الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 381

الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 381

الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 381، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مكانة سنن ابن ماجة بين كتب السنن

يعتبر سنن ابن ماجة من الأمهات الست لكنه يحتوي على أحاديث ضعيفة. يُقارن بسنن الترمذي والنسائي وأبي داود من حيث الصحة والتنظيم.

الابتلاء في حياة المؤمنين وأنواعه

الابتلاء يأتي على حسب دين الشخص ويكون أشد على الأنبياء والصالحين. يتمحور حول تمحيص المؤمنين وتطهيرهم من الأخطاء.

أهمية الصبر في مواجهة الابتلاء

الصبر على الابتلاء هو مفتاح الفوز بالجوائز العظيمة. المؤمن الحق لا ينبغي له أن يتأثر بالابتلاءات أو يتقهقر أمامها.

خاتمة حول الابتلاء وتفرعاته

موضوع الابتلاء واسع ويحتوي على تفرعات كثيرة. تم التأليف فيه بشكل كبير وتم الاكتفاء بما ذكر حتى الآن.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. بعد، قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله: قال الإمام أبو عبد الله بن ماجة، ومحمد بن ماجة القزويني، وصاحب السنن هو «سنن بن ماجة»، أدخلها في الأمهات الست. الإمام أبو عبد الله الحميد، أبو عبد الله الحميد هو الذي أدخل ابن ماجة في الأمهات الست، وأدخله فيما ألفه في الزوائد وأطراف الأمهات الست، وأدخل ابن ماجة معه، وتبعه على ذلك الإمام المزي في «تحفة الأشراف»، ومشى الناس على هذا، أو أقصد أهل العلم مشوا على أن «سنن ابن ماجة» من الأمهات الست. وإلا فبعض العلماء يدخل «سنن الدارمي»، لكن «سنن الدارمي» فيها موقوفات كثيرة ومقطعات، وكذلك أيضا منقطعات. لكن «سنن ابن ماجة» هي أسند من «سنن الدارمي»، لكنها ليست أصح منها. «سنن ابن ماجة» حصلت فيها أحاديث كثيرة ضعيفة، بل ضعيفة جدا، بل موضوعة. فلأن ابن ماجة اعتمد على بعض مشايخه الذين روى عنهم، وهم قد تركهم العلماء، كجبار بن مغلس وغيره، فلهذا انحطت، كما قال الإمام الذهبي: انحطت «سنن ابن ماجة» عن أخواتها من السنن، انحطت عن «سنن الترمذي»، و«سنن النسائي»، «أبي داود». فلا شك أن «سنن النسائي» هي أرفع هذه السنن في الصحة، ويليها «سنن أبي داود»، وبعد ذلك «سنن الترمذي»، ثم «سنن ابن ماجة». وإنما انحطت «سنن ابن ماجة»، والترمذي مع أن الترمذي نظامه أفضل. معنا كتاب ألف في جمع الأحاديث عن الأبواب، بل قد تجد أن أناسا أو من العلماء من يفضل كتاب «جامع الترمذي» على حتى البخاري ومسلم، من باب ما نظمه وذكره من التعليلات، وكذلك التصحيحات. لكن نزلت رتبته بسبب أنه روى عن أناس ضعفاء اشتهروا بالضعف، وكذلك ابن ماجة، فإنه روى عن أناس أكثر ممن روى عنهم الترمذي، بل روى عن أناس قد كذبوا، ومعنى صار حديثهم من الموضوعات. وهذا الذي معنى حق، كما يقول العلماء بسنن ابن ماجة. وأيضا مما ينزل بسنن ابن ماجة أن الإمام ابن ماجة لم يتكلم على الأحاديث التي يذكرها إلا أشياء يسيرة، حتى جمع بعض أهل العلم جمع الأماكن التي تكلم فيها ابن ماجة، فذكرها عشرا أو أكثر قليلا أو أنقص. لكن الترمذي يتكلم على غالب الأحاديث، وأبو داود يتكلم أيضا على كثير من الأحاديث، كذلك النسائي، رحمهم الله جميعا. قال الإمام أبو عبد الله بن ماجة: حدثنا يوسف بن حماد، المعنى هنا المعنى معنى الظاهر هنا من المطابع كتبوا «المعني»، كأنه نسبة ليوسف بن حماد، والظاهر أنه ليس كذلك، فليس هو معني، ويوفر الحباد بصري، أبو يعقوب البصري، وهو ثقة. قال: ويحيى بن درست، ويحيى بن درست أبو زكريا البصري، هو هاشمي بكراوي، أنا قرشي. قال: حدثنا حماد بن زين، أي يوسف بن حماد ويحيى بن درست قالا: حدثنا حماد بن زين أبو إسماعيل رحمه الله، كان حافظا كبيرا من حفاظ البصرة. قال: عن عاصم، وهو ابن أبي النجود، عاصم بن بهدلة، وهو المقرئ المشهور الذي يقرأ أكثر الناس الآن على قراءته برواية حفص، أنا روى عنه القراءة حفص، معنى اشتهرت قراءته برواية حفص بن سليمان الغاضري. وكذلك أبو بكر بن أبي شيبة الذي قال له شعبة: فهو مقرئ ومحدث. قال: حدثنا حماد بن زين عن عاصم، وعاصم كوفي. قال: عن مصعب بن سعد، مصعب بن سعد هو من التابعين، وهو ابن سعد بن أبي وقاص، أنا الزهري قرشي. قال: عن نبيه سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه قال: قلت يا رسول الله أي الناس أشد بلاء؟ قال: «الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يبتل العبد على حسب دينه، فإن كان في دينه صلب اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتلي على حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض، وما عليه من خطيئة». قال: هذا حديث حسن. وعاصم هو ابن أبي النجود. قال: والحديث رواه الترمذي، فقال: حدثنا قتيبة، أي ابن سعيد. وعاصم بن بهدلة وعاصمنا بالنجود، كل ما في حفظه وكان يهم في حديث زر وأبي واي، وأحيانا يخلط بينهما، حتى قال بعض أصحابه أبو همام: قال: كان عاصم يحدثنا في الغدو فيقول: حدثنا زر، ويحدثنا بنفس الحديث في المساء أو في العشي فيقول: حدثنا أبو واي، وهو حديث واحد، أحيانا ينسبه إلى زر، وأحيانا ينسبه إلى أبو واي، وكلاهما ثقة، وهذا لا يضر، لكن يضر أنه عنده أوهام. لكن معنى أكثر الحديث كما قرر ذلك الذهبي، كذلك الحافظ المزي، على أن حديثه من قبل الحسان، فهو حديث حسن طيب. فهذا الحديث جاءت أيضا له شواهد، جاء من حديث سعد بن أبي وقاص أيضا، أقصد من حديث أبي سعيد الخدري، وسيأتي مما يشد بهذا الحديث ويشهد له. وهذا الحديث يبين لنا أن الله عز وجل يبتلي عباده المؤمنين، بل يبتلي عباده الأنبياء، والابتلاء هذا تمحيص، ولهذا يكون أشد بلاء في الأنبياء. ومن نظر وتأمل في القرآن وجد أن الله عز وجل ابتلى الرسل بابتلاءات عظيمة لم يبتلي بها أحد غيرهم. وأعظم ذلك أنه تصدروا للدعوة العظيمة التي هي دعوة الله عز وجل، ولا شك أن من تصدر هذه الدعوة لا شك أنه سينال من الأذى ومن الابتلاءات، ومن كذلك الأشياء التي قد ترجع ضعاف الأنفس. لكن هؤلاء الأنبياء اختارهم الله عز وجل لرسالته، وكذلك أيضا الدعاة والعلماء الذين يمشون على طريقتهم ويسلكون مسلكهم، فلابد أن يبتلوا، سواء كان ابتلاء في دينهم أو ابتلاء كذلك في نفسهم أو في أنفسهم، وفي أولادهم، وفي أموالهم، وفي جيرانهم، وغيرهم. فالابتلاء حاصل، فالابتلاء في الشخص حاصل. فلهذا لا ينبغي للإنسان أن يلتفت إلى هذه الابتلاءات، لا ينبغي للإنسان أن يلتفت إلى هذه الابتلاءات التي تحصل، ويعلم أنها من الله، وأنها تمحيص للعبد إذا كان على تقوى من الله، فإنها تمحيص له. وقد تكون هذه الابتلاءات تمحيصا، وكذلك عقوبة، قد تكون هذه الابتلاءات تمحيصا وعقوبة معا. وهذا للمؤمن الذي عنده أخطاء، فيعاقبه الله عز وجل في الدنيا قبل الآخرة. وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام لرجل من الصحابة وقد حصل منه شيء من الخطأ، فعاقبه الله بأن ارتطم رأسه في الجدار، وقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «أنت عبد أراد الله بك خيرا، أنت عبد أراد الله بك خيرا، فعجل لك العقوبة». وقال عليه الصلاة والسلام في حديث آخر: «إذا أراد الله بالعبد خيرا عجل له العقوبة في الدنيا قبل الآخرة، وإذا أراد الله بعبد شرا لأجل أنه يستحقه، فإنه يؤخر عقوبته إلى يوم القيامة، أن تكون عليه الديون إلى يوم القيامة». وهذا كما قلنا بحسب ما تقتضي حكمة الله جل وعلا وعدله سبحانه وتعالى في عباده، وحكمه جل وعلا في عباده. فلهذا فالابتلاء حاصل حتى لأفضل الناس. قال الله عز وجل: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾. فهذه الجوائز العظيمة أعطاها الله عز وجل لمن صبر، لمن صبر على الابتلاء. والإنسان مبتلاء ولا شك، بل كما ذكر في هذا الحديث أن شد البلاء على الأنبياء. وربنا جل وعلا قد ذكر أن الأنبياء يفتنون مثل ما يفتن غيرهم، أو أهل الإيمان جميعا يفتنون. قال الله عز وجل: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾. أنا لا ينبغي المسلم أن ينظر أن كلما تقرب إلى الله كلما زاد عليه البلاء، قد يكون الإنسان في عافية، أنا في عافية من أذية الناس عندما كان عاصيا، عندما كان بعيدا عن الله، لكن لما قرب إلى الله زادت عليه البلاء، وزاد عليه الأذى، فلا يحسب أن هذا شؤم، كما يظنه بعضهم، أن بعض الناس يتراجع بسبب أنه يرى كأن هذا عليه شؤم. وهذا كما قال الله عز وجل: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾. فلهذا قد يبتلى الإنسان إذا تقرب إلى الله، إذا تقرب إلى الله بالعبادة والطاعة والعلم، حتى طلب العلم، الإنسان يجد مصاعب فيه، سواء كان من أهله أو من أقاربه أو كذلك من أصحابه أو من غيره، يجد أذية في ذلك. وكذلك أيضا الأذية العظمى أن يجدها من نفسه، من الشيطان، من الأشياء والأطماع التي تكون في نفسه. وكل ذلك يجده الإنسان وهو من الابتلاء. لكن العاقل والمؤمن الذي يريد رضا الله عز وجل يعرف كيف يواجه هذا الابتلاء، فلا يرجع ولا يتقهقر. ولهذا الإمام ابن القيم رحمه الله يقول: الداعي إلى الله لا ينبغي له أن يتلفت، الداعي إلى الله لا ينبغي له أن يتلفت. لماذا؟ يتلفت حول هذه الابتلاءات، حول الأذى، فهذا يضعفه ويؤخره. ولهذا ضرب مثال الإمام ابن القيم رحمه الله أن الضبع أو الغزالة إذا جرى خلفها الكلب أو جرى خلفها الذئب، الأصل أنه لا يستطيع أن يأتي بها، معنى أسرع من جريه، ولا يستطيع اللحاق بها. لكن أي شيء الذي يجعله يلحق بها ويمسكها هو التفاتها، معنى إذا مشت وأسرعت في المشي أو في الجري، تجد أنها تتلفت، مثلا تنظر: هل لا زال يتابعها هذا الحيوان المفترس يريد أن يفترسها أو أنه قد ذهب؟ فهذا الانتظار الذي تفعله يأتي هذا الحيوان المفترس ويفترسها. فلهذا يقول الإمام ابن القيم: أن الداعي إلى الله لا ينبغي له أن يتلفت إلى من حوله ممن يؤذيه أو ممن يثبطه أو ممن يخذله. وهكذا كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم»، خالفهم من الخارج، ولا من خذلهم من الداخل. أي أن الإنسان يبقى على الحق وإن ابتلي ابتلاء عظيما، وإن ابتلي من الابتلاءات، فإنه يصبر. فإن العاقبة للمتقين. ونبينا عليه الصلاة والسلام يقول: «إن الله إذا أحب عبدا ابتلاه، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فعليه السخط». ومسألة الابتلاء موضوعها كبير جدا، وله تفرعات كثيرة، وقد ألفت فيه مؤلفات. فحسبنا إن شاء الله تعالى بما ذكرناه. نكتفي بهذا. والله تعالى أعلم.