذن هذه الصفات الثلاث قد تحصل للإنسان في يوم واحد، قد تحصل للإنسان في يوم واحد. وقد تكون على أحوال، قد يكون في أيام نفسه أمارة، ثم يكون في أيام أخرى نفسه لوامة، ثم يكون بعد ذلك نفسه مطمئنة. والنفس الأمارة هي أدنى هذه الأنفس، هي النفس الأمارة التي تأمر صاحبها بالسوء والشر. وأحسن حالًا منها هي النفس اللوامة التي تلوم صاحبها على فعل الذنب. وأرفع هذه الأنفس وأكملها هي النفس المطمئنة، نفس المؤمن الذي اطمأنت لطاعة الله وانقادت لأوامر الله ولزمت الواجبات والفرائض واجتنبت المعاصي والمحرمات. وقد ضرب أهل العلم لهذه النفس أمثلة تبين حالها مع الإنسان؛ ليسهل تصورها على المسلم فيجتهد بعد ذلك في إصلاحها وتزكيتها. واقتصر هنا على مثالين لإمامين جليلين. المثال الأول: ضربه الإمام الآجري رحمه الله في كتاب "أدب النفوس"، وهو الإمام أبو بكر محمد بن الحسين بن عبد الله الآجري المتوفى في سنة 360 للهجرة، في كتابه "أدب النفوس"، وهو مطبوع في مجلد واحد. قال: "وأنا أمثل لك مثلًا لا يخفى عليك أمرها إن شاء الله. اعلم أن النفس مثلها كمثل المهر الحسن من الخيل. المهر يعني الصغير من الخيل، إذا نظر إليه الناظر أعجبه حسنه وبهاؤه، يعني يغتر بظاهره ومنظره وجماله. فيقول أهل البصيرة به -أي أهل الخبرة-: لا ينتفع بهذا حتى يراض رياضة حسنة ويؤدب أدبًا حسنًا، فحينئذ ينتفع به، فيصلح للطلب والهرب -يعني يصلح للركوب والانتفاع به في طلب العدو أو في الفر والكر والهرب-". قال: "ويحمد راكبه عواقب تأديبه ورياضته. فإن لم يؤدب لم ينتفع بحسنه ولا ببهائه، ولا يحمد راكبه عواقبه عند الحاجة. فإن قبل صاحب هذا المهر قول أهل النصيحة والبصيرة به، علم أن هذا قول صحيح، فدفعه إلى رائض، فراضه". وحال هذا المهر هو كحال هذه النفس، فإن النفس تحتاج إلى رياضة أن تريض بلزوم الطاعات وترك المعاصي والمحرمات حتى يكمل حالها، وحتى تصل إلى صاحبها إلى أعلى المراتب وإلى أعلى المنازل. قال: "ثم لا يصلح أن يكون الرائض إلا عالما بالرياضة، معه صبر على ما معه من علم الرياضة. فإن كان معه بالرياضة ونصحه، نفع به صاحبه. فإن كان الرائض لا معرفة معه بالرياضة -يعني ما عنده خبرة بتهيئة المهر من الفرس حتى يصل إلى أعلى المراتب وإلى أعلى الدرجات من القوة والتحمل وحسن الجري والكر والفر إلى آخر ذلك-". قال: "ولا علم بأدب الخيل أفسد هذا المهر وأتعب نفسه ولم يحمد راكبه عواقبه. وإن كان الرائض معه معرفة الرياضة والأدب للخيل إلا أنه مع معرفته لم يصبر على مشقة الرياضة وأحب الترفيه لنفسه وتوانى عما وجب عليه من النصيحة في الرياضة، أفسد هذا المهر وأساء إليه ولم يصلح للطلب ولا للهرب، وكان له منظر بلا مخبر". يعني قد يكون الإنسان عنده معرفة وخبرة بما تصلح به النفس وما يبلغ بها إلى أعلى مراتبها، لكن ما عنده صبر على هذه التهيئة، تهيئة النفس حتى تصبح نفسًا مطمئنة، هذا يحتاج إلى صبر من صاحبها على ترك الشهوات وترك المحرمات وعلى الصبر على فعل الواجبات والفرائض. فإن لم يصبر وأحب أن يرفه على نفسه بما أرادت من الشهوات أفسد نفسه وأهلك نفسه وأساء إلى نفسه بهذا الأمر وعدم ترويضها إلى ما فيه صلاحها وكمالها، فيكون حاله كحال هذا المهر الذي من نظر إليه أعجبه حسنه وبهاؤه وجماله. وقد يكون هذا الإنسان كذلك، ربما معتني بمظهره، معتني بملبسه، معتني بالنظافة، لكن هو في الحقيقة مظهر بلا مخبر، ربما باطنه فاسد بسبب ماذا؟ بسبب الذنوب والمعاصي والخطايا والسيئات. فأصبح حاله كحال هذا المهر. قال: "فإن كان مالكه هو الرائض له ندم على توانيه يوم لا ينفعه الندم، حين نظر إلى غيره في وقت الطلب قد طلب فأدرك، وفي وقت الهرب قد هرب فسلم، وطلب هو ولم يدرك وهرب فلم يسلم، كل ذلك بتوانيه وقلة صبره بعد معرفته". نعم، هكذا من فعل مع نفسه فلم يروضها على لزوم الطاعات وعلى الصبر على ترك المحرمات، إذا إنه قد فاته مطلبها وهو الثواب والأجر والفوز بنعيم الجنة، ونجت مما تخاف وهو النار والعذاب والجحيم، فهو أراد أن يطلب في ذلك الوقت ما طلبوا، وأن يتحصل على ما تحصلوا فلم يستطع لذلك. وأراد أن يهرب مما خافوا منه وهو النار والعذاب فلم يجد سبيلًا من الهروب، وكان مآله أن يدرك ما فيه هلاكه وما فيه كذلك خسارته، فيندم حينئذ ندما لا ينفع، وذلك كله بسبب قلة صبره على ترويض هذه النفس في هذه الدنيا، وذلك بلزوم الطاعات وترك المعاصي والمحرمات. قال: "ثم أقبل على نفسه يلومها ويوبخها فيقول: لما فرطت؟ لما قصرت؟ لقد عاد علي من قلة صبري كل ما أكره، والله المستعان". قال: "اعقلوا رحمكم الله علم هذا المثل وتفقهوا به تفلحوا وتنجحوا". هكذا يقول الإمام الآجري رحمه الله. فهذا المثل الأول يوضح فيه الإمام الآجري رحمه الله حال النفس البشرية، وأنها كالمهر التي تحتاج إلى رياضة وصبر في ترويضها، وذلك بلزوم الطاعات وترك المعاصي والمحرمات. قال: وأن يكون على علم بالمأمور التي تصلح النفس وتزكيها، وأن الإنسان إذا فرط في هذه المعرفة وفي هذا الترويض فإنه سيندم في نهاية المطاف غاية الندم، نعم سيندم إذا رأى أهل الجنة قد فازوا بنعيم الجنة لما ريضوا أنفسهم ولزموا الطاعات واجتنبوا المعاصي والمحرمات، وقد فاته هذا النعيم وهذا الأجر والثواب، فلا شك أنه سيندم ندما عظيما يتمنى أن يرجع إلى الدنيا فيروض نفسه ويصلحها حتى تبلغ هذا المبلغ العظيم وهذه الدرجة العالية التي وصل لها أهل الإيمان. نكتفي بهذا القدر، ونكمل إن شاء الله في المجلس القادم. إلى هنا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين.