التعليق على كتاب الحج من التمام في أحاديث الأحكام 6

التعليق على كتاب الحج من التمام في أحاديث الأحكام 6

الدرس في التعليق على كتاب الحج من التمام في أحاديث الأحكام 6، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

أحكام ورخص النحر والوقوف والدفع من مزدلفة

يستعرض المقطع أحاديث نبوية تبين سعة مواضع النحر في منى والوقوف في عرفة ومزدلفة، وجمع النبي صلى الله عليه وسلم بين المغرب والعشاء وتقديم الفجر في مزدلفة. ويرخص للضعفة من النساء والكبار الدفع من مزدلفة قبل الفجر بعد منتصف الليل، ويجوز لهم رمي جمرة العقبة قبل طلوع الشمس، بينما الأصل في الأقوياء الرمي بعد طلوع الشمس، ويؤكد أن من أدرك الوقوف بعرفة والمزدلفة فقد تم حجه.

أوقات الوقوف بعرفة وحكم المبيت بمزدلفة

يبيّن المقطع أن وقت الوقوف بعرفة يمتد من فجر يوم عرفة إلى فجر يوم النحر، وأن من أدركه فقد تم حجه، بينما اختلف العلماء في ركنية المبيت بمزدلفة وصلاة الصبح فيها، والراجح قول الجمهور بأنها واجبة وليست ركناً مستدلين بحديث «الحج عرفة». كما تناول كيفيّة رمي جمرة العقبة وقطع التلبية عند الرمي، وسنن الوقوف عند الرمي.

رمي الجمرات وترتيب أعمال يوم النحر

يوضح المقطع مواقيت رمي جمرة العقبة والجمرات الثلاث في أيام التشريق، ويصف كيفيّة رمي النبي صلى الله عليه وسلم والدعاء عند الصغرى والوسطى. ويبيّن أن تقديم أو تأخير أعمال يوم النحر (رمي، نحر، حلق، طواف) جائز بلا حرج، مع أفضلية الحلق على التقصير للرجال، وسنّ الذبح للغنم والبقر والنحر للإبل.

أحكام نحر البدن والتحلل الأول والثاني

يبيّن المقطع سنة نحر الإبل قائمة معقولة اليد اليسرى ويجوز نحرها باركة للتيسير، ويستحب التلبيد والتقليد دالّين على قران النبي صلى الله عليه وسلم. ويوضح أن التحلل الأول يكون برمي جمرة العقبة فيحل كل شيء إلا النساء، والتحلل الثاني يكون بطواف الحج، كما يبين أن النساء يقصرن ولا يحلقن، ووجوب المبيت بمنى ليالي التشريق إلا لعذر كسقاية الحجيج.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المصنف رحمه الله: وعن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نحرتها هنا، ومنى كلها منحر، فانحروا في رحالكم، ووقفتها هنا، وعرفة كلها موقف، ووقفتها هنا، وجمع كلها موقف». رواه مسلم. هذا الحديث فيه بيان من النبي عليه الصلاة والسلام أنه لا يعتني المسلم أو يشق على نفسه أن ينحر في الموضع الذي نحر فيه النبي عليه الصلاة والسلام، أو يقف في عرفة في المكان الذي وقف فيه النبي عليه الصلاة والسلام، أو كذلك يقف في مزدلفة في المكان الذي وقف فيه النبي عليه الصلاة والسلام. فبين النبي عليه الصلاة والسلام أن منى كلها منحر، فهو نحر في هذا الموضع، ولسائر المسلمين أن ينحروا في أي موضع من منى، فمنى كلها منحر. ومعنى ذلك أنه لا يشق الإنسان على نفسه ويقول: أنا سأنحر في المكان الذي نحر فيه النبي عليه الصلاة والسلام، فيزدحمون ويدافعون، ربما في هذا المكان الذي نحر فيه النبي عليه الصلاة والسلام، ويحصل لهم من المشقة والضرر ما قد يحصل. فبين النبي صلى الله عليه وسلم أن منى كلها محل النحر، فينحر المسلم في أي موضع منها. ولهذا قال: «فانحروا في رحالكم»، يعني في منى وأنتم في منى. كذلك أيضًا عرفة، فحدود عرفة كلها موقف، يصح أن يقف فيها المسلم في أي موضع من عرفة فيصح وقوفه. وهكذا أيضًا الوقوف في مزدلفة. قالوا: عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: «ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى صلاة إلا لميقاتها، إلا صلاتين: صلاة المغرب والعشاء بجمع»، يعني في مزدلفة، «وصلى الفجر يومئذ قبل ميقاتها». متفق عليه. ولمسلم: «قبل وقتها بغلس». ويريد عبد الله بن مسعود رضي الله عنه بذلك ليس أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الفجر قبل دخول وقت الفجر، وإنما أراد أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصلها في الوقت الذي كان يعتاد أن يصلي فيه الفجر، يعني بعد دخول وقت الفجر بزمن يسير. والمقصود أن النبي صلى الله عليه وسلم عجل صلاة الفجر في مزدلفة، عجل صلاة الفجر في مزدلفة على خلاف المعتاد منه عليه الصلاة والسلام. وهكذا أيضًا صلاة النبي صلى الله عليه وسلم للمغرب والعشاء، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي المغرب عند أول غروب الشمس، وفي يوم عرفة لما دفع النبي صلى الله عليه وسلم من عرفة بعد غروب الشمس أخر الصلاة حتى وصل إلى مزدلفة، فصل بعد ذلك المغرب والعشاء. وهنا أيضًا لم يصلي النبي صلى الله عليه وسلم المغرب في وقتها المعتاد الذي كان يصلي فيه عليه الصلاة والسلام، فأخر صلاة المغرب حتى وصل إلى مزدلفة، فصل المغرب والعشاء. وفي فجر يوم النحر صلى الفجر في مزدلفة عند أول دخول وقت الفجر. قالوا: عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «بعثني النبي صلى الله عليه وسلم في الثقل، أو قال: في الضعفة من جمع بليل». متفق عليه. والثقل يعني المتاع. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «استأذنت سودة رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة المزدلفة أن تدفع قبله، وكانت ثبطة»، يعني ثقيلة، «فأذن لها». متفق عليه. في حديث ابن عباس أخبر ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه في الثقل، يعني في المتاع، أو قال: في الضعفة من جمع بليل. في الضعفة يعني مع النساء والكبار من جمع بليل، يعني في مزدلفة. وأذن النبي صلى الله عليه وسلم للضعفة أن يدفعوا إلى منى قبل طلوع الفجر، قبل طلوع الفجر، وذلك بعد منتصف الليل. وهكذا بحديث عائشة أن سودة رضي الله عنها استأذنت النبي عليه الصلاة والسلام ليلة المزدلفة أن تدفع قبله، والنبي صلى الله عليه وسلم مرّ، معنى أنه دفع بعد أن صلى الفجر وأسفر الفجر، وهي أرادت أن تدفع في الليل، فقال: «فأذن لها». فأذن لها. فاستدل به العلماء على أن الضعفة من النساء وكبار السن لا حرج عليهم أن يدفعوا من مزدلفة قبل الفجر، وذلك بعد منتصف الليل، بعد منتصف الليل، كما جاء بحديث أسماء، فينطلقون إلى منى، فينطلقون إلى منى لرمي جمرة العقبة. وأما من لم يكن كذلك من الأقوياء فالأصل أنه يبقى في مزدلفة حتى يصلي الفجر، وبعد إسفار الفجر وقبل طلوع الشمس ينطلق إلى منى. قالوا: عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس». رواه الخمسة، وفيه انقطاع. وهذا الانقطاع بين الحسن العرني لم يسمع من ابن عباس، والحديث المنقطع ضعيف. وهذا الحديث يدل على أن جمرة العقبة ترمى بعد طلوع الشمس، أنها ترمى بعد طلوع الشمس. لكن من رخص للضعفة وقد أذن لهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يدفعوا قبل الفجر، هل يجوز لهم أن يرموا قبل طلوع الشمس أم لا؟ في هذا خلاف بين أهل العلم، والصحيح أنهم يجوز لهم أن يرموا قبل الفجر، وسيأتي في حديث عائشة ما يدل على ذلك، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أذن لأم سلمة ليلة النحر أن ترمي قبل الفجر، أن ترمي قبل الفجر، فيدل هذا على الجواز أن يرمي الضعفة قبل الفجر، فيرمون جمرة العقبة. وإلى هذا ذهب جماعة من أهل العلم، منهم الإمام أحمد والشافعي. قالوا: عن عائشة رضي الله عنها قالت: «أرسل النبي صلى الله عليه وسلم بأم سلمة ليلة النحر، فرمت الجمرة قبل الفجر، ثم مضت فأفاضت». رواه أبو داود، وإسناده على شرط مسلم. في هذا الحديث أذن النبي صلى الله عليه وسلم لأم سلمة ليلة النحر أن ترمي الجمرة قبل الفجر، يعني جمرة العقبة، هذا يدل على أنه يجوز للضعفة أن يرموا قبل الفجر. وأما غيرهم من الأقوياء فالأصل أنهم يرمون بعد طلوع الشمس. قالت: «رمت الجمرة قبل الفجر، ثم مضت فأفاضت»، يعني طافت، طواف الإفاضة، طواف الحج. قال: وعن عروة بن مضرس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من شهد صلاتنا هذه، يعني بالمزدلفة، فوقف معنا حتى ندفع، وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهاراً، فقد تم حجه وقضى تفثه». رواه الخمسة، وصححه الترمذي. في هذا الحديث بيان أن من أدرك الوقوف بعرفة فقد أدرك الحج وصح حجه. «من شهد صلاتنا هذه يعني بالمزدلفة»، أي صلاة الصبح، «فوقف معنا حتى ندفع»، يعني في مزدلفة، «وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهاراً»، ليلاً أو نهاراً. هذا فيه دليل على أن الوقوف بعرفة يصح من فجر يوم عرفة إلى قبل طلوع الفجر يوم النحر، من فجر يوم عرفة إلى قبل طلوع الفجر يوم النحر، فهذا الوقت كله وقت للوقوف بعرفة. من وقف في عرفة في هذا الوقت ولو لحظة فقد أدرك الحج، فقد أدرك الحج. ومن فاته الوقوف في هذه الفترة فقد فاته الحج. قال: «وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهاراً»، ليلاً أو نهاراً. نهاراً: من فجر يوم عرفة إلى أن تغرب الشمس. وليلاً: من غروب الشمس إلى قبل طلوع فجر يوم النحر. فمن وقف في عرفة في هذا الوقت فقد أدرك الحج. قال: «فقد تم حجه وقضى تفثه». ومن فاته الوقوف بعرفة فقد فاته الحج. يبقى قوله عليه الصلاة والسلام: «من شهد صلاتنا هذه يعني بالمزدلفة فوقف معنا حتى ندفع»، هل يدل هذا على أن كذلك المبيت بمزدلفة والوقوف فيها يعتبر ركناً كالوقوف بعرفة، لا يصح الحج إلا به؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قرن الوقوف بعرفة مع المبيت بمزدلفة وصلاة الصبح فيها والوقوف فيها، إذا وجد هذين الأمرين تم الحج. هل يفهم منه أن المبيت بمزدلفة وصلاة الصبح فيها يعتبر ركناً كذلك كالوقوف بعرفة؟ في هذا خلاف بين أهل العلم. فذهب جمهور العلماء إلى أن المبيت بمزدلفة، فصلاة الصبح فيها ليس بركن، ليس بركن كالوقوف بعرفة، بل من ترك ذلك صح حجه، من ترك المبيت بمزدلفة فإن حجه صحيح وعليه دم لتركه لهذا الواجب. وذهب ابن عباس وجماعة من أهل العلم إلى أنه ركن، ذهبوا إلى أنه ركن، واستدلوا بهذا الحديث، فظاهره أن المبيت بمزدلفة وصلاة الصبح فيها يعتبر ركناً. والصحيح قول الجمهور، الصحيح قول الجمهور. ويدل على أن المبيت بمزدلفة ليس بركن ما جاء عند الإمام أحمد وأهل السنن: أن ناساً من أهل نجد، أن ناساً من أهل نجد قالوا: يا رسول الله، كيف الحج؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «الحج عرفة، الحج عرفة، من جاء قبل صلاة الفجر من ليلة جمع فقد تم حجه». من جاء قبل صلاة الفجر من ليلة جمع، يعني قبل صلاة الفجر يوم عرفة، فجر يوم النحر، من ليلة جمع قبل طلوع فجر يوم النحر، قال: «فقد تم حجه». معنى هذا أنه إذا جاء وقد فاته المبيت بمزدلفة ووقف في عرفة قبل طلوع فجر يوم النحر فإنه قد تم حجه وصار مدركاً للحج. فدل هذا على أن المبيت بمزدلفة ليس بركن، ليس بركن. من فاته وأدرك الوقوف بعرفة فحجه صحيح، فحجه صحيح. وهذا هو الصحيح وهو قول جماهير أهل العلم. لا، هم يبيتون، لكن يدفعون قبل الفجر، يبيتون أكثر الليل. نعم، قد يقولون بالنسبة للضعف يستثنون لهم أن يبيتوا نصف الليل، وأما غير الضعف فلابد أن يبقوا إلى الفجر. لكن هل هذا البقاء ركن؟ الجواب: لا، ليس بركن. وأما الآية وهي قول الله جل وعلا: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾، اصطُلّ بها من قال بالركنية. قال الله جل وعلا: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾. فأجاب العلماء أن هذه الآية لا تدل على الركنية وإنما تدل على الوجوب، على وجوب ذكر الله. قال: وعن عمر رضي الله عنه قال: «إن المشركين...». وطبعاً أركان الحج: أركان الحج هي الإحرام والوقوف بعرفة والطواف والسعي. الإحرام والوقوف بعرفة والطواف والسعي، هذه أركان الحج. الأدلة على أنها تعتبر ركناً لا يصح الحج إلا به. وأما الإحرام من الميقات، والوقوف بعرفة بعد الزوال إلى غروب الشمس، والمبيت بمزدلفة، ورمي جمرة العقبة يوم النحر، ورمي الجمار أيام التشريق، والمبيت بمنى، بمنى ليالي التشريق، والحلق أو التقصير، فهذه من الواجبات. قال: وعن عمر رضي الله عنه قال: «إن المشركين كانوا لا يفيضون حتى تطلع الشمس، ويقولون: أشرق ثبير، وإن النبي صلى الله عليه وسلم خالفهم، ثم أفاض قبل أن تطلع الشمس». رواه البخاري. وفي رواية: «أشرق ثبير، كيما نغير، كيما نغير». وثبير جبل من جبال مكة، جبل من جبال مكة. ويريدون يعني أن تشرق الشمس حتى يفيضوا بعد ذلك. فكان أهل الجاهلية والمشركون لا يفيضون من مزدلفة إلا بعد طلوع الشمس، فالنبي صلى الله عليه وسلم خالفهم وأفاض من مزدلفة إلى منى قبل طلوع الشمس. قال: «ثم أفاض قبل أن تطلع الشمس»، أي النبي صلى الله عليه وسلم، مخالفة لهم. قالوا: عن ابن عباس أن أسامة بن زيد والفضل بن عباس رضي الله تعالى عنهم قال: «لم يزل النبي صلى الله عليه وسلم يلبي حتى رمى جمرة العقبة». رواه البخاري. يعني منذ أن أحرم النبي عليه الصلاة والسلام بقي يلبي، والنبي صلى الله عليه وسلم كما مر معنا كان قارناً، كان قارناً، بمعنى أنه بقي محرماً واستمر على إحرامه حتى انتهى من أعمال اليوم العاشر، واستمر في التلبية عليه الصلاة والسلام حتى رمى جمرة العقبة، حتى رمى جمرة العقبة، فقطع التلبية، فقطع التلبية. فدل هذا على أن الحاج يلبي حتى يرمي جمرة العقبة، فيقطع التلبية عند رميه لجمرة العقبة. وهذا مذهب جمهور أهل العلم. وإن كانوا اختلفوا في قوله: «حتى رمى جمرة العقبة»، هل المراد حتى انتهى من رمي جمرة العقبة، فكان يلبي مع رميه للجمرات، أو حتى رمى جمرة العقبة، أي حتى شرع في الرمي، حتى شرع في الرمي؟ وأكثر أهل العلم على أن المراد حتى شرع في الرمي، أول ما بدأ ليرمي جمرة العقبة قطع التلبية، وجعل يكبر عليه الصلاة والسلام مع كل حصاة، وهذا هو الأصح. قالوا: عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه جعل البيت عن يساره ومنى عن يمينه، ورمى الجمرة بسبع حصيات، وقال: «هذا مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة». متفق عليه. عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يخبر بمقام النبي عليه الصلاة والسلام عندما رمى جمرة العقبة، فجعل البيت عن يساره، يعني الكعبة، ومنى عن يمينه، ورمى الجمرة على هذا الحال، ثم قال: «هذا مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة»، أي نبي عليه الصلاة والسلام، أنه وقف هذا الموقف عندما رمى جمرة العقبة، جعل البيت عن يساره ومنى عن يمينه. فيدل على استحباب هذا الوقوف عند رمي جمرة العقبة، أنك تجعل البيت عن يسارك ومنى عن يمينك. وقوله: «هذا المقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة»، لماذا خص سورة البقرة؟ ما قال سورة آل عمران ولا سورة النساء، لماذا قال سورة البقرة؟ مع أن القرآن كله أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم. نعم، لأن فيها ذكر آيات الحج، فيها ذكر الحج والرمي، وكذلك الدفع وذكر الله جل وعلا في مزدلفة إلى آخره، فخصها بالذكر. قالوا: عن جابر رضي الله عنه قال: «رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمرة يوم النحر ضحى، وأما بعد ذلك فإذا زالت الشمس». رواه مسلم. يقول جابر: رمى النبي صلى الله عليه وسلم الجمرة يوم النحر ضحى، يعني في وقت الضحى، بعد ارتفاع الشمس، بعد طلوع الشمس. فجمرة العقبة الأصل أنها ترمى بعد طلوع الشمس. وما بعد ذلك، فإذا زالت الشمس، يعني في أيام التشريق، رمى الجمارات الثلاث: الصغرى والوسطى والكبرى، بعد الزوال. فالجمارات الثلاث في أيام التشريق ترمى بعد الزوال، وجمرة العقبة ترمى بعد طلوع الشمس. ويجوز للضعف كما مر معنا أن يرموا قبل الفجر جمرة العقبة. وكذلك يجوز للحاج أن يؤخر الرمي في أيام التشريق إلى بعد غروب الشمس، لو كان هناك زحام وشق عليه أن يرمي بعد الزوال، فلا حرج أن يرمي في الليل، لا حرج عليه أن يرمي في الليل. لكن ابتداء الرمي يكون بعد الزوال، ولا يرمي قبل الزوال. قالوا: عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان يرمي الجمرة الدنيا بسبع حصيات، الدنيا يعني الجمرة الصغرى، قال: «يكبر على إثر كل حصاة»، يعني الله أكبر مع كل حصاة يكبر. قال: «ثم يتقدم حتى يسهل، فيقوم فيستقبل القبلة، ثم يدعو ويرفع يديه، فيقوم طويلاً، ثم يرمي الوسطى، ثم يأخذ ذات الشمال، حتى يسهل، ويقوم فيستقبل القبلة، ثم يدعو، فيرفع يديه، ويقوم طويلاً، ثم يرمي جمرة ذات العقبة من بطن الوادي، ولا يقف عندها، ثم ينصرف». فيقول: «هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله». رواه البخاري. في هذا الحديث بيان السنة في رمي الجمرات الثلاث في أيام التشريق، أنك تبتدأ أولاً فترمي الصغرى، ترمي الجمرة الصغرى بسبع حصيات، تكبر مع كل حصاة، ثم تتوجه إلى جهة القبلة وتدعو، ترفع يديك وتدعو، ثم ترمي الجمرة الوسطى بسبع حصيات، تكبر مع كل حصاة، ثم تتوجه إلى جهة القبلة فتدعو، ثم ترمي الجمرة الكبرى بسبع حصيات، وتنطلق، ما تقف عندها، إنما تقف وتدعو عند الجمرة الصغرى وعند الجمرة الوسطى. هذه السنة. ولو رمى المسلم مثلاً وما وقف ودعى، ورمى الصغرى ثم الوسطى ثم الكبرى وذهب من غير أن يقف ويدعو، فلا حرج عليه، حجه فعله صحيح، إلا أنه ترك هذه السنة وهذا المستحب، وليس عليه شيء. لكن الأفضل والأكمل أنك تفعل كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم. قال: وعنه رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اللهم ارحم المحلقين». قالوا: «والمقصرين يا رسول الله». قال في الثالثة: «والمقصرين». متفق عليه. ورمي الجمار، رمي الجمارات الثلاث في أيام التشريق، هذا واجب، هذا واجب من واجبات الحج، واجب من واجبات الحج أن يرمي الحاج الجمرات الثلاث. وفي حديث ابن عمر الآخر أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا للمحلقين ثلاث مرات: «اللهم ارحم المحلقين». قال: «والمقصرين يا رسول الله». قال: «اللهم ارحم المحلقين». قال: «والمقصرين يا رسول الله». قال: «اللهم ارحم المحلقين». قال: «والمقصرين يا رسول الله». قال: «والمقصرين». فدعى للمحلقين ثلاثاً، ودعى للمقصرين مرة. فدل هذا على أن الأفضل في التحلل هو الحلق، هو الحلق أفضل من التقصير، وبذلك ينال المسلم هذه الدعوة المباركة من النبي صلى الله عليه وسلم بأن تناله رحمة الله سبحانه وتعالى. وهذا بالنسبة للرجال. أما النساء فليس عليهن حلق، كما سيأتي. النساء إنما عليهن التقصير فقط، تقصر بأخذ قدر أنملة من شعرها، تجمع شعرها وتأخذ منه قدر أنملة، تتحلل بذلك. وبالنسبة للرجل أو الذكر إذا أراد أن يقصر، كذلك التقصير يكون من جميع الرأس، يأخذ من جميع شعر رأسه، وليس التقصير بأخذ شعرات من الأمام ومن الخلف ومن اليمين ومن الشمال ويقول: قصرت. لا، هذا ليس بتقصير، ولا يحصل به التحلل. وما يفعله بعض... يعني نقول قصاصين أو النصابين، تجده معه المقص ومستعد واقف في... يعني في العمرة، تجده في... في المروة، إذا انتهى الإنسان من السعي قال: تعال، ويأخذ شعرات من هنا ومن هنا، قال: خلاص تحللت. هذا ما يجزئ، ما يجزئ. لابد من أخذ من جميع شعر الرأس، فيكون التقصير من جميع شعر الرأس، ليس شعرات من كل مكان. ينتبه لهذا. قالوا: عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف في حجة الوداع، فجعلوا يسألونه. وقال رجل: «لم أشعر، فحلقت قبل أن أذبح». قال: «اذبح ولا حرج». فجاء آخر فقال: «لم أشعر، فنحرت قبل أن أرمي». قال: «ارمِ ولا حرج». فما سئل يومئذ عن شيء قدم ولا أخر إلا قال: «افعل ولا حرج». متفق عليه. مر معنا أن أعمال اليوم العاشر ما هي؟ أيش أعمال يوم العاشر؟ الرمي والنحر والحلق والطواف، بهذا الترتيب: الرمي ثم النحر ثم الحلق ثم الطواف. رنحط. هذه السنة، السنة ترتيب هذه الأعمال بهذا الترتيب. طيب، إذا حصل تقديم أو تأخير، إذا حصل تقديم أو تأخير، فلا حرج عليك. فهذا الترتيب ليس بواجب ولا بشرط، وإنما هو مستحب. لهذا النبي صلى الله عليه وسلم سئل في يوم النحر عن من قدم وأخر في هذه الأعمال، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «اذبح ولا حرج»، لمن قال: حلقت قبل أن أذبح، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اذبح ولا حرج»، ما عليك حرج كون قدمت الحلق على الذبح. وقال آخر: نحرت قبل أن أرمي، يعني جمرة العقبة، نحر قبل الرمي، قال: «ارمِ ولا حرج». فما سئل عن شيء قدم ولا أخر إلا قال: «افعل ولا حرج». فأراد النبي صلى الله عليه وسلم التخفيف على الناس وعدم المشقة عليهم، لأنه ربما يعني يخفى عليهم أو يذهل الواحد وينسى الترتيب في هذه الأعمال، فيحصل مثل هذا من التقديم والتأخير، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «افعل ولا حرج»، ما عليك شيء لو قدمت وأخرت. المقصود أنك تأتي بهذه الأعمال، فليس الترتيب بينها يعني شرطاً لصحتها. قال: وعن المسور بن مخرمة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نحر قبل أن يحلق، وأمر أصحابه بذلك. رواه البخاري. عن المسور بن مخرمة قال: نحر النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يحلق، وأمر أصحابه بذلك، يعني أمرهم أن ينحروا قبل أن يحلقوا. لكن هذا الأمر للاستحباب وليس للوجوب، هذا الأمر للاستحباب وليس للوجوب، والصارف له حديث ابن عمر الذي قبله: «افعل ولا حرج»، أنه سلم، قال: لمن حلق قبل أن ينحر: «إن حر ولا حرج». إذن هذا الأمر للاستحباب، للاستحباب وليس للوجوب. قال: وعن زياد بن جبير قال: رأيت ابن عمر رضي الله عنهما أتى على رجل قد أناخ بدنة فنحرها، فقال: «ابعثها قياماً مقيدة، سنة محمد صلى الله عليه وسلم». متفق عليه. السنة في ذبح بهيمة الأنعام: في الغنم والبقر الذبح، في الغنم والبقر الذبح، لأن هذا أريح لها. وفي الإبل النحر، تنحر في اللبة، في أسفل رقبتها، فهذا يعني أيسر عليها وأرحم بها. لكن بالنسبة للبدن، الإبل، السنة عند نحرها أن تكون قائمة معقولة اليد اليسرى، يعني تعصب قدمها اليسرى وتكون قائمة، فتنحر وهي قائمة، حتى يخرج منها الدم، ويسهل قيامها ونحرها وهي قائمة في خروج الدم، ثم تسقط وهي قائمة، كما قال الله جل وعلا: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا﴾، وجبت يعني سقطت، سقطت على جنبها، ولا يكون ذلك إذا كانت قائمة، لا يكون إلا إذا كانت قائمة. فزياد بن جبير يقول: أن ابن عمر رأى رجلاً قد أناخ بدنة فنحرها، أي وهي رابضة، يعني قد جلست وبركت، نحرها وهي باركة في الأرض، فأنكر عليه ابن عمر، قال: «ابعثها قياماً مقيدة، سنة محمد صلى الله عليه وسلم». سنة في نحر الإبل أن تكون قائمة معقولة القدم اليسرى. لكن إذا لم يتيسر ذلك، وشق على الناس نحرها وهي قائمة معقولة القدم اليسرى، وكان أسهل وأيسر عليهم أن ينحروها وهي... وهي قد أنيخت وبركت في الأرض، فلا حرج، لا حرج عليهم في ذلك، إذا كان هذا الأيسر والأسهل عليهم، فيفعلون ذلك. وإن استطاعوا أن ينحروها وهي قائمة فهذه السنة، فهذه السنة الموافقة لسنة النبي عليه الصلاة والسلام. قالوا: عن حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: «يا رسول الله، ما شأن الناس حلوا من العمرة ولم تحل أنت من عمرتك؟» قال: «إني لبدت رأسي وقلدت هدي، فلا أحل حتى أنحر». متفق عليه. في هذا الحديث استحباب التلبيد والتقليد. تلبيد الرأس بوضع الحناء عليه أو العسل أو شيء من ذلك مما يلبّد شعر الرأس ويضمه، والتقليد، وتقليد الهدي بوضع قلادة في عنقه. والمستحب أن تكون من نعل، أن يقلدها نعلاً، كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام، إشارة إلى أنها مهدى إلى بيت الله الحرام. فهذا من المستحبات. وفيه دلالة على أن النبي صلى الله عليه وسلم حج قارناً، أن النبي صلى الله عليه وسلم حج قارناً. أن الذين لم يسوقوا الهدي تحللوا من عمرتهم، فقالت عائشة: «ما بال الناس قد حلوا من العمرة ولم تحل أنت؟ ما زلت محرماً». قال: «إني لبدت رأسي وقلدت هدي، أنا سقت الهدي ولبدت رأسي، فلا أزال محرماً حتى أنحر»، يعني أذبح، أنحر نحري يوم النحر، فحينئذ سأحل من إحرامي. قالوا: عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا رميتم وحلقتم فقد حل لكم الطيب والثياب وكل شيء إلا النساء». رواه أحمد، في إسناده ضعف. نعم، هذا الحديث فيه إسناده ضعف، والضعف في زيادة «وحلقتم»، زيادة «وحلقتم» ضعيفة. قال الإمام أبو داود رحمه الله في سننه: قال: «هذا الحديث ضعيف، هذا الحديث ضعيف، الحجاج لم... لم يَرَ الزهري أو لم يلقَ الزهري ولم يسمع منه». والصحيح أن الحديث عن عمرة عن عائشة، الحديث من طريق عمرة عن عائشة، وليس فيه ذكر الحلق، يعني الحديث صحيح بدون ذكر الحلق، وإنما فيه: «إذا رميتم فقد حل لكم الطيب وكل شيء»، من غير ذكر، من غير ذكر الحلق. وجاء نحو ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: «إذا رميتم الجمرة فقد حل لكم كل شيء إلا النساء». إذا رميتم الجمرة فقد حل لكم كل شيء إلا النساء. وهذا الحديث يدل على أن التحلل الأول، والحاج له تحللان، الحاج له تحللان. التحلل الأول بعد رمي جمرة العقبة في اليوم العاشر، بعد رمي جمرة العقبة في اليوم العاشر. وبعض أهل العلم يزيد مع الرمي الحلق أو النحر، الحلق أو النحر. لكن ظاهر هذا الحديث أنه بمجرد رمي الجمرة يحل أن يتحلل التحلل الأول، يحل أن يتحلل التحلل الأول، فيحل له كل شيء، الطيب والثياب، إلا النساء. فالنساء لا تحل للمحرم إلا بعد التحلل الثاني. والتحلل الثاني يكون بعد طواف الحج. التحلل الثاني يكون بعد طواف الحج. إذا التحلل الأول يكون بعد رمي جمرة العقبة، فيحل المسلم كل شيء إلا النساء. له أن يلبس الثياب، له أن يتطيب، له أن يغطي رأسه، طيب، له أن يحلق رأسه إلى آخره، إلا النساء، ليس له أن يجامع أهله حتى يطوف طواف الحج. فإذا طاف طواف الحج حل له كل شيء، حتى النساء. نعم. نعم، الشاة والبقرة تذبح. أيوة، للأغلب، يعني الأغلب، لعله كان إهداء الإبل والله أعلم، لعله الأغلب كان إهداء الإبل، وكان أكثر ما يذبح وينحر الإبل، والله أعلم. أو من باب التغليب، يدخل فيه يعني في معناه ذبح الغنم والبقر. ويجوز نحر البقر والغنم، نحر البقر والغنم يجوز، لكن الذبح أفضل لها لأنه يعني أيسر عليها وأرفق بها في إزهاق روحها. فالعلماء يذكرون أن يجوز ذبح ما ينحر ونحر ما يذبح، يجوز ذبح ما ينحر ونحر ما يذبح، لكن الأفضل أن يفعل لكل شيء ما هو أيسر وأسهل عليه، فالإبل الأرفق بها النحر، والبقر والغنم الأرفق بها الذبح. قالوا: عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليس على النساء حلق، وإنما يقصرن». فرواه أبو داود بإسناد حسن. هذا الحديث صحيح، النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ليس على النساء حلق، وإنما يقصرن»، يعني ليس عليهن حلق لرؤوسهن. ما تقول: والله أنا سأفعل مثل الرجل، النبي صلى الله عليه وسلم دعا للمحلقين ثلاثاً، فأنا سأحلق. ها، نقول: لا، أنت ما عليك حلق، إنما عليك التقصير. الحلق للرجال، الحلق للرجال، والتقصير للنساء. للرجال لكن الحلق من خصائص الرجال، فالمرأة لا تحلق رأسها إلا للضرورة، إلا للضرورة، إذا كان فيها مرض في رأسها مثلاً وليس لها علاج إلا أن تحلق شعر رأسها، فلا بأس، الضرورات تبيح المحظورات. والأصل أنه يحرم على المرأة أن تحلق رأسها. قالوا: عن ابن عمر رضي الله عنهما أن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبيت بمكة ليالي من، من أجل سقايته، فأذن له. متفق عليه. هذا الحديث دلالة على وجوب المبيت بمنى ليالي التشريق. فقول النبي صلى الله عليه وسلم: أذن للعباس أن يبيت بمكة ليالي من، ورخص له في ذلك، دل هذا على أن المبيت من عزيمة، أن المبيت من عزيمة، وأنه واجب من الواجبات. فإلا من كان له عذر، كمن كان له يعني سقاية، يريد أن يسقي الماء، أو يرعى الإبل، أو يلحق بذلك أيضاً من معه شيء يتعلق بالأكل أو علاج مريض أو نحو ذلك، فلا حرج عليه أن يترك المبيت بمنى. وإلا فالواجب أن يبيت بمنى ليالي التشريق. طيب، إلى هنا. صلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.