الدرس في كتاب الصيام 51، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يسرد المقطع سلسلة رواة حديث ليلة القدر في صحيح مسلم مبيناً أحوالهم وثقاتهم، ثم يروي حديث أبي سعيد الخدري عن اعتكاف النبي صلى الله عليه وسلم العشر الوسطى وخروجه صبيحة عشرين للتماسها في العشر الأواخر. ويذكر علامة رؤياه السجود في ماء وطين والتي تحققت بمطر الصبح وأثر الطين على جبهة النبي صلى الله عليه وسلم.
يذكر المقطع روايات عن اعتكاف النبي صلى الله عليه وسلم في العشر الأوسط ثم الأواخر طلباً لليلة القدر، وكيف نُسيت بسبب خصام رجلين، مع توضيح ليالي الوتر في العشر الأواخر. ويؤكد على أهمية الرجوع إلى أهل العلم عند الاختلاف مستدلاً بقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.
يؤكد المقطع أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يعلم الغيب بدليل تغير اعتكافه طلباً لليلة القدر، ويستدل بآيات قرآنية تنفي علم الغيب عن غير الله. ويحذر من غلو المتصوفة في ادعاء علم الغيب للأولياء أو النبي معتبراً ذلك كفراً وظلماً لحق النبوة.
يؤكد المتحدث أن النبي محمد ﷺ نبي ورسول وعبد لله، فلا يُعبد ولا يُكذَّب، مشدداً على الموقف الوسط بين الغلو والجفاء. ويختتم بالصلاة والسلام عليه وعلى آله وصحبه.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام مسلم بن الحجاج، أبو الحسين النيسابوري القشيري، رحمه الله، في صحيحه: حدثنا محمد بن المثنى، وهو أبو موسى العنزي، الملقب بالزمن، وهو من رجال الكتب الستة. قال: حدثنا أبو عامر، وهو عبد الملك بن عمر القيسي. قال الذهبي، رحمه الله: الإمام الحافظ، محدث البصرة، وكان من مشايخ الإسلام. قال: حدثنا هشام، وهو ابن عبد الله الدستوائي، أبو بكر البصري، أيضًا كان من الحفاظ. قال فيه شعبة بن الحجاج، رحمه الله: ما أقول إن أحدًا طلب العلم يريد به وجه الله إلا هشام الدستوائي. وكان يحيى بن معين يقول: كان يحيى بن سعيد القطان إذا سمع الحديث من هشام الدستوائي لا يبالي أن لا يسمعه من غيره. فكان، رحمه الله، ثقة ثبتًا، وقد رمي بالقدر، وهو من أروى الناس عن ثلاثة: هشام الدستوائي من أروى الناس عن ثلاثة، أحدهم يحيى بن أبي كثير، والثاني حماد بن أبي سليمان، والثالث قتادة بن دعامة، أبو الخطاب السدوسي. يحيى بن أبي كثير، وحماد بن أبي سليمان، وقتادة، من أروى الناس عنهم هو هشام الدستوائي. قال: عن يحيى بن أبي كثير، البصري، أحد الأعلام. قال الإمام الذهبي، رحمه الله: كان عالم أهل اليمامة. قال: وقد بلغنا أنه حبس وضرب وحلق لكونه تنقص بني أمية في بعض أفعالهم، فعوقب بذلك، رحمه الله. قال: عن أبي سلمة، ومن عبد الرحمن بن عوف، قال: تذاكرنا ليلة القدر، فأتيت أبا سعيد الخدري، رضي الله عنه، وكان لي صديقًا، فقلت: ألا تخرج بنا إلى النخل؟ فخرج، وعليه خميصة، والخميصة: الكساء الذي يكون فيه خطوط وأعلام. قال: قلت له: سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يذكر ليلة القدر؟ قال: سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يذكر ليلة القدر. فقال: نعم، اعتكفنا مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، العشر الوسطى من رمضان، فخرجنا صبيحة عشرين، فخطبنا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال: «إني أريت ليلة القدر، وإني نسيتها أو أنسيتها، فالتمسوها في العشر الأواخر، من كل وتر، وإني أريت أني أسجد في ماء وطين، فمن كان اعتكف مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فليرجع». قال: فرجعنا، وما نرى في السماء قزعة، يعني سحابة، كانت السماء صحوًا ليس فيها سحاب. قال: وجاءت سحابة، فمطرنا حتى سال سقف المسجد، وكان من جريد النخل، وأقيمت الصلاة، أي صلاة الصبح، فرأيت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يسجد في الماء والطين، قال: حتى رأيت أثر الطين في جبهته. وحدثنا عبد بن حميد، وهو أبو محمد الكشي. قال فيه الإمام الذهبي، رحمه الله: كان صاحب تجوال وتصانيف، ووثقه، حافظ، كما قال الحافظ ابن حجر، رحمه الله. قال: أخبرنا عبد الرزاق، وهو ابن همام الصنعاني. قال: أخبرنا معمر، وهو ابن راشد، نزيل اليمن، حاوي. حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، وهو الحافظ الثقة، صاحب المسند، مسند الدارمي، ويقال له سنن الدارمي. كان، رحمه الله، كذلك من الرحالين في طلب العلم، كما قال الإمام الخطيب، رحمه الله، فضصفه بالحفظ والجمع، حتى قال فيه الإمام محمد بن بشار، محمد بن بشار الملقب بمندار: حفاظ الدنيا أربعة: أبو زرعة بالري، ومسلم بن الحجاج بنيسابور، ومحمد بن إسماعيل البخاري ببخارى، وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي بسمرقند. قال: حفاظ الدنيا أربعة: أبو زرعة بالري، ومسلم بن الحجاج بنيسابور، ومحمد بن إسماعيل البخاري ببخارى، وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي بسمرقند. قال: أخبرنا أبو المغيرة، وهو عبد القدوس بن الحجاج، وهو ثقة. قال: حدثنا الأوزاعي، وهو عبد الرحمن بن عمرو الشامي الدمشقي، إمام أهل الشام في زمانه، أبو عمرو. قال الإمام الذهبي فيه: شيخ الإسلام، الحافظ، كان إمامًا في العلم والعبادة. قال: كلاهما عن يحيى بن أبي كثير، بهذا الإسناد نحوه، وفي حديثه: «ما رأيت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حين انصرف، وعلى جبهته وأرنبته أثر الطين». أرنبته: يعني طرف الأنف. قال: حدثنا محمد بن المثنى، وأبو بكر بن خلاد، قال: حدثنا عبد الأعلى، ومن عبد الأعلى، قال: حدثنا سعيد، عن أبي نظرة، عن أبي سعيد الخدري، رضي الله عنه، قال: اعتكف رسول الله، صلى الله عليه وسلم، العشر الأوسط من رمضان، يلتمس ليلة القدر، قبل أن تبان له. نظر في هذه الرواية: يعني كان اعتكاف النبي، صلى الله عليه وسلم، في العشر الأول، وفي العشر الأوسط، قبل أن يخبر بأنها في العشر الأواخر، كما في هذه الرواية: قبل أن تبان له. قال: فلما إن قضينا، أمر بالبناء، فقوض البناء عن الخيمة التي نصبت له، أن تقوض، يعني ترفع. قال: ثم أبينت له أنها في العشر الأواخر، فأمر بالبناء فأعيد، ثم خرج على الناس، فقال: «يا أيها الناس، إنها كانت أبينت لي ليلة القدر، وإني خرجت لأخبركم بها، فجاء رجلان يحتقان، معهم الشيطان». يحتقان: يعني يتخاصمان ويتجادلان، كل واحد يزعم أنه هو المحق، هذا يقول في ليلة كذا، وهذا يقول: أنا قولي الحق، وذلك يقول: أنا قولي الحق، هذا معنى يحتقان. قال: معهم الشيطان، لأن الشيطان يحب النزاع والخلاف والخصام، وكذلك حصول الشقاق والخلاف والتحريش. قال: «فنسيتها، فالتمسوها في العشر الأواخر من رمضان، التمسوها في التاسعة، والسابعة، والخامسة». قال: قلت: يا أبا سعيد، إنكم أعلم بالعدد منا. قال: أجل، نحن أحق بذلك منكم. قال: قلت: ما التاسعة، والسابعة، والخامسة؟ قال: إذا مضت إحدى وعشرون، فالتي تليها ثنتان وعشرون، وهي التاسعة، يعني إذا مضت الليلة الحادية والعشرون، فالتي تليها ثنتان وعشرون، وهي التاسعة، أي ليلتها ليلة يوم الاثنين والعشرين هي ليلة الثالث والعشرين. فإذا مضت ثلاث وعشرون، فالتي تليها السابعة، يعني ليلة الخامس والعشرين. فإذا مضى خمس وعشرون، فالتي تليها الخامسة، أي ليلة سبع وعشرين. قال ابن خلاد: مكان «يحتقان» «يختصمان». في هاتين الروايتين في حديث أبي سعيد، رضي الله تعالى عنه، في ذكر ما كان من النبي، عليه الصلاة والسلام، من تحريه لالتماس ليلة القدر، قبل أن يعلم ويخبر بشأنها وأمرها. في الرواية الأولى: أن أبا سلمة تذاكر مع أبي سعيد الخدري، رضي الله عنه، هذا الأمر، فخرج معه وسأله عن ليلة القدر، وهذا فيه أهمية الرجوع إلى أهل العلم عند حصول الخلاف، أو عند إرادة معرفة حكم مسألة من المسائل، فينبغي الرجوع إلى أهل العلم لسؤالهم، كما قال الله جل وعلا: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43، الأنبياء: 7]. فهذا كان السلف يحرصون، إذا حصل شيء أمر يحتاج إلى معرفة حكمه، أو وقعت حادثة، فإنهم يسارعون بالذهاب إلى أهل العلم وسؤالهم، والتنور بما أتاهم الله سبحانه وتعالى من علم. وهكذا يقول ربنا جل وعلا: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: 83]. فلهذا تجد في كثير من الحديث رجوع كثير من التابعين إلى الصحابة، رضوان الله عليهم، يسألونهم عما رأوا أو سمعوا من النبي، عليه الصلاة والسلام، وبهذا يتوصل العبد لمعرفة الحكم الصحيح بدليله، وكذلك ببرهانه. فالعالم، فالعالم الذي آتاه الله سبحانه وتعالى علمًا بأحكام هذا الدين وأحكام هذه الشريعة، إذا سئل عن مسألة وهو يعرف حكمها، سيذكر حكمها، ويذكر الدليل الذي يدل على حكم هذه المسألة، وحينئذ تأخذ هذا الحكم، تعرف على هذه المسألة من منبع صافٍ نقي، ألا وهو منبع الوحيين: الكتاب والسنة، على فهم سلف الأمة، فبذلك يحصل المقصود، ويرتفع النزاع والخلاف في مثل هذه المسائل. وذكر، رحمه الله، رضي الله عنه، ما مر معنا في الروايات الأخرى من اعتكاف النبي، عليه الصلاة والسلام، في العشر الأوسط، ثم لما أخبر أنها في العشر الأواخر، اعتكف، عليه الصلاة والسلام، في العشر الأواخر، وأخبر، عليه الصلاة والسلام، أن ليلة القدر في تلك السنة، أنه يسجد في صبيحتها على ماء وطين، فكان الأمر كما قال: جاءت السحاب، مع أنه لم تكن هناك سحاب، يعني سلم أخبرهم أنه أري ليلة القدر في تلك الليلة، وأنه يصبح في صبيحتها عليه أثر الماء والطين، وكانت السماء صحوًا، ما هي إلا لحظات، وإذا بسحابة يرسلها الله سبحانه وتعالى فتمطر عليه، ويقع ما أخبر به النبي، صلى الله عليه وسلم، وهذا فيه دليل من دلائل نبوته، عليه الصلاة والسلام، إذ أخبر بهذا الأمر، فوقع كما أخبر، وقع كما أخبر، عليه الصلاة والسلام. نعم، في حديث أبي سعيد دليل على أن النبي، عليه الصلاة والسلام، لا يعلم الغيب، أنه لا يعلم الغيب. ما وجه ذلك؟ ما وجه ذلك في حديث أبي سعيد أن النبي، عليه الصلاة والسلام، لا يعلم الغيب؟ ما وجه ذلك؟ نعم، أنه ما كان يدري أين ليلة القدر، أين تكون ليلة القدر، ولهذا اعتكف في أول الأمر في العشر الأول، ثم اعتكف في العشر الأوسط، حتى أخبر وأعلمه الله سبحانه وتعالى أنها في العشر الأواخر، ولو كان يعلم الغيب، اعتكف ابتداء في العشر الأول، فهذا دليل من أدلة كثيرة أن النبي، عليه الصلاة والسلام، لا يعلم الغيب، ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ [الأعراف: 188]. نعم، خلافًا لما قد يزعمه بعض الغلاة، غلاة المتصوفة وغيرهم، في كبرائهم وأتباعهم، فضلًا عن النبي، عليه الصلاة والسلام، أنهم يزعمون فيهم أنهم يعلمون الغيب، أنهم يعلمون الغيب، ويقرؤون ما في اللوح المحفوظ سطرًا سطرًا، سطرًا، كذب وافتراء، وكذلك لا شك أن ذلك كفر. فالله جل وعلا يقول: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: 65]. الله يخبر أنه لا يعلم الغيب أحد سواه. ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان: 34]. نعم، عالم الغيب، ﴿فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا﴾ [الجن: 26]. فبهذا يُعلم ضلال من غلا في النبي، عليه الصلاة والسلام، وجعل فيه منزلة ربوبية، فقد ظلم في ذلك، كما أن من تنقص النبي، عليه الصلاة والسلام، وأنكر نبوته، فقد ظلم. والحق في ذلك ووسط: أن النبي، عليه الصلاة والسلام، نبي فلا يُعبد، وعبد فلا يُعبد، ونبي فلا يُكذَّب، عبد فلا يُعبد، ورسول فلا يُكذَّب، عليه الصلاة والسلام. طيب، نكتفي بهذا القدر إلى هنا. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين. ترجمة نانسي قنقر