الدرس في كتاب الإيمان 20، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يشرح الحديث النبوي أهمية شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله لدخول الجنة، مع التركيز على نطق اللسان واعتقاد القلب. يُفسر معنى لا إله إلا الله وركنيها: النفي والإثبات.
يشرح المقطع معنى الشهادة بأن محمدًا رسول الله وعبد الله، ويوضح الوسطية في اعتقاد المسلمين تجاه النبي محمد. كما يتطرق إلى شرح منزلة عيسى عليه السلام ورد على اعتقاد النصارى فيه.
يشرح المقطع اعتقاد المسلمين في عيسى عليه السلام بأنه عبد الله ورسوله، ويؤكد على الإيمان بالجنة والنار. كما يبين جزاء الموحدين الذين يدخلون الجنة تحت مشيئة الله.
والله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام مسلم بن الحجاج، أبو الحسين النيسابوري القشيري رحمه الله، في صحيحه، في كتاب الإيمان: حدثنا داود بن رشيد، قال: حدثنا الوليد يعني ابن مسلم، وهو الدمشقي الصاحب الأوزاعي. قال: حدثنا عن ابن جابر يعني ابن مسلم، عن ابن جابر، وهو عبد الرحمن ابن يزيد ابن جابر الدمشقي، قال: حدثني عمير بن هانئ، قال: حدثني جنادة بن أبي أمية، وهو دوسي، ودوس من اليمن، وجنادة وأبوه صحابيان، كما قال النهوي رحمه الله، قال على الصحيح الذي قاله الأكثرون، قال: حدثنا عبادة بن الصامت، وهو أحد النقباء ليلة العقبة، ممن شهد بدرًا فما بعدها، صحابي جليل، وكان ممن جمع القرآن في زمن النبي عليه الصلاة والسلام، أرسله عمر إلى فلسطين ليعلم أهلها القرآن، وأقام بها إلى أن مات، رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قال: أشهد أن لا إله إلا الله، لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله وابن أمته، وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه، وأن الجنة حق، وأن النار حق، أدخله الله من أي أبواب الجنة الثمانية شاء». قال: وحدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي، قال: حدثنا مبشر بن إسماعيل، عن الأوزاعي، هو عبد الرحمن بن عمر، إمام من أئمة أهل الحديث، قال: عن عمير بن هانئ، في هذا الإسناد، بمثله، غير أنه قال: «أدخله الله الجنة على ما كان من عمل»، ولم يذكر «من أي أبواب الجنة الثمانية شاء». هذا الحديث. هذا الحديث يقول نبي عليه الصلاة والسلام: «من قال: أشهد أن لا إله إلا الله، لا شريك له»، من قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إلى آخر الحديث. قول عليه الصلاة والسلام: «من قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له»، أشهد، أشهد، أشهد، هي النطق باللسان مع اعتقاد القلب. نطق اللسان مع اعتقاد القلب، عندما تقول: أشهد أنه لا إله إلا الله، يعني أقر بذلك ناطقًا بلساني، ومعتقدًا بقلبي أنه لا إله إلا الله، لا يستحق العبادة إلا الله جل وعلا وحده. فشهادة التوحيد لا بد فيها من نطق اللسان مع اعتقاد القلب، ولهذا كان الإيمان عند أهل السنة نطق باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالجوارح والأركان. أشهد أن لا إله إلا الله وحده، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لا إله إلا الله، مر معنى أن معناها لا معبود بحق إلا الله، وهي مجملة على ركنين أساسيين، وهما النفي والإثبات. لا إله، نفي لكل ما يعبد من دون الله، إلا الله، إثبات العبودية لله وحده، ولا يتم التوحيد إلا بهما، بالنفي والإثبات. فمن قال: لا إله فقط، لم يكن بذلك موحدًا، ومن قال: إلا الله فقط، من غير نفي، لم يكن بذلك موحدًا، حتى يأتي بالنفي والإثبات. لا إله، نفي الألوهية عن سوى الله، وإلا الله، إثبات الألوهية لله جل وعلا وحده. وقوله: وحده لا شريك له، هذا تأكيد، وحده تأكيد للإثبات، أنه هو الإله المستحق للعبادة وحده لا شريك له، نفي أو تأكيد للنفي، أنه لا شريك مع الله جل وعلا، ذلك بأن الله هو الحق، وأن ما يعبدون من دونه هو الباطل، وأن الله هو العلي الكبير. فمن شهد أن لا إله إلا الله، مع إقراره ورضاه بعبادة غير الله، هذا ليس بموحد، وليس بمؤمن، حتى يكفر بكل ما يعبد من دون الله. فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله، فقد استمسك بالعروة الوثقى. وأن محمدًا عبده ورسوله، أي يشهد، قال: أشهد أن محمدًا عبده ورسوله، يشهد بأن محمدًا عليه الصلاة والسلام عبده، أي عبد الله، عبد لله جل وعلا، فهو عبد كسائر العبيد، وبشر كسائر البشر، فلا يُعبد من دون الله جل وعلا، ورسوله، أي فضله الله عز وجل بالرسالة والنبوة، فجعله نبيًا رسولًا، وبهذا تميَّز عن غيره من سائر البشر. قل: إنما أنا بشر مثلكم، يوحى إلي أنه لا إله، يوحى إلي. طيب، فهو بشر، لكن فضله الله سبحانه وتعالى بالرسالة والنبوة، ونزول الوحي عليه. فإذا كان كذلك، فهو عليه الصلاة والسلام عبدٌ فلا يُعبد، ورسولٌ فلا يُكذَّب. وهذا قول الحق والعدل والوسط في حق النبي عليه الصلاة والسلام، وهو بسطٌ بين الغالي والجافي، والمفرط. فهناك قومٌ غلوا في النبي عليه الصلاة والسلام حتى رفعوه إلى درجة الربوبية والألوهية، كحال غلاة المتصوفة الذين يجعلون للنبي عليه الصلاة والسلام ما هو لله من علم الغيب، وتفريج الكربات، وغير ذلك. ومن ذلك قول صاحب البردة: «يا أكرم الخلق ما لمن ألوذ به سواك عند حدوث الحادث العمم، إن لم تكن يوم المعاد آخذًا بيدي فضلًا وإلا فقل يا زلة القدمي»، وقال: «وإن من جودك الدنيا وذرتها، ومن علومك علم اللوح والقلم». هذا من الغلو، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، فإنما أنا عبد، قولوا: عبد الله ورسوله». وقال: «إياكم الغلو، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو». وقوم جفوا وفرطوا حتى نفوا الرسالة على النبي عليه الصلاة والسلام، كحال المنافقين والفلاسفة الذين جعلوا أمر الرسالة عبارة عن تخيل، يتخيل أنه يوحى إليه، ثم يأتي بكلمات يعبر بها عما يتخيله، إلى آخر كلامهم الفارغ والكلام الباطل. والحق الوسط هو ما يجب أن يعتقده كل مسلم، أن محمد عليه الصلاة والسلام رسول من عند الله، أرسله الله عز وجل بهذا الدين العظيم، وأوحى إليه بما أنزل عليه من الوحي، ومنه هذا القرآن العظيم. قال: «وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله وابن أمته، وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه»، أي واشهد أن عيسى عبد الله وابن أمته، وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه. عيسى عليه السلام، أو عيسى بن مريم، يسمى بلا أب له، لأنه لا أب له، خلقه الله عز وجل بلا أب، كما أنه خلق آدم بلا أب ولا أم، والله عز وجل على كل شيء قدير. إنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له: كن، فيكون. فعيسى عبد الله، وقوله: عيسى عبد الله، معنى أنه ليس برب ولا بإله كما يدعي النصارى، وهذا فيه رد على النصارى الذين يجعلون عيسى عليه السلام في درجة الربوبية والألوهية، فيدعون أنه ثالث ثلاثة، أو أنه ابن الله، تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا. ﴿ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدًا﴾، ﴿قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد﴾، فهذا القول من النصارى قول باطل، وقول كفر، ﴿لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم﴾، فالله عز وجل كفر النصارى بهذه المقالة الكفرية الباطلة. وعيسى عبد الله، عبد من عبيد الله، خلقه الله عز وجل بقوله: كن، فكان. قال: «وأن عيسى عبد الله ورسوله»، إذن هو عبد لله كسائر العبيد، وفضله الله عز وجل بالرسالة، فضله الله عز وجل بالرسالة كسائر رسل، فجعله ماذا؟ رسولًا، وبهذا تميز عن غيره من البشر بما أوحى الله سبحانه وتعالى إليه. وأن عيسى عبد الله ورسوله، إذن هو عبد لله، ليس ابن الله، ولا هو الله. نعم، ولهذا ثالث ثلاثة. وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم، كلمته سمي عيسى كلمته لأنه كان بكلمة: كن، كان بكلمة: كن، وليس هو كن كما كذلك يدعي بعض النصارى، وإنما كان بكن، كان بكن. وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه، ألقاها إلى مريم، حين أرسل الله عز وجل لها جبريل، فأتاها بصورة بشر، كما في صورة مريم، ونفخ فيه من روحه، فنفخ في جيبها، فوصلت هذه النفخة إلى فرجها، فحملت بعيسى عليه السلام. وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه، أي روح من الله، ورحمة من الله. فقوله: وروح منه، ليس معناه جزء من الله كما يدعي النصارى، ولهذا قالوا بعقيدة التثليث، أو أنه ابن الله. وإنما الإضافة هنا إضافة خلق وتشريف، كبيت الله، وناقة الله، فالإضافة هنا إضافة خلق وتشريف، وإلا ففي أول هذه الجملة ما يبطل هذا الادعاء، لأنه قال: وعبد الله. وأن عيسى عبد الله ورسوله، إذن هو منفصل ومخالف لله، فكيف يدعى أنه هو الله أو ابن الله؟ الله عز وجل أخبر بأنه عبد لله كسائر العبيد، وإنما أضيف إلى الله، وقول: بروح منه، أي إضافة خلق وتشريف، شرفه الله عز وجل بهذه الإضافة. نعم، كما يقال: بيت الله، ناقة الله، المعنى أنها جزء من الله أبدًا. قال: «وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه»، لابد يعتقد هذا الاعتقاد. «وأن الجنة حق، وأن النار حق»، أي ما اعتقد هذا الاعتقاد أن الجنة حق، خلقها الله عز وجل لأهل الإيمان وأهل التقوى، يجازي بها المتقين والمؤمنين، فهي دار المتقين، وهي موجودة ومخلوقة، كما قال الله عز وجل: ﴿في الجنة أو عدة للمتقين﴾، فالإتيان بفعل الماضي يدل على وجودها، وأنها مهيئة وموجودة ومخلوقة. وهكذا في النار التي هي دار الكافرين والفاجرين والفاسقين، أخبر الله عز وجل كذلك بخلقها ووجودها، وقال: ﴿أعدت للكافرين﴾، فهي إذن موجودة ومعدة وجاهزة. والإيمان بالجنة والنار كذلك يشمل غير ذلك من أمور الآخرة، من البعث والنشور، والإحياء بعد الموت، وما يكون في يوم القيامة. فهذا الحديث شمل على جملة من العقائد العظيمة التي يجب على كل مسلم أن يعتقدها، ومن لم يعتقدها أو خل بشيء منها لم يكن مسلمًا، ولم يكن مؤمنًا، لم يكن مسلمًا، ولم يكن مؤمنًا. فإذا اعتقد المسلم ما في هذا الحديث، فجزاؤه أنه يدخل الجنة من أي أبواب الجنة الثمانية شاء، وهذا فيه أن أبواب الجنة ثمانية، وبعض هذه الأبواب لها ماذا؟ ناس ذو أعمال خاصة، كأصحاب الصيام مثلًا لهم باب الريان، هناك باب الجهاد، وباب الصدقة، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام. وهذا الموحد يدخل من أي هذه الأبواب شاء، وهذا لا شك أنه فضيلة عظيمة، أنه يتخير من أي أبواب الجنة شاء أن يدخلها. نعم، وفي الرواية الأخرى قال: «أدخله الله الجنة على ما كان من عمل»، وإن كان العمل قليل، لكن بسبب توحيده وصحة اعتقاده، فإنه يدخل الجنة حتمًا، أدخله الله الجنة على ما كان من عمل. وكما مر معنا أنه الموحد يدخل الجنة، سواء كان عنده ذنوب ومعاصي وكبائر، فهو تحت مشيئة الله، إن شاء الله عفا عنه ودخل الجنة، وإن شاء عذبه وعاقبه، ثم يكون مصيره ومآله إلى الجنة. وهذه فضيلة عظيمة لمن حقق توحيد الله جل وعلا. إلى هنا صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.