عشر قواعد في تزكية النفس 14

الدرس في عشر قواعد في تزكية النفس 14، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

الاستعداد للموت ومحاسبة النفس

يؤكد عثمان بن عفان على أهمية محاسبة النفس والاستعداد للموت، حيث يشدد على عدم الغفلة عن النفس والاستعداد للقاء الله. يجب على الإنسان أن يأخذ حذره من ملك الموت ويستعد له.

خطورة طول الأمل واتباع الهوى

يُنبه علي بن أبي طالب إلى خطورة طول الأمل واتباع الهوى، حيث يؤدي إلى نسيان الآخرة والانهماك في الدنيا والضلال عن الحق. يجب محاسبة النفس والاستعداد للقاء الله.

التحذير من الغفلة والاستعداد للآخرة

يحذر النبي من طول الأمل واتباع الهوى ويشجع على الاستعداد للآخرة، ويبين أن الدنيا زائلة والآخرة مقبلة. يجب استغلال الحياة في الطاعات والابتعاد عن المعاصي.

ختام الدرس والدعاء

ينتهي المقطع بالصلاة على النبي وآله وصحبه، ويعبر عن الامتنان للمشاهدين، مشيراً إلى أهمية الدعاء والشكر في ختام الدرس.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، ما زلنا مع هذه الرسالة النافعة الماتعة، رسالة عشر قواعد في تزكية النفس، ونحن في أواخر هذه الرسالة، في قراءة خاتمتها، وما ذكره مصنفها حفظه الله من ذكر بعض الآثار عن الصحابة والتابعين رضي الله عنهم ورحمهم الله، في أهمية تزكية النفس. كنا قرأنا في المجلس السابق وصية أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما. قال حفظه الله: ويقول الخليفة الثالث، عثمان بن عفان رضي الله عنه: ابن آدم، اعلم أن ملك الموت الذي وكل بك لم يزل يخلفك ويتخطى إلى غيرك منذ أنت في الدنيا، وكأنه قد تخطى غيرك إليك وقصدك، فخذ حذرك واستعد له ولا تغفل، فإنه لا يغفل عنك. واعلم ابن آدم، إن غفلت عن نفسك ولم تستعد لها، لم يستعد لها غيرك، ولا بد من لقاء الله عز وجل، فخذ لنفسك، ولا تكلها إلى غيرك. هذا الأثر أخرج أبو بكر الدينوري رحمه الله في «المجالس والجواهر». هذه وصية عثمان رضي الله عنه في محاسبة النفس. يقول رضي الله عنه: ابن آدم، اعلم أن ملك الموت الذي وكل بك - وملك الموت هو الملك الموكل بقبض الأرواح، كما أخبر الله جل وعلا: ﴿قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون﴾، وله أعوان يعينونه على قبض الأرواح، كما أخبر الله سبحانه وتعالى: ﴿حتى إذا توفتهم رسلنا﴾، والمراد بهم أعوان ملك الموت - فملك الموت موكل بقبض الأرواح متى ما انتهى أجل الإنسان، قبض ملك الموت روحه. فيقول: اعلم أن ملك الموت الذي وكل بك، أي بقبض روحك ونزعها من جسدها وبدنها، لم يزل يخلفك ويتخطى إلى غيرك منذ أنت في الدنيا، يعني منذ أن خرجت إلى ظهر هذه الأرض وبقيت حياً، وملك الموت يتخطاك ويمر عليك ويأخذ أرواح غيرك. ربما يتخطاك فيأخذ روح ولدك، أو يتخطاك فيأخذ روح والديك، أو يتخطاك فيأخذ روح زوجتك، أو يتخطاك فيأخذ روح جارك أو صديقك، وأنت على ظهر هذه الأرض، على هذا الحال كل يوم تشهد جنازة، وكل يوم تسمع عن موت فلان من الناس، هو يتخطاك إلى غيرك. فيقول: اعتبر بهذا، وانتبه، لا تظن أن ملك الموت غافل عنك. قال: وكأنه قد تخطى غيرك إليك وقصدك، كما أنه يتخطاك إلى غيرك، فقد يتخطى غيرك إليك ويقصدك ويقبض روحك ويحصل لك ما قد حصل لغيرك. قال: فخذ حذرك واستعد له، أي استعد للموت، إذا كنت تعلم أنه في يوم من الأيام وفي ساعة من الساعات سيأتي إليك ملك الموت ويقبض روحك، فلا بد أن تكون مستعداً للموت. قال: ولا تغفل، فإنه لا يغفل عنك، إذا أنت غفلت عن ملك الموت، فإن ملك الموت لا يغفل عنك، هو ينتظر اللحظة التي يؤذن له فيها بقبض روحك، فلا يتأخر عن ذلك. كما قال الله عز وجل: ﴿فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون﴾، متى ما جاء الإذن، عجل بقبض روحك. قال: واعلم ابن آدم، إن غفلت عن نفسك ولم تستعد لها، لم يستعد لها غيرك، إذا لم تستعد وغفلت عن نفسك وجاءك الموت وأنت على غير استعداد للقاء الله، فكيف سيستعد غيرك؟ ولا بد من لقاء الله عز وجل، هذا أمر لا بد منه، لا مفر منه. أن يأتي اليوم الذي ستلقى فيه ربك ويحاسبك على أعمالك. ﴿إن كل من في السماوات والأرض إلا آت الرحمن عبدا * لقد أحصاهم وعدهم عدا * وكلهم آتيه يوم القيامة فردا﴾، فخذ لنفسك، ولا تكلها إلى غيرك، كن مستعداً، حاسب نفسك، روض هذه النفس على الطاعة والعبادة، ولزوم الفرائض والواجبات، والبعد عن المعاصي والمحرمات، حتى إذا نزل بك الموت تكون مستعداً للقاء الله. قال: ويقول الخليفة الرابع، علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «يا أيها الناس، إن أخوة فما أخاف عليكم طول الأمل واتباع الهوى، فإنما طول الأمل فينسي الآخرة، وأما اتباع الهوى فيضل عن الحق، ألا إن الدنيا قد ولت مدبرة، والآخرة مقبلة، ولكل واحدة منها بنون، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عمل ولا حساب، وغدا حساب ولا عمل». هذا الأثر أخرجه الإمام البيهقي رحمه الله في «شعب الإيمان». هذه وصية الخليفة الرابع، علي بن أبي طالب رضي الله عنه، في محاسبة النفس. فيقول: يا أيها الناس، إن أخوة - فما أخاف عليكم طول الأمل واتباع الهوى - طول الأمل أن يكون أمل الإنسان طويل، أنه سيعيش وسيعمر في هذه الدنيا السنين الطويلة، وسيفعل ويفعل ويفعل مما تأمله نفسه من طموح وآمال، واتباع الهوى يعني ارتكاب ما تهواه النفس من الشهوات الملذات المحرمة والمنهي عنها والتي تغضب الله جل وعلا. فإذا كان الإنسان على هذا الحال، عنده طول أمل وعنده كذلك اتباع للهوى، فهو في غفلة عظيمة عما ينبغي أن يستعد له. قال: فأما طول الأمل فينسي الآخرة، طول الأمل ينسي الآخرة، إذا كان الإنسان عنده طول أمل، أنه سيعيش حتى يبلغ الثمانين مثلاً من العمر، أو التسعين، هذا سينسيه العمل للآخرة، خاصة إذا كان في زمن شبابه. يقول: أنا سأعيش - يعني حتى أصل إلى ذلك السن أو ما قاربه - ثم أتوب وأرجع، أتمتع الآن بشبابي وبقوتي وبحياتي. هذا حال كثير من الشباب، إلا من رحم الله، عندهم طول الأمل، أمل طويل أنه سيعيش في هذه الدنيا، فلهذا يأتي عنده غفلة للعمل للآخرة، وانهماك بالشهوات وملذات الدنيا، وعدم مبالاة بما حرم الله جل وعلا. وهكذا حال الإنسان، حتى الكبير في السن لا يسلم من ذلك، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «يكبر ابن آدم ويكبر معه اثنان: حب الدنيا وطول الأمل»، وهو في الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. يكبر، وفي رواية: «يشب ويكبر معه حب الدنيا وطول الأمل»، ما زال يتعلق بالدنيا وأمله طويل أنه سيعيش في هذه الدنيا ويعمر السنين الطويلة. قال: وأما اتباع الهوى فيضل عن الحق، اتباع الهوى يضل عن الحق، لأنه يتبع هواه وإن خالف الشرع، ويعلم أن الشرع حرم هذا الأمر، لكن هواه ونفسه تشتهيه، لا يبالي فيفعله. يعلم أن هذا الأمر واجب، لكن هوى النفس تدعوه إلى تركه وعدم فعله وعدم المحافظة عليه، فيتبع هواه فيضل بسبب ذلك. ومن أضل كما قال الله جل وعلا: ﴿ومن أضل ممن يتبع هواه بغير هدى من الله﴾، نعم، هذا من أسباب الضلال. إذن، إذا كان عنده طول الأمل واتباع للهوى، كان بعيداً عن الاستعداد للموت ولقاء الله جل وعلا، فهو يحذر من ذلك، يحذر من أن يكون حال الإنسان على هذا الحال، عنده طول الأمل وعنده اتباع للهوى. قال: ألا إن الدنيا قد ولت مدبرة، والآخرة مقبلة، الدنيا ستدبر وتنتهي وتزول، والآخرة مقبلة على الإنسان، لأنه إذا رحل من الدنيا أقبل على الآخرة، انتقل من هذه الدنيا إلى الدار الآخرة. قال: ولكل واحدة منها بنون، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا، أي لكل من الدارين بنون يتعلقون بها ويتشبثون بها ويلزمونها، كما يلزم الابن أمه أو والدته. فالدنيا لها أبناء يتعلقون بها ويتشبثون بها، وهم الذين غفلوا عن الآخرة، والذين تعلقوا بها وأرادوا فعل ما اشتهت أنفسهم من غير مبالاة بمحارم الله جل وعلا. والآخرة لها أبناء، الذين تعلقوا بها واستعدوا لها وعملوا لأجلها، فطلقوا الدنيا وعملوا للآخرة، ولم يلتفتوا إلى هذه الحياة الفانية الزائلة، هم علموا أنها ستزول وتنتهي وأنهم سيرحلون منها، فاستعدوا للآخرة، فصاروا من أبنائها الذين يعملون لأجلها، في لزوم الطاعات وفي ترك المعاصي والمحرمات. «إن لله عبادا فطنا طلقوا الدنيا وخافوا الفتنا، نظروا فيها فلما علموا أنها ليست لحي وطن، جعلوها لجة واتخذوا صالح الأعمال فيها سفنا»، هؤلاء الفطناء الأذكياء الأكياس، الذين علموا حقيقة هذه الدنيا، فما تعلقوا بها، بل جعلوها سبيلا وممرا يمرون به إلى الآخرة، ويتزودون منها لآخرتهم. قال: فإن اليوم عمل ولا حساب، أي اليوم في الدنيا، اليوم عمل تستطيع أن تعمل، تستطيع أن تكثر من فعل الطاعات ومن فعل الحسنات، من صلاة أو صيام أو قراءة للقرآن أو ذكر لله أو صدقة وإنفاق، أو تعليم علم، وغير ذلك من أعمال البر. اليوم عمل ولا حساب، وقد يكون العمل عمل سوء وشر، قد تعمل الذنوب والمعاصي ولا تبالي بارتكاب الزنا أو شرب الخمور أو أكل المسكرات أو أكل الربا أو أكل الرشاوي، أو كذلك الغش في البيع والشراء، أو شهادة الزور، أو غير ذلك من أنواع الذنوب والمعاصي. اليوم عمل ولا حساب، ما أحد يحاسبك على فعل الطاعات، ولا على فعل المعاصي والمحرمات. ولكن غدا، وغدا حساب ولا عمل، غدا سيكون الحساب على هذه الأعمال، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. فمن يعمل مثقال ذرة خير يرى، ومن يعمل مثقال ذرة شر يرى. إن وجدت خيرا فاحمد الله، وإن وجدت غير ذلك فلا تلومن إلا نفسك. ﴿إنا إلينا إيابهم ثم إنا علينا حسابهم﴾، غدا ستحاسب على هذه الأعمال خيرها وشرها، فاعمل ما شئت. فاعمل ما شئت في هذه الدنيا، كما قال الله جل وعلا: ﴿اعملوا ما شئتم إنه بما تعملون بصير﴾، هذا الأمر سميه أهل الأصول أمر للتهديد، ليس للوجوب أو الإباحة، بل هو للتهديد. اعمل ما شئت، ستحاسب على هذه الأعمال يوم القيامة، إن عملت خيرا فستجد خيرا، وإن عملت شرا فستلقى شر عملك. ﴿ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين﴾. إذا كان الأمر كذلك، فالكيس الفطن هو الذي يستعد ليوم الحساب بإصلاح الأعمال وصلاح الأقوال، واستغلال هذه الحياة فيما يقربه إلى الله سبحانه وتعالى. نكتفي بهذا القدر. وصل الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. شكرا للمشاهدين.