الدرس في التعليق على كتاب الحج من التمام في أحاديث الأحكام 2، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يستهل المحور ببيان وجوب تقديم حج النفس على حج الغير عند الاستطاعة مستدلاً بحديث شبرمة، ثم ينتقل لتفصيل المواقيت المكانية التي وقتها النبي صلى الله عليه وسلم لأهل الأمصار كذا الحليفة والجحفة وقرن المنازل ويلملم، مع بيان حكم من يمر عليها أو يحاذيها، ويوضح أن ذات عرق ميقات أهل العراق، مختتماً بعرض أنواع النسك الثلاثة: الإفراد والقران والتمتع وفرق الأعمال والهدي بينها.
يبين المحور أفضلية التمتع على القران لرغبة النبي صلى الله عليه وسلم في التحلل لولا الهدي، ويفصل أحكام من ساق الهدي ومن لم يسقه وحكم الحائض، ثم ينتقل لتفصيل صيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة عند الرجوع لمن لم يجد هدياً مع استثناء أهل مكة، ويوضح أحكام صيام أيام التشريق للمتمتع وجواز تقديمه أو تأخيره.
يؤكد المحور مشروعية التمتع بالحج وثبوتها وعدم نسخها مستدلاً بحديث عمران بن حسين ورؤيا أبي جمرة، ويناقش الخلاف الفقهي حول اختصاص التمتع بالصحابة أو عمومه للأمة والراجح جوازه لكل مسلم، ويختتم برواية سؤال سراقة بن مالك للنبي صلى الله عليه وسلم عن خصوصية أمر فسخ الحج إلى عمرة وإجابته بأنه حكم عام ثابت للأمة إلى يوم القيامة.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المصنف رحمه الله: وعنه رضي الله عنه، أي ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع رجلا يقول: لبيك عن شبرمة. قال: من شبرمة؟ قال: أخ لي أو قريب لي. قال: حججت عن نفسك؟ قال: لا. قال: حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة. رواه أبو داود، وصححه ابن خزيمة، والراجح عند أحمد وقفه، فالحديث موقوف على ابن عباس من قوله، إلا أن له شواهد تشهد له، كذكر الحافظ ابن حجر في التلخيص، ومال إلى تصحيح الحديث، وكذلك العلامة الألباني رحمه الله صحح الحديث بشاهد عند الطبراني. في هذا الحديث، النبي عليه الصلاة والسلام سمع رجلا يقول: لبيك عن شبرمة، فقال له: من شبرمة؟ قال: أخ لي أو قريب لي، يعني أراد أن يحج عنه. قال: أو قال: حججت عن نفسك؟ قال: لا. قال: حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة. اشتد بها للعلم على أن من أراد أن يحج عن غيره، لا بد أولا أن يحج عن نفسه. إذا حج عن نفسه أولا، فله بعد ذلك أن يحج عن غيره، وإلا فإنه لا يحج عن غيره قبل أن يحج عن نفسه. وإلى هذا ذهب الإمام أحمد والشافعي: أن المسلم لا يحج عن غيره حتى يحج عن نفسه أولا، يسقط الفرض عن نفسه، ثم إذا أراد أن يحج عن غيره فيحج عنه. وذهب أبو حنيفة ومالك: أنه لا بأس أن يحج عن غيره وإن لم يحج عن نفسه، له أن يحج عن غيره وإن لم يحج عن نفسه. وذلك لأن هذا الحديث يحمل على أن هذا الرجل لم يكن قادرا أن يحج عن نفسه، فلذلك أراد أن يحج عن غيره. فيحمل هذا الحديث على أن الإنسان إذا كان قادرا على أن يحج عن نفسه، فيبدأ أولا فيحج عن نفسه. لكن إذا كان ما يستطيع أن يحج عن نفسه، كحال الناس اليوم مع تكاليف الحج، وكذلك غلاء التذاكر وغير ذلك مما يتعلق بأمور الحج، يشق على كثير من الناس أن يحجوا. فلو طلب إنسان من شخص أن يحج عنه، وعنده القدرة المالية وهو عاجز على أن يحج بنفسه، فهل له أن يحج عنه؟ على القول الثاني أنه لا بأس أن يحج عن غيره، مادام أنه عاجز عن أن يحج عن نفسه. مع هذا، لكن الأفضل أنه ينظر من قد حج عن نفسه، ينظر من قد حج عن نفسه فينيبه في الحج عنه، وهذا أولى، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة. لكن لو حصل أنه حج عن غيره ولم يحج عن نفسه، وهو عاجز وغير مستطيع أن يحج عن نفسه، فيصح هذا الحج، ويكون هذا الحج لمن حج عنه. وفيه أيضا دليل على جواز النيابة في الحج، وأن المسلم له أن يحج عن غيره. فالنبي صلى الله عليه وسلم ما أنكر عليه أنه يحج عن غيره، إلا أنه لم يحج عن نفسه ابتداء، قال: حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة. يعني: أمانع أنت حج عن شبرمة إذا حجزت عن نفسك. ففيه دلالة على جواز أن يحج الإنسان عن غيره، أو يعتمر عن غيره. وفيه كذلك أن من حج أو اعتمر عن غيره، فإنه إذا لبى يلبي باسم فلان الذي سيحج عنه: لبيك اللهم عن فلان عمرة، أو لبيك اللهم حجا، على حسب النسك الذي يريد أن يفعله. قال: باب المواقيت. عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم وقت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرن المنازل، ولأهل اليمن يلملم. وقال: هن لهن ولمن أتى عليهن من غيرهن ممن أراد الحج والعمرة. ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ، حتى أهل مكة من مكة. متفق عليه. هذا الباب: المواقيت، والمراد بها المواقيت الزمانية والمواقيت المكانية، لأن المواقيت تنقسم إلى مواقيت مكانية ومواقيت زمانية. بالنسبة للحج، في المواقيت الزمانية: شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة. في قول جماهير العلماء من الصحابة والتابعين أن هذه أشهر الحج. الحج أشهر معلومات. جاء ابن عمر في البخاري قال: شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة. وأما المواقيت المكانية فهي التي وقتها النبي عليه الصلاة والسلام كما في هذا الحديث. قال: وقت النبي صلى الله عليه وسلم لأهل المدينة ذا الحليفة، وهو ميقات أهل المدينة، ويسمى بآبار علي، وهو أبعد المواقيت عن مكة، يبعد نحو أربعمائة وثمانية وعشرين كيلو. هذا ميقات أهل المدينة. والآن مع توسع البنيان أصبح ملاصقا بالمدينة، أصبح ذا الحليفة متصلة بالمدينة في البنيان. قال: ولأهل الشام الجحفة. أهل الشام يعني: لبنان، وسوريا، فلسطين، الأردن. والجحفة الآن هي خراب كما ذكر أهل العلم، ويحرم الناس من رابغ، من رابغ وهي ميقات أهل الشام كما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم. ومن يأتي من طريقهم من أهل مصر والسودان وأهل المغرب فهم يمرون على ميقات الجحفة، وتبعد عن مكة نحو مائة وستة وثمانين كيلو. قال: ولأهل نجد قرن المنازل. ولأهل نجد قرن المنازل، ويقال له قرن الثعالب، والقرن هو الجبل الصغير. الجبل الصغير، وقيل له قرن الثعالب لأنه كان يجد فيه أربع روابي تعيش فيها الثعالب. واشتهر الآن بالسيل الكبير، وهو قرب الطائف، فيحرم منه أهل نجد، وكذلك أهل الخليج، وكذلك العراق. قال: ولأهل اليمن يلملم. يلملم، وأهل الساحل من أهل اليمن، وكذلك أيضا من أهل المملكة، وأهل إندونيسيا وماليزيا والصين ونحوهم. قال: هن لهن ولمن أتى عليهن من غيرهن ممن أراد الحج والعمرة. عندي هكذا: من غيرهن بهذا اللفظ، ونحفظه هكذا: من غيرهن. لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج والعمرة، بهذا اللفظ في عمدة الأحكام. لكن عندنا هنا: هن لهن ولمن أتى عليهن من غيرهن، يعني من غير أصحاب المواقيت، بنفس المعنى. يعني إذا مر صاحب المدينة من ميقات أهل نجد قرن المنازل فيحرم من قرن المنازل. وإذا مر أهل اليمن من ميقات أهل الشام فيحرم من ميقات أهل الشام. يعني من مر من الميقات، سواء كان هذا الميقات هو ميقات أهل بلده أو غير أهل بلده، فإنه يحرم من هذا الميقات، ولا يتجاوز الميقات من غير إحرام. هن لهن يعني: لمن لهذه البلاد، ولمن أتى عليهن من غيرهن، يعني من غير أهلهم أهل هذه المواقيت، فإنه يحرم منها، ممن أراد الحج والعمرة، لا يتجاوز الميقات وهو يريد الحج والعمرة إلا وأحرم من الميقات. ومن جاء بالطائرة مثلا، أو جاء بالبحر، فإنه يحرم إذا تجاوز أحد هذه المواقيت، إذا حاذا أحد هذه المواقيت فإنه يحرم. فأهل الطائرة مثلا الذين يسافرون ويأتون إلى جدة، إذا مر بأحد هذه المواقيت وحاذاها، قيل له: نحن الآن على محاذاة الميقات الفلاني، فإنه يحرم. ولهذا الأفضل في حقه أن يصعد الطائرة وقد لبس ثياب الإحرام، حتى إذا قيل له: قد حاذينا الميقات، يلبي، يلبي بالعمرة أو بالحج على حسب النسك. قال: ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ، حتى أهل مكة من مكة. يعني من كان دون الميقات، ليس بينه وبين مكة ميقات، فإنه يحرم من محله، يحرم من محله كأهل جدة، ومن كان نحو ذلك، ليس بينه وبين مكة ميقات. حتى أهل مكة من مكة: أهل مكة يحرمون بالحج من مكة، لا يخرجون إلى الحل. هذا في العمرة، أما في الحج فيحرمون من مكة، لا يلزمهم أن يذهبوا إلى الميقات ويحرموا منه، وإنما يحرم من الميقات الآفاقي الذي يأتي من خارج مكة. قال: وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم وقت لأهل العراق ذات عرق. رواه أبو داود، واستنكره أحمد، وأصله عند مسلم من حديث جابر رضي الله عنه، إلا أن راويه شك في رفعه، يعني شك في رفعه إلى النبي عليه الصلاة والسلام. قالوا في صحيح البخاري: أن عمر رضي الله عنه هو الذي وقت ذات عرق. ذات عرق، والعرق الجبل الصغير، العرق الجبل الصغير، يسمى الآن الضريبة، يسمى الضريبة. والناس اليوم أهل العراق يحرمون من السيل الكبير، لأن ذات عرق أصبحت خرابا. وهنا اختلف العلماء: هل ميقات ذات عرق وقته النبي عليه الصلاة والسلام، أو وقته عمر؟ فمن صح الحديث الوارد في الباب، حديث عائشة، أن النبي صلى الله عليه وسلم وقت لأهل العراق ذات عرق، قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي وقته لهم. ومن ضعفه، قال: الذي وقته هو عمر. هو ثابت عن عمر في البخاري أنه وقت لهم ذات عرق، لما سألوه: من أين يحرمون؟ قال: انظروا محاذاة أقرب ميقات لكم، فكان قرن المنازل، فوقت لهم ذات عرق. وعلى كل، فالإجماع قائم على أن ذات عرق ميقات لأهل العراق، أن ذات عرق ميقات لأهل العراق، سواء كان وقته عمر رضي الله عنه، وإن ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم وقته، فيكون هذا مما وافق فيه عمر حكم النبي عليه الصلاة والسلام، أي أنه لم يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم وقته لهم، فاجتهد فوافق اجتهاده ما قضى به النبي صلى الله عليه وسلم، أن يكون ذات عرق ميقات لأهل العراق. وإن لم يثبت، فهذا اجتهاد عمر رضي الله عنه، وأجمع الصحابة رضي الله تعالى عنهم على ذلك، على أن أهل العراق يحرمون من ذات عرق. إذن عندنا أربع مواقيت متفق عليها أن النبي صلى الله عليه وسلم وقتها، المذكورة في حديث ابن عباس، وذات عرق مختلف فيه: هل وقته النبي صلى الله عليه وسلم أو وقته عمر؟ مع ذلك فهو ميقات بإجماع أهل العلم لأهل العراق. قالوا: عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم وقت لأهل المشرق العقيق. رواه الترمذي وحسنه. وهذا الحديث حكم عليه العلامة الألباني رحمه الله بالنكارة، حكم عليه بالنكارة لأنه يخالف الحديث الصحيح أن المراد بالتوقيت لأهل المشرق إنما هو ذات عرق، وليس العقيق. والعقيق هو قبل ذات عرق. لكن الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم وقت لأهل المشرق ذات عرق، وليس العقيق. فالخلاصة في هذا الباب: أن المسلم إذا أراد الحج أو أراد العمرة، فإنه لا يتجاوز الميقات من غير إحرام، يجب عليه أن يحرم من الميقات، يحرم من الميقات. وإن تجاوز الميقات من غير إحرام، لازمه أن يرجع، أن يرجع إلى الميقات ويحرم منه. فإن لم يفعل، وجب عليه دم، في قول جماهير العلماء. قال: باب وجوه الإحرام وصفته. عن عائشة رضي الله عنها قالت: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم عام حجة الوداع، فمنا من أهل بعمرة، ومنا من أهل بحج وعمرة، ومنا من أهل بحج. وأهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحج. فأما من أهل بعمرة فحل، وأما من أهل بحج أو جمع الحج والعمرة فلم يحلوا حتى كان يوم النحر. متفق عليه. هذا الحديث فيه ذكر مناسك الحج وأنواعه، وذلك أن الحج له ثلاثة مناسك، وهي: الإفراد، والقران، والتمتع. الإفراد، والقران، والتمتع. فقولها: منا من أهل بعمرة، هذا المتمتع. ومنا من أهل بحج وعمرة، وهذا القارن. ومنا من أهل بحج، وهذا الإفراد. فالإفراد: أن يهل المسلم بالحج، فيقول: لبيك اللهم حجا، فيأتي بحج ليس فيها عمرة، هذا يسمى مفردا. والقارن: يقرن بين العمرة والحج، يقول: لبيك اللهم عمرة وحج. والمتمتع: أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج، في شوال أو في ذي القعدة أو في ذي الحجة، ثم يأتي بعمرة كاملة ويتحلل منها، ثم يهل بالحج في اليوم الثامن، هذا يسمى متمتعا. طيب، وبالنسبة للمفرد والقارن، فأعمالهما واحدة، أعمالهما واحدة، إلا في أمرين: الأول في الإحرام، فالمفرد يحرم بالحج، وأما القارن فإنه يحرم بعمرة وحج. المفرد يقول: لبيك اللهم حجا، والقارن يقول: لبيك اللهم عمرة وحجا. والأمر الثاني: أن المفرد ليس عليه هدي، المفرد ليس عليه هدي، وأما القارن فعليه هدي، يجب عليه هدي التمتع بالمعنى العام اللغوي، لأنه جمع بين الحج والعمرة. فمن تمتع بالعمرة إلى الحج، فما استيسر من الهدي. والأصل أن القارن إذا أراد أن يحج قارنا، أن يسوق الهدي معه عند إحرامه، يسوق الهدي معه. وبالنسبة لأعمال المفرد والقارن، فإن عليهما طواف وسعي. إذا طاف طواف القدوم ثم سعى بعد هذا الطواف، فهذا السعي يكفي للحج والعمرة بالنسبة للقارن. وهكذا أيضا يجزئ عن المفرد، لو طاف طواف القدوم وسعى بعد هذا الطواف، أجزأ هذا الطواف عن سعي الحج. فإذا طاف طواف الإفاضة في اليوم العاشر، وقد سعى بعد طواف القدوم، لم يلزمه أن يسعى سعي الحج بعد طواف الإفاضة، ويكفيه السعي الأول. هذا بالنسبة للقارن والمفرد: عليهما طواف واحد وسعي واحد عن طواف الحج وسعي الحج. لكن هذا السعي إذا قدمه بعد طواف القدوم أجزأه عن طواف، عن سعي الحج. وأما إذا لم يسع بعد طواف القدوم، فإنه يلزمه أن يسعى بعد طواف الحج. بخلاف المتمتع، فإنه يطوف ويسعى، يطوف ويسعى في عمرته، ثم يطوف طواف الحج ويسعى بعده. المتمتع عليه طوافان وسعيان، بخلاف المفرد والقارن. وكل هذه الأنساك صحيحة، كلها صحيحة. واختلف العلماء في أفضلها. منهم من قال: الأفضل القران، لأن النبي صلى الله عليه وسلم حج قارنا، النبي صلى الله عليه وسلم حج قارنا. وقال جماعة: بل الأفضل التمتع، كما سيأتي، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما أمرهم أن يتحللوا من عمرتهم، ورى عليهم آثار الحزن، قال: لو استقبلت من أمري ما استدبرت، لما أهديت، لولا أن معي الهدي لأحللت، يعني: لكنت مثلكم، مثلكم متمتعا، لكن يمنعني من ذلك أني قد سقت الهدي، فيلزمني أن أكون قارنا، وأن أستمر في إحرامي حتى أتحلل من إحرامي في اليوم العاشر. فدل هذا على أن التمتع هو الأفضل، لأن المتمتع يأتي بعمرة كاملة، ثم يأتي بحج كامل، بخلاف القارن، فإنه يأتي بعمرة مقرونة بالحج، وداخل في الحج. لكن من حيث الصحة، فكلها صحيحة، وكلها مجزئة. قالوا: عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: أهل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بالحج، وليس مع أحد منهم هدي، غير النبي صلى الله عليه وسلم وطلحة. وقدم علي من اليمن، فقال: أهللت بما أهل به النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا استدل به العلماء على أنه يجوز للمسلم أن يقول: اللهم إني أهل بما أهل به فلان، اللهم إني أهل بما أهل به فلان. فهذا فلان الذي أراد أن يهل بما أهل به، إذا كان متمتعا فهو مثله متمتع، وإذا كان قارنا فهو قارن مثله. علي رضي الله عنه قال: اللهم إني أهل بما أهل به النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم أهل بالقران، فكان علي رضي الله عنه بهذا قارنا كالنبي صلى الله عليه وسلم. قال: فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه أن يجعلوها عمرة، يعني أمرهم أن يتحللوا من عمرتهم، قال: فيطوفوا ثم يقصروا ويحلوا، إلا من كان معه الهدي. يعني أن يأتوا بعمرة كاملة ويتحللوا منها. وأمرهم بالتقصير، من أجل أنهم سيحجون بعد ذلك بأيام قليلة، وكون الحج قريب، فالأفضل للمسلم إذا اعتمر قبل الحج بفترة يسيرة أن يقصر، حتى يبقى من شعره ما يحلقه للحج. قال: فقالوا: ننطلق إلى منى، وذكر أحدنا يقطر. يعني عظم عليهم أنهم يتحللوا التحلل الكامل حتى يأتوا نساءهم، هذا كناية عن الجماع وإتيان النساء. فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: لو استقبلت من أمري ما استدبرت، ما أهديت، ولولا أن معي الهدي لأحللت. يعني يقول لهم: سلم، لو كان لي من أمر شيء، ما أهديت، ما أتيت بالهدي معي، ولولا أن الهدي معي لأحللت، أي مثلكم، لا أتيت بالعمرة وتحللت مثلكم، وكنت متمتعا. وبهذا دل العلماء على أن النبي صلى الله عليه وسلم حج قارنا، وأن التمتع أفضل من القران، أن التمتع أفضل من القران. قال: وحاضت عائشة، فنسكت المناسك كلها، غير أنها لم تطف بالبيت. يعني أتت بمناسك الحج: الوقوف بعرفة، مبيت مزدلفة، رمي جمرة العقبة، رمي الجمار أيام التشريق. فالمرأة إذا حاضت أو نفست، تأتي بجميع مناسك الحج وأعمال الحج، وحجها كامل، ليس بناقص، إلا الطواف، تنتظر حتى تطهر ثم تطوف. قال: غير أنها لم تطف بالبيت. فلما طهرت وطافت بالبيت، قالت: يا رسول الله، تنطلقون بحج وعمرة، وأنطلق بحج. يعني يذهب الناس الآن ويرجعوا، وقد أتوا بعمرة كاملة وبحج، وأنا ما أتيت إلا بحج فقط. فأمر عبد الرحمن بن أبي بكر، أي أخاها، أن يخرج بها إلى التنعيم، فاعتمرت بعد الحج. رواه البخاري. يعني أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يطيب خاطرها وتأتي بعمرة كاملة، فأمر أخاها عبد الرحمن أن يخرج بها إلى التنعيم، والتنعيم هو أدنى الحل، أقرب الحل، أي خارج الحرم. والآن بني فيه مسجد، يقال له مسجد عائشة، مسجد عائشة رضي الله عنها. فأمرها أن تخرج إلى التنعيم فتحرم وتأتي بعمرة. قال: فاعتمرت بعد الحج. قالوا: عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج، وأهدى. وقوله: تمتع رسول الله، أراد هنا التمتع بالمعنى اللغوي، لا بالمعنى الشرعي، وإلا فالنبي صلى الله عليه وسلم كان قارنا، ولم يكن متمتعا في نسكه، لكن يسمى القران تمتعا في اللغة. قال: فساق معه الهدي من ذي الحليفة، ميقات أهل المدينة. قال: وبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج. يعني في أثناء التلبية، في أثناء التلبية، لبى بالحج وبالعمرة، لأن القارن يقول: لبيك اللهم عمرة وحج. فهذا معنى قولي: فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج. قال: فتمتع الناس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعمرة إلى الحج، فكان من الناس من أهدى، فساق الهدي، ومنهم من لم يهدي. فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة، قال للناس: من كان منكم أهدى، فإنه لا يحل من شيء حرم منه، حتى يقضي حجه. يعني من ساق الهدي معه، فيبقى محرما على إحرامه. القارن إذا حج قارنا، فإنه إذا طاف بالبيت وسعى بعده، لا يتحلل من إحرامه، بل يبقى محرما حتى ينتهي من أعمال الحج في اليوم العاشر. قال: ومن لم يكن منكم أهدى، فليطف بالبيت وبالصفا والمروة، وليقصر وليحل، أو ليحلل. يعني يتحلل من إحرامه، ثم ليهل بالحج، وليهدي. ليهل بالحج، يعني في اليوم الثامن، ويهدي، يعني يذبح الهدي، لأن المتمتع كما قلنا عليه هدي كالقارن. قال: فمن لم يجد هديا، فليصم ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع إلى أهله. الحديث متفق عليه. فهذا الحديث فيه أن المتمتع إذا لم يجد هديا، والمراد بقوله لم يجد: إما لعدم وجود هدي، قد يكون عنده المال الذي يشتري به الهدي، لكن ليس هناك هدي يباع، ليس هناك هدي يباع مثلا، أو يكون عادما لثمن الهدي، ما عنده قيمة الهدي. أو قد يكون الهدي موجود، لكنه يباع، يباع بأغلى من ثمنه، يباع بأغلى من ثمن المثل. فهنا ما يلزمه أن يشتريه، ويكون كالعادم، يكون كالمعدوم. يعني: مثلا لو كان الهدي سعره المعتاد بخمسمائة، ووجده يباع بألف، ما يلزمه أن يشتريه، لأنه يباع الآن بأكثر من ثمنه، أكثر من ثمن المثل، فينتقل إلى الصيام، ينتقل إلى الصيام. قال: فليصم ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع إلى أهله. لقول الله جل وعلا: فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم، تلك عشرة كاملة. ذلك لمن لم يكن أهله حاضر المسجد الحرام. أي هذا خاص بالآفاقي الذي يأتي إلى مكة، أما أهل مكة، ليس عليهم هدي. أهل مكة ومن يسكن في الحرم، في حدود الحرم، هذا ليس عليه هدي، إنما الهدي على من يأتي من خارج، من خارج الحرم. طيب، يصوم ثلاثة أيام. طبعا هذه الثلاثة أيام يجوز أن يصوم أيام التشريق: الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر. في حديث ابن عمر وعائشة، أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن صيام أيام التشريق، إلا لمن لم يجد الهدي، إلا لمن لم يجد الهدي. فأجاز النبي صلى الله عليه وسلم للمتمتع الحاج إذا لم يكن معه هدي، أن يصوم أيام التشريق: الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر. ويجوز أن يصوم قبل الحج، لكن بعد عمرته. بعد أن يعتمر، الآن أنت ذهبت إلى المملكة في ذي القعدة، اعتمرت في ذي القعدة، جئت بعمرة كاملة لأنك ستحج متمتعا. طيب، انتهيت من العمرة، وما عندك قيمة الهدي، ما عندك قيمة الهدي، هل يجوز أن تصوم الثلاثة الأيام بعد انتهاء العمرة كاملة؟ الجواب: أنه يجوز، يجوز لك أن تصوم هذه الثلاثة الأيام بعد انتهاء العمرة كاملة. لماذا؟ هذه الأشهر من أشهر الحج، من أشهر الحج، وأنت قد أتيت بالعمرة الواجب عليك التي ستكون بها متمتعا إلى الحج، وقد عدمت قيمة الهدي، وجب عليك الصيام، فيجوز لك أن تصوم هذه الثلاثة الأيام قبل الحج، بعد انتهائك من العمرة. طيب، فإذا صام مثلا، إذا صام المسلم بعد انتهائه من العمرة، ثم وجد قيمة الهدي، أو أهدي له هدي، هل يلزمه أن يهدي، ولا يجزئه الصيام؟ الصحيح أنه يجزئه، يجزئه الصيام، لأنه قد أدى الواجب الذي عليه، وسقط هذا الواجب بفعله لهذه العبادة، وهو الصيام، هو بدل عن الهدي. وسبعة إذا رجع، الله جل وعلا يقول: وسبعة إذا رجعتم، أطلق الرجوع، إذا رجعتم، هذا يحتمل: إذا رجعتم من مكة، يحتمل في الطريق. لكن جاء هنا في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: وسبعة إذا رجع إلى أهله، رجع إلى بلده، فيصوم السبعة الأيام. ويجوز أن يصوم في الطريق، لأنه يصح أن يقال: فلان رجع إلى أهله، وفي الطريق إلى أهله. فلو صام في أثناء الطريق وراجع إلى أهله، فلا بأس. طيب، أما إذا رجع من مكة، ولم يذهب إلى أهله بعد، خرج من مكة مثلا، ذهب إلى المدينة يريد أن يزور بعض الأقارب، ثم يذهب إلى أهله، هل له أن يصوم في المدينة؟ الجواب: لا، لأنه ما يصح بحقه أنه رجع إلى أهله، فينتظر حتى يسافر، ثم يصوم السبعة الأيام. ويجوز أن يصومها متفرقة، لأن الله ما اشترط التتابع، لم يشترط التتابع في صيامها، فله أن يصومها متفرقة. قال: وعن عمران بن حسين رضي الله عنه قال: نزلت آية المتعة في كتاب الله تعالى، يعني متعة الحج، وأمرنا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم لم تنزل آية تنسخ آية متعة الحج، ولم ينهى عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى مات. قال رجل برأيه ما شاء. متفق عليه، واللفظ لمسلم. في هذا الحديث يؤكد عمران بن حسين رضي الله تعالى على مشروعية متعة الحج، يعني الحج متمتعا، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أجازها، وقد أمرهم بها النبي صلى الله عليه وسلم، وأن هذا الحكم محكم، لم ينسخ، هذا الأمر محكم، لم ينسخ. لم تنزل آية تنسخ آية متعة الحج، وهي قول جل وعلا: فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي. ولم ينهى عنها النبي عليه الصلاة والسلام حتى مات. قال: ثم قال: رجل برأيه ما شاء. يريد عمر رضي الله تعالى عنه، وهكذا أيضا عثمان ومعاوية رضي الله تعالى عنهم، فإنه أثر عنهم أنهم كانوا ينهون عن المتعة، ينهون عن المتعة. لكن سيأتي أن العلماء وجهوا قول عمر رضي الله عنه في نهيه عن المتعة، أنهم أرادوا ترجيح الإفراد، ترجيح الإفراد على التمتع، وليس إبطال التمتع. يعني أن التمتع أو الحج متمتعا لا يصح، وإنما أرادوا أن الإفراد أفضل. وإن كان الصحيح أن التمتع هو الأفضل، كما مر معنا. قالوا: عن أبي جمرة نصر بن عمران الضبعي قال: سألت ابن عباس عن المتعة، فأمرني بها، وسألته عن الهدي، فقال: فيه جزور، يعني بعير، أو بقرة، أو شاة، أو شرك في دم، يعني اشتراك في بعير أو في بقرة. قال: قال: وكأن ناسا كرهوها، يعني كرهوا التمتع. قال: فنمت، فرأيت في المنام كأن إنسانا ينادي: حج مبرور، ومتعة متقبلة. فأتيت ابن عباس فحدثته، فقال: الله أكبر، سنة أبي القاسم صلى الله عليه وسلم. متفق عليه، واللفظ للبخاري. يعني فرح ابن عباس بهذه الرؤية، أن توافق سنة النبي عليه الصلاة والسلام، وأن سنة النبي عليه الصلاة والسلام مقدمة على قول أي أحد من الناس، كائنا من كان، أنها مقدمة على قول أي أحد من الناس، كائنا من كان. فالمقصود: أن من كره المتعة كعمر وعثمان ومعاوية رضي الله عنهم، أنهم أرادوا أن العرب في الجاهلية كانوا يكرهون العمرة في أشهر الحج، كانوا لا يرون العمرة في أشهر الحج، بل كانوا يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور، كانوا يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور، وكانوا يقولون: إذا عفى الأثر، وبرئ الدبر، وانسلخ صفر، حلت العمرة لمن اعتمر، حلت العمرة لمن اعتمر. فلما جاء الإسلام، أبطل هذا المعتقد، وأجاز النبي صلى الله عليه وسلم لهم أن يعتمروا في أشهر الحج، وبقي هذا الأثر في قلوب بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فلهذا كانوا يرون أن الإفراد أفضل، حتى لا يأتي بعمرة في أشهر الحج. لكن الصواب الذي عليه جمهور الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وهو أن التمتع جائز، وأنه لا بأس على المسلم أن يعتمر في أشهر الحج، وقد أمر بها النبي صلى الله عليه وسلم، بل حث الصحابة على ذلك، وتمنى أن يكون مثلهم عليه الصلاة والسلام، مما يدل على أن التمتع أفضل أنساك الحج. قالوا: عن أبي ذر رضي الله عنه قال: كانت المتعة في الحج لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم خاصة. رواه مسلم. هذا الأثر فيه أن أبا ذر رضي الله عنه كان يرى أن المتعة في الحج، أنه كان خاصا بأصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، حين أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يتحللوا من عمرتهم، وأن يأتوا ويهلوا بالحج في اليوم الثامن، فيصيروا متمتعين. يرى أن هذا حكم خاص بالصحابة رضي الله تعالى عنهم، وليس حكما عاما لسائر الأمة، وليس حكما عاما لسائر الأمة. وهذا قال به بعض العلماء، قال به بعض العلماء، ومذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي، أنهم يرون أن هذا الحكم خاص بأصحاب النبي عليه الصلاة والسلام. وذهب الإمام أحمد وأهل الحديث والظاهرية، إلى أن هذا الحكم عام، وليس خاصا بالصحابة رضي الله تعالى عنهم، بل أن المتعة جائزة لكل مسلم. بل من أراد أن يحج قارنا، ولم يكن معه هدي، يلزمه أن يفسخ الحج إلى عمرة، وأن يتحلل منها، ويكون متمتعا، كما أمر النبي عليه الصلاة والسلام من لم يسق الهدي أن يجعلها عمرة. ولهذا سرقه بن مالك، ما سيأتي معنا، لما أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يفسخوا الحج إلى عمرة، قال: يا رسول الله، ألنا هذا خاصة؟ بل قال النبي صلى الله عليه وسلم: بل لدخلت العمرة في الحج إلى أبد الأبد، أو كما قال عليه الصلاة والسلام. بين أنه حكم عام لسائر الأمة. طيب، إلى هنا، صلى الله وسلم على نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين، والله تعالى أعلم.